بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر وفات الشاعر الكبير أحمد بن الحسين المتنبي الزمان شهر رمضان سنة 54 و 300 للهجرة الشعر فن من الفنون الإنسانية التي تميل إليها النفوس بالطبع وتستروح عند إنشاده وتتمتع في ظلال قراءته والنظر فيه وتعشق جيدة وتتلذذ في ترداده وإعادته فأوزانه وتوقيعات كلماته تتراقص معها المشاعر وتستجيب لها الضمائر أكثر من نثر الكلام ولو كان جيدا والشعر العربي الفصيح هو أجود أنواع الشعر وأعمقها تأثيرا وأرقاها بيانا وأعذبها قولا ولا تنفر عنه إلا النفوس التي شح حظها من لغة العرب وتغير الطباعها فمالت إلى لغات العجم أو طال حديثها أو استماعها للهجات الدارجة فصار فصيح الشعر غريبا عنها بعيدا عن ثقافتها والشعر في الإسلام حسنه كحسن الكلام وسيئه كسيئ الكلام فهناك شعر حسن وهناك شعر سيئ فحسنه هو الذي يرغب في الفضائل ويتشح بالحكمة وسداد المقصد ويعطي المتلقي نصيبا نافعا من علوم العربية من الألفاظ والمعاني والتراكيب والجمل والصور والأخيلة المؤثرة وسيئ الشعر هو ما يهيج على الرذائل ويمدح لعوجاج عن الحق ويخدش الأعراض ويطعن في الذوات المصونة ويمتطي الكذب والذم والشهوات حتى يصل به صاحبه إلى مصالحه أو الإضرار بغيره إن الشعر في ميزان العدل بقال به ومضمونه وليس بأحدهما فالقصيدة أو البيت الشعري قد يرد في حلة قشيبة براقة بالألفاظ الحسنة والتراكيب المستحسنة وفي طوايا تلك العبارات معان رائقة ومقاصد شائقة فهذا هو الشعر الجميل حينما جمع بين الحسنيين واشتمل على الفضلين فضل المبنى وفضل المعنى أما إذا حسن مبناه وقبح معناه فحظه عند محب الشعر النظيف يقف عند السمع والبصر ولا يتجاوز ذلك إلى التأثير وحسن القبور في النفس وفي الشعر الجيد تبارى أهل الكلمة نثراً وشعراً في الدعوة إليه والحظ عليه قال الراغب الأصفهاني وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشعر يسكن به الغيظ وتطفأ به النائرة ويتبلغ القوم ويعطى به السائل وقال نعم الهدية للرجل الشريف الأبيات يقدمها بين يدي الحاجة يستعطف بها الكريم ويستنزر بها اللئيم وقال عبد الملك تعلم الشعر ففيه محاسن تبتغى وقال وبعد فإن الأدب لم يزل على قديم الوقت محبوبا وصاحبه على تباين الأحوال مقرباً مطلوبا وكان من أعظم آداب العرب الشعر الذي هو ديوان بيانهم وجامع إحسانهم ومقيد ذكر أيامهم وأنسابهم وحافظ أصولهم وأحسن ووصولهم وأحسابهم يعطرون بأرجه مجالس أنسهم ويعرفون به مزية يومهم على أمسهم وغير خاف على أهل العربية أنها لغة قد زخرت بشعراء كبار خلدوها فخلدتهم وأعلى من شأنها بشعرهم فأعلى تشأنهم وعلى طليعتهم متنبيهم أبي الطيب الذي كان شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة موعد رحيله عن هذه الحياة اسمه ونسبه ومولده هو الشاعر المشهور الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي أبو الطيب المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ورد في سنة ثلاث وثلاثمائة للهجرة بالكوفة في محلة تسمى كندة فنسب إليها وليس هو من كندة التي هي قبيلة بل هو جعفي القبيلة وهو جعفي بن سعد العشيرة بن مذهج سبب تلقي به بالمتنبي لصق بأبي الطيب لقب المتنبي أكثر من اسمه وكنيته وبه عرف بين الخاصة والعامة وكان لوصفه بذلك قصة ذكر علي بن منصور في رسالته إلى المعري أن المتنبي قبض عليه في وزارة علي بن عيسة وحبس ثم أحضره وسأله فاعترف بالدعاء النبوة فأمر بصفعه وصفع خمسين صفعه وأعيد إلى الحبس فكان بعد ما جرى له ما جرى يعزو ما حصل منه إلى طيش الشباب رحلاته المدائحية لم تكن نفس المتنبي تحب مساكنة القناعة والعيش في ظلها بل كانت نفسه تتشوف إلى آفاق الأمور بلا حد كما أن كثرة العطايا كانت تعد قبلة له يتوجه إليها حيثما هي فلذلك تنقل بين الملوك ولم يستقر عند أحد وإن كان أطان البقاء مع سيف الدولة وكان أحب ممدوحيه إليه وبمدحه اشتهر وذا عصيته وطمع به الملوك فقد لزم جناب سيف الدولة منذ أن التحق به ومدى سبع وثلاثين وثلاثمائة للهجرة ومدحه بقصائد خالدة فمد ابن حمدان إليه يده بجزيل العطا ولما كان لديه بهذه المنزلة حسده كثير من الشعراء وجلاس سيف الدولة فحصلت بينهما جفوة ومن بعدها كان الفراق وكان من أسباب رحيله عن قال له في مجلس سيف الدولة لولا أنك جاهل ما رضيت أن تدعى المتنبي ومعنى المتنبي كاذب والعاقل لا يرضى أن يدعى الكاذب فأجابه بأنني لا أرضى بهذا ولا أقدر على دفع من يدعوني به واستمرت بينهما المشاجرة إلى أن أغضب ابن خالوي فضرب وجهه بمفتاح كان معه فشجه وخرج ودمه يسيل على ثيابه فغضب وخرج من حلب إلى مصر سنة 46 300 للهجرة فيمم كافورا الإخشيدي فمدحه بقصائد ولكن لما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة 50 300 للهجرة ووجه كافور خلفه رواحلا إلى جهات شتى فلم يلحق وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خاف وعوتب فيه فقال يا قوم من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم أما يدعي المملكة مع كافور فحسبكم وبعد مصر قصد بغداد فامتدح بعض أهلها وقدم الكوفة ومدح ابن العميد فوصله من جهته 30 ألف دينار ثم سار إلى فارس فامتدح عضد الدولة بنبوي فأطلق له أموالا جزيلة تقارب 200 ألف درهم وقيل بل حصل له منه نحو من 30 ألف دينار ثم دس إليه من يسأله أي ما أحسن عطايا عضد الدولة بنبوي أو عطايا سيف الدولة بنحمدان فقال هذه أجزل وفيها تكلف وتلك أقل ولكن عن طيب نفس من معطيها لأنها عن طبيعة وهذه عن تكلف شعر لقد كان شعر أبي الطيب في الطبقة العليا من شعر الشعراء المحدثين وحضي شعره بالصيت البعيد وتناقلته ألسنة الناس كافة من الملوك والعلماء والعامة حتى الروعات في البوادي لما كان يتسم به من الفخامة والجزالة التي لا تخلو من الرقة وحسن التصوير واتساع الخيال وعمق الفكرة والقدرة على تطويع الكلمات والتراكيب حسب ما يريد قال ابن كثير وهو في الشعراء المحدثين كمرئ القيس في المتقدمين وقال ابن خلكان وأما شعره فهو في النهاية والمتنبي له خصوم وحساد كثر ومحبون ومبجلون أكثر فلذلك مدحه ناس حتى رفعوه فوق قدره وذمه آخرون حتى حطوه دون ما يستحق قال ابن خلكان والناس في شعره على طبقات فمنهم من يرجحه على أبي تمام ومن بعده ومنهم من يرجح أبا تمام عليه وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي الشاعر كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما ما سبق إليهما أحدهما قوله رمان الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبالي فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال والآخر قوله في جحفل سترى العيون غباره فكأنما يبصرن بالآذان ومن أحسن من حكم له وعليه ابن الأثير في مثله السائر حيث قال ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما غوى وجدته أقساما خمسة خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره وخمس من متوسط الشعر وخمس دون ذلك وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من وجودها ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها فإنها هي التي ألبسته لباس الملام واجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام قصة مقتله لم تطل حياة أبو الطيب كثيرا فغروره وهفوات لسانه واتكاؤه على العجب بنفسه كانت كلها عوامل تحفر له قبرة وتسعى به سعيا حثيثا إلى حتفه فإفلاته من كافور في مصر لم يسلمه من كيد بن بويه فإنه لما وجه مطاياه من العراق نحو بلاد فارس وصل إلى عضد الدولة بن بويه الديلمي فمدحه فأجزل عضد الدولة جائزته ولما كان يعلم بن بويه حاله مع سيف الدولة من طول الصحبة وكثرة الصلاة وعظم المحبة بينهما فإنه دس إليه من يسأله أي ما أحسن عطايا عضد الدولة بن بويه أو عطايا سيف الدولة بن حمدان فقال هذه أجزل وفيها تكلف وتلك أقل لكن عن طيب نفس من معطيها لأنها عن طبيعة وهذه عن تكلف فذكر ذلك لعضد الدولة فتغيض عليه ودس عليه طائفة من الأعراب فوقفوا له في أثناء الطريق وهو راجع إلى بغداد ويقال إنه كان قد هجى مقدمهم ابن فاتكن الأسدي وقد كانوا يقطعون الطريق فلهذا أوعز إليهم عضد الدولة أن يتعرضوا له فيقتلوه ويأخذوا لهم ما معه من الأموال فانتهوا إليه ستون راكبا في يوم الأربع وقد بقي من رمضان ثلاثة أيام وقيل بل قتل في يوم الأربع لخمس بقينا من رمضان وقيل بل كان ذلك في شعبان وقد نزل عند عين تحت شجرة إنجاص وقد وضعت سفرته ليتغدى ومعه ولده محسد وخمسة عشر غلاما له فلما رآهم قال هل أموا يا وجوه العرب إلى الغداء فلما لم يكلموا أحس بالشر فنهض إلى سلاحه وخيله فتواقفوا ساعة فقطل ابنه محسد وبعض غلمانه وأراد هو أن ينهزم فقال له مولا له أين تذهب وأنت القائل الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم فقال له ويحك قتلتني ثم كر راجعا فطعنه زعيم القوم برمح في عنقه فقتله ثم اجتمعوا عليه فطعنوه بالرماح حتى قتلوه وأخذو جميع ما معه وذلك بالقرب من النعمانية وهو آيب إلى بغداد ودفن هناك وهناك رواية أخرى لمقتله ذكرها المترجمون له مما يستحسن من شعره لأبي الطيب أبيات مستحسنة كثيرة فمنها قوله ولو أن الحياة تبقى لحي لعددنا أضلنا الشجعان وأذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تكون جبانا وقوله وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب وقوله ولم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمامي وقوله ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخ الجهالة في الشقاوة ينعمو وقوله أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب وقوله ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بد وقوله إذا غامرت في شرف مرومي فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم وقوله أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالقي لست الملوم أنا الملوم لأنني أنزلت آمالي بغير الخالقي رمضان أحداث وعبر