بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو بصير عطبة بن أسيد رضي الله عنه في السنة السادسة للهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بألف وخمسمائة من أصحابه يلممين وجوههم شطر المسجد الحرام يريدون آداء العمرة فما إن علمت بهم قريش حتى عقدت العزم على أن تصدهم عن دخول مكة مهما كان الثمن غاليا لكنها آثرت أن يتم ذلك صلحا إذا وجدت للصلح سبيلا ولما بلغ الرسول عليه الصلاة والسلام منطقة الحديبية على بعد مرحلة من مكة وحط رحاله فيها طفقت السفراء تروح وتغدو بينه وبين قريش وطال بين الفريقين التراجع والتفاوض إلى أن جاء سهيل بن عمر سفيرا للمشركين وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقفل عائدا إلى المدينة وأن يرجأ عمرته إلى العام القادم شريطة أن يدخل مكة بغير سلاح وأن يخرج منها هو ومن معه بعد ثلاثة أيام وأن يكون بين المسلمين وقريش صلح مدته عشرة أعوام يسود خلالها السلام بين الفريقين فعظم الأمر على المسلمين وكبر عليهم أن يصدهم المشركون عن بيت الله الحرام هذا الصد وأن يبرموا مع قريش هذا العقد وزاد الأمر قسوة على قلوب الصحابة الكرام أن سهيل بن عمر اشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من جاء من قريش إلى المسلمين مؤمنة من رجل أو امرأة رده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قريش وأن من جاء من المسلمين إلى قريش مرتدا عن الإسلام لم يردوه إلى النبي عليه الصلاة والسلام مما أثار حفيظة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فوثب إلى الصديق وقال يا أبا بكر قال نعم قال أليس محمد برسول الله قال بلى قال ألسنا بالمسلمين قال بلى قال أوليس بالمشركين قال بلى قال فعلى منعط الدنيا في ديننا فقال أبو بكر في حزم إلزم أمر النبي صلى الله عليه وسلم يا عمر وإني أشهد أنه رسول الله فقال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله ثم مضى عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال يا نبي الله ألست برسول الله قال بلى قال أولسنا بالمسلمين قال بلى قال أوليس بالمشركين قال بلى قال فعلى منعط الدنيا في ديننا فقال عليه الصلاة والسلام إني عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني الله أبدا قال عمر فما زلت بعد ذلك أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق مخافة كلام الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون الله قد عفا عني ولما تم توقيع العقد بين النبي عليه الصلاة والسلام وقريش قفل الرسول صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة لكنه ما كاد يستقر بها قليلا حتى تعرضت ذمةه صلى الله عليه وسلم ومواثيقه لاختبار قاس بسبب أبي بصير عتبة بن أوسيد بطل قصتنا هذه فلنترك له الكلام ليروي قصته المثيرة قال أبو بصير كنت رجلا من المؤمنين المستضعفين إذ لم يكن لي بمكة عشيرة تحميني أو رجال يجيرونني وكانت قريش قد صبت علي سوط عذابها بسبب مفارقتي لدينها ونبذي لأوثانها ولما أخذ المسلمون يهاجرون إلى المدينة حبستني قريش فلم تسمح لي بالهجرة مع المهاجرين وتركتني أتقلب على نار مشبوبة من غيظها وحقدها فكانت كل ما أصاب منها رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أو غزوة انتقمت مني ومن إخواني من المستضعفين الذين حبستهم عندها أشد انتقام ثم سنحت لي غفلة من قريش فاغتنمتها ومضيت فارا بديني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا لا أعلم من أمر صلح الحديبية إلا القليل قال أبو بصير فمضيت أغذ السير نحو المدينة يطير بي الشوق إلى لقاء النبي صلى الله عليه وسلم ويحدوني الحنين إلى العيش مع المسلمين فما إن وطئت قدمايا المدينة واكتحلت عينايا بمرأى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى بعثت قريش بكتاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام مع رجل من بني عامر ومولا من مواليها تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يردني إليها عملا بشروط الصلح قال أبو بصير ولم أكن أتوقع أن يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى ما كنت فيه من البلاء والعودة إلى أسر قريش بعد أن نجوت منهم بنفسي وديني ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام التفت إلي وقال يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت من العهد ولا يصلح في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق إلى قومك فقلت يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني قال صلى الله عليه وسلم يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا قال أبو بصير فانطلقت مع الرجلين حتى إذا كنا بذي الحليفة على بعد سبعة أميال من المدينة جلسنا لنصيب شيئا من الراحة فقلت للقرشي أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر فقال نعم وجعل يقص علي من خبره كيت وكيت فأبديت له عجبي منه فلما رآني أعجب من السيف هذا العجب قال أنظره إن شئت فلما صار السيف في يدي قلت في نفسي مشرك يقودني إلى المشركين ليفتنوني عن ديني ويذيقوني شر العذاب والله لا أنقاد له ولا أمضي معه لقد برئت ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمني إليه فما علي إذا قتلته ثم سللت السيف من غمده وعلوت رأسه به وقتلته فلما رأى المولى الذي كان معه مصرعة فلما أتبعه إذ لم يكن لي به أرب ومضى إلى المدينة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فلما رآه النبي صلوات الله وسلامه عليه طالعا قال إن هذا الرجل مذعور أصابه فزع فلما انتهى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال له ويحك ما لك قال قتل صاحبكم صاحبي قال أبو بصير فوالله ما برح الرجل من مكانه حتى طلعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحني السيف الذي قتلته القرشي وقلت يا رسول الله قد وفت ذمتك وأدى الله عنك قال وكيف قلت لقد وفيت بعهدك وأسلمتني إلى القوم يدا بيد ثم امتنعت أنا بنفسي منهم ونجوت بديني مخافة أن يفتنوني أو يعبثوا بي فالتفت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى من معه وقال ويل أمه من مسعر حرب لو كان معه رجال فوقعت مقالته هذه من نفسي موقعا ثم أتبع أبو بصير يقول لم يكن في وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستبقيني عنده وفاء بعهده ولم يكن في وسعي أن أعود إلى قريش بعد أن قتلت صاحبهم فمضيت حتى نزلت العيص على ساحر البحر في الطريق التي كانت تسلكها قريش في تجارتها مع الشام وأقمت هناك ثم ما لبث أن سمع المسلمون المحتبسون في مكة قول الرسول صلى الله عليه وسلم عني ويل أمه من مسعر حرب لو كان معه رجال فجعلوا يخرجون إلي واحدا بعد واحد حتى بلغنا نحو من سبعين رجلا وكان أول هؤلاء خروجا إلي أبو جندل ابن سهيل ابن عمر فجعلنا نقطع طريق التجارة على قريش فلا نظفر بأحد منهم إلا قتلنا ولا تمر بنا عير لها إلا أخذناها وقد اشتد ساعدنا وقوية شوكتنا وغدونا في حلوق قريش نقض مضاجعها ونبث الثعر في قوافلها حتى ضاقت بنا ذرعا وأعيتها الحيل في أمرنا فكتبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله بأرحامها أن يدعونا إليه وتعلن له أنها نزلت عن شرطها المتعلق بنا قال أبو جندل صاحب أبي بصير وفيما نحن كذلك وصلنا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فيه إلى القدوم عليه وكان يومئذ أخي أبو بصير مريضا مرضى الموت فأعطيته كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعه إلى شفتيه وقبله ثم فاضت روحه وهو يقول إقرأوا عني السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فواريناه ترابه هناك ولحقنا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه رضي الله عن مسعر الحرب أبي بصير فقد عاش معذبا في سبيل الله ومات مشردا في سبيل الله أيضا ويل أمه من مسعر حرب لو كان معه رجال محمد رسول الله