بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر قدوم وفدي ثقيف وحمير لإعلان إسلامهم الزمان رمضان من السنة التاسعة للهجرة كان لفتح مكة صدا واسع وأثر بالغ بين العرب وكان دخول مكة وتطهيرها من الأصنام وحكمها بحكم الإسلام لحظة منتظرة من الناس الذين لم يسلموا بعد ولسان حالهم يقول ننظر ماذا سيكون لمحمد مع قومه فلما برق الفتح في سماء مكة ولاحت بشائر العز والتمكين في آفاقها لصالح المسلمين زاح حين ذاك الباطل عن أولئك الناس فأقبلوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام زرافات ووحدانا ففي رمضان من السنة التاسعة من الهجرة عقب قدوم رسول الله عليه الصلاة والسلام من تبوك وصل المدينة وفدان يعلنان إسلامهما من قوميهما الوفد الأول وفد ثقيف والوفد الثاني وفد ملوك حمير أولا وفد ثقيف تلقت ثقيف ضربتين قويتين متتابعتين الأولى فتح المسلمين مكة وكان هذا في ذاته صدمة نفسية عنيفة لها والثانية غزوة حنين التي خسرت فيها مع القبائل الأخرى المتحالفة معها خسارة عسكرية واقتصادية كبيرة ثم تجلت لها قوة المسلمين أيضا حينما فرت فلول منها إلى الطائف وتحصنوا هناك فلحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع من المسلمين وحاصرهم أكثر من شهر ثم رجع عنهم إلى المدينة وقبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لحقه عروة بن مسعود الثقافي فأسلم واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجوع إلى قومه ثقيف لدعوتهم إلى الإسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم قاتلوك وذلك لما علم فيهم نبي الله من نخوة الامتناع فقال عروة إنني أحب إليهم من أبكارهم وكان فيهم محببا مطاعة والإنسان قد يغتر بحب الناس له حينما يوافقهم فيما يهوون ولا يخالفهم فيما يكرهون ولا يدري أن المخالفة في ذلك قد تبدي له من أخلاق الناس وأعمالهم ما لا يتوقع منهم لكن عروة رجع إلى ثقيف طمعا في إسلامهم وحرصا على دعوتهم فلما وصل إليهم أخبرهم بدينه الجديد ودعاهم إليه فلم يمهلوه حتى رموه بالنبل حتى قتلوه رضي الله عنه فكان ذلك كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ينبئنا بأن حب الجمهور لا ينبغي النظر إليه ولا التعويل علي فلعل موقفا يخالف فيه المحبوب أهواءهم يحول حبهم له إلى عداوة شديدة فليجعل المؤمن دائما نظره ويعمل مع الناس ما يوافق ذلك ولا يعنا كثيرا برضى الناس أو كراهيتهم فسرعان ما تتغير تلك المشاعر لديهم ثم إن ثقيفا بعد قتل عروة بأشهر اعتمرت فيما بينها بأنه لا طاقة لها بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من العرب وإن كانت قبيلة ذات شوكة وقوة فأرسلت وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر القوم يريدون البيعة والإسلام وهذا رأي حصيف منهم وخير لهم في دنياهم وأخراهم فالشجاعة المحمودة هي التي يصحبها الرأي السديد وبقي ذلك الوفد في المدينة يراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شروط اشترطها من ضمنها أن يأذن لهم بالزنا وشرب الخمور وأكل الربا ويترك لهم طاغيتهم اللات وأن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل منهم ذلك إلا أنه أعفاهم من كسر أصنامهم بأيديهم فبعث أبى سفيان والمغيرة لذلك وفي تلك الأيام التي بقي فيها الوفد في المدينة كان عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أحرص الوفد على التفقه وسماع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سمع من رسول الله كثيرا وحفظ من القرآن ما حفظ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ذلك الحرص جعله إمام قومه وأوصاه ببعض الوصايا وفيما جرى من مراجعة هذا الوفد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المعاصي ما يبين تعلقهم الكبير بها فلمنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام والبيعة إلا على تركها كلها لأنه يريد منهم إسلاما نقيا عن تلك الذنوب يرضى به الله تعالى أما الإسلام الانتقائي الذي يكون حسب الأهواء والشهوات فليس بإسلام كامل وكيف يكون الإسلام لا صلاة فيه فرجع ذلك الوفد إلى ثقيف بعد أن صام مع المسلمين بقية رمضان وقد بايع على الإسلام بكل ما في الإسلام من غير انتقاء من شرائعه فلما وصلوا أخذ المغيرة بن شعبة رضي الله عنه المعول ثم أخذ مالها وحليها فأرسل إلى أبي سفيان فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية فقضى ذلك عنهما ولكن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الأسود رضي الله عنه ثانيا وفد ملوك حمير لقد ذاعت بين جميع العرب أخبار ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش وغيرها من القبائل المحيطة بمكة والمدينة بل زادت قوة المسلمين إلى مدى وصلوا به إلى قتال الإمبراطورية الرومانية في مؤته ثم الاتعاد على القتال بينهما في تبوك وهذا أمر ما كان يدور في خلد العرب آنذاك ومن من وصلتهم هذه الأنباء عرب اليمن في جنوب الجزيرة فعلموا حينها أنه أولى أحسن من الإذعان ولاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل ملوك حمير في شهر رمضان من السنة التاسعة للهجرة كتابا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يعلمه بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله وهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذير عين ومعافر وهمدان وبعث بالكتاب زرعة ذويزا مالك بن مرة رهاوي فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب حمد الله تعالى فيه على إسلامهم وبين لهم فيه بعض الأحكام الإسلامية كالزكاة والغنائم والجزية وذكر مال المؤمنين ومال المعاهدين ثم بعث عليه الصلاة والسلام رجالا من أصحابه أميرهم معاذ بن جبل وجعله على الكورة العلياء من جهة عدن بين السكون والسكاسك وكان قاضيا وحاكما في الحروب وعاملا على أخذ الصدقة والجزية وخلي بهم الصلوات الخمس وبعث أبا موسى الأشعري رضي الله عنه على الكورة السفلا زبيد ومأرب وزمع والساحل وقال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوع ولا تختلفا وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقدم عليه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهذا الموقف الصالح لملوك حمير منقبة من مناقبهم ومأثرة من مآثرهم فإنهم أعلنوا الإسلام ومفارقة الشرك والمشركين من غير حرب ولا تعنت ولا شروط فعلت ثقيف وسهلوا المهامة لرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم معاذ وأبي موسى وخالد وعلي رضي الله عنهم وفي هذا الحدث من العبر أولا أهمية إعمال الرأي والحكمة وتقديم ذلك على الاغترار بالقوة ثانيا بيان أثر ثالثا الإسلام على الحقيقة أن يأخذ الإنسان بكل ما فيه لا أن يأخذ ما يوافق شهواته ويدع ما سواه رابعا التفقه في الدين والحرص على العلم طريق إلى السيادة المحمودة خامسا إمكانية بعث المعلمين والمرشدين لتعليم الناس وتفقيه في دين الله رمضان أحداث وعبر