بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ مريمُ تَتَرَبَّى فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ من مِنَّةِ اللَّهِ عَلَى الفَتَاهِ أن تَتَرَبَّى فِي بَيْتٍ صَالِحٍ بَيْنَ أَبَوَيْنِ صَالِحِينِ أو أن يُهيئَ اللَّهُ لَهَا مَنْ يُرَبِّيهَا مِنَ الصِّغَرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ من إخوانها أو أخواتها أو من يُسَخِّرُهُ اللَّهُ لَهَا وهذه النعمة إنما تستفيد منها الفتاة العاقلة الفطنة ذات السريرة النقية الصادقة الصالحة وقد رأينا في هذا الزمان من تتوفر لها هذه النعمة بتوفيق من الله لكنها تتمرد عليها بحجة الحرية التي تدعو إليها الأفكار النسوية ودعاة إفساد الفتيات ثم تكون النتيجة المرة ضياع الفتاة وخسارة هذه النعمة لعدم شكرها وقد رأينا من ندمت على سلوكها هذا المسلك بعد أن رأت الكارثة التي حلت بها بتمردها على تربية أبويها الصالحين أما الفتاة العاقلة الفطنة والتي استفادت من البيئة الصالحة التي هيئها الله لها فهي تعيش في سعادة لا يعرفها إلا من تذوقها ومريم ابنة عمران عليه السلام ممن هيئ الله لها البيئة الصالحة لتتربى فيها فهي من آل بيت استفاهم الله على العالمين وتربت في بيت نبي من أنبياء الله وكانت بين قوم صالحين وقدر الله لها أن تولد يتيمة وليتم نعمة أخرى من نعم الله على الفتاة يعرفها من درس سيرة الأيتام ورعاية الله لهم وتأملي أخت الكريمة قول الله تعالى في تعداد نعمه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال ألم يجدك يتيما فآوا وحث النبي صلى الله عليه وسلم على كفالة اليتيم وبين فضلها وأجرها في الآخرة فقال أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى رواه البخاري فهذا الثواب العظيم في كفالة اليتيم يدل على عظم المسؤولية في هذه الكفالة وأن الكفالة لا تقتصر على بضعة دنانير يقدمها الكفيل لجهة خيرية تجمع الأموال للأيتام ثم لا يدري عن اليتيم شيئا إن الكفالة التي جعل ثوابها الجنة برفقة النبي صلى الله عليه وسلم شأنها أعظم من ذلك بكثير فالكفالة هي التربية والرعاية ومتابعة مصالح اليتيم والقيام على أمواله وتنميتها والمحافظة عليها والإنفاق على اليتيم إلا زم الأمر وهذا المعنى كان واضحا عند الصالحين في زمن مريم ابنة عمران ولذلك تنافسوا على كفالتها أيهم يفوز بهذا الثواب والأجر العظيم قال تعالى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون قال ابن جرير الطبري رحمه الله وأما أقلامهم فسهامهم التي استهم بها المستهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم وقال ابن عطية رحمه الله وجمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها وقال ابن كثير رحمه الله اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها وذلك لرغبتهم في الأجر وكانت النتيجة ما اختاره الله لها من أن تتربى مريم في بيت نبي من أنبيائه قال تعالى وكفلها زكريا قال ابو زهرة رحمه الله وكفلها أي ضمها إلى زكريا لأن الكفالة في أصل معناها الضم وقد ضمها إليه لتكون في رعايته وكان ذلك بإرادة الله ونتيجة اقتراع كان بينهم ذلك بأن الصالحين من قومها تنازع في من يكفلها فاقترعوا وكانت القرعة لنبي الله زكريا ولذا قال سبحانه ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فكانت تلك القديسة الطاهرة في رعاية نبي وتربت في مهد النبوة لتكون هي وبنها آية للعالمين وكفالة نبي الله زكريا لمريم جعلها تتربى في بيت النبوة وتأخذ من أخلاق وعبادة النبي الكريم زكريا عليه الصلاة والسلام قال الطاهر بن عاشور رحمه الله وكفلها زكريا عد هذا في فضائل مريم لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأن أبى التربية يكسب خلقه وصلاحه مرباه وقال السعدي رحمه الله فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نبات حسنا أي ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية كملت بها أحوالها وصلحت بها أقوالها وأفعالها ونمى فيها كمالها ويسر الله لها زكريا كافلا وهذا من منة الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا تسابق القوم في كفالة مريم والجواب لأنهم أدركوا جميعا أن الفتاة بحاجة إلى رجل يحميها ويرعاها ولو كانت هذه الفتاة مريم عليه السلام قال ابن تيمية رحمه الله فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى أسرعوا إلى كفالتها فكيف غيرها من النساء وهذا أمر معروف بالتجربة أن المرأة تحتاج من الحفظ وصيانة ما لا يحتاج إليه الصبي وكل ما كان أستر لها وأصوى كان أصلح لها ولهذا كان لباسها المشروع لباسا يسترها ولعن من يلبس لباس الرجال من واجب الرجل تفقد أحوال الفتاة التي تحت رعايته ويستفسر عما يشكل عليه من أمرها كما فعل زكريا مع مريم عليه السلام قال تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنا لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وقال السعدي رحمه الله كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا أي من غير كسب ولا تعب بل رزق ساقه الله إليها وكرامة أكرمها الله بها فيقول لها زكريا أنا لك هذا قالت هو من عند الله فضلا وإحسانا إن الله يرزق من يشاء بغير حساب أي من غير حسبان من العبد ولا كسب وقال أبو زهرة رحمه الله عجب نبي الله من هذا الرزق وما كان العجب إلا لأنه لا يعرف سببه ولو كان يعرف أنها هبات تأتيها ما ثار عجبه ولقد كانت إجابتها إجابة الربانيين الأبرار قالت هو من عند الله أكدت أنه رزق الله ولذلك أتت بالضمير ثم أكدت ذلك بما يزيل العجب فقالت إن الله يرزق من يشاء بغير حساب أي أن رزق الله كثير غير محدود بحد ولا مقدر بقدر ولذا لا يحده الحساب ولا تجري عليه الأعداد التي تنتهي ولا ينبغي للفتاة أن تتضجر من تفقد وليها لأحوالها بل الواجب عليها أن تفرح بذلك لأن هذا التفقد دليل على اهتمام ورعاية الولي لها ولكن ما الرزق الذي كان يأتي مريم عليه السلام نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين