بسم الله الرحمن الرحيم وأظلمت المدينة الأمارات الدالة على اقتراب أجله صلى الله عليه وسلم تتابعت الأمارات الدالة على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآيات القرآنية واضحة صريحة تتحدث عن وفاته صلى الله عليه وسلم قال تعالى إنك ميت وإنهم ميت وقال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجز الله الشاكرين ثم نزل قوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح فأدرك منها بعض الصحابة أنها أجل النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى ابن عباس رضي الله عنه قال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدني عبد الله بن عباس رضي الله عنه فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إن لنا أبناء مثله فقال إنه من حيث تعلم فسأل عمر بن عباس عن هذه الآية إذا جاء نصر الله والفتح فقال أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه فقال ما أعلم منها إلا ما تعلم وقال ابن عباس نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت وروت أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك قلت يا رسول الله إني أراك تكثر أن تقول سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فقال إني أمرت بأمر فقرأ إذا جاء نصر الله والفتح ومن الأمارات الدالة على اقتراب أجله صلى الله عليه وسلم ما وقع من معارضة جبريلا للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في آخر رمضان شهده النبي صلى الله عليه وسلم تقول فاطمة رضي الله عنها أسر لي النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريلا كان يعارضني بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي ومن تلك الأمارات ما وقع من تتابع نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الله تعالى تابع رسوله قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ولذلك بدأ صلى الله عليه وسلم يهيئ أصحابه لهذه اللحظات الشديدة لألا تفجأهم الواقعة وتصيبهم الصدمة بمكروه فقال لهم يوم حجة الوداع لعلي لا أراكم بعد عامي هذا فما عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع إلا إحدى وثمانين يوما قال ابن جريج مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعدما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة قوله اليوم أكملت لكم دينكم تلطف النبي صلى الله عليه وسلم في إخبار الصحابة بدنو أجله ويدنو أجل النبي صلى الله عليه وسلم ويقترب فيأخذ بتذكير أصحابه بدنو أجله وكانوا كل ما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم شيئا من هذا الحديث أجهشوا بالبكاء فعن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن بهني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فخرجت معه حتى أتينا البقيع فرفع يديه فاستغفر لهم طويلا ثم قال ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس أقبلت الفتن كقطاع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فقال والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح ابتدأ بوجعه الذي قبضه الله فيه وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في تلك الأثناء من تذكيرهم ووصيتهم بدينهم خيرا روا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا أو لعلك تمر بمسجد هذا أو قبري فبكى معاذ جشعا لفراق النبي صلى الله عليه وسلم وكأني به صلى الله عليه وسلم يتلطف بإخبارهم ليودعهم بتلك الوصايا فقد أخرج أبو داود عن العرباض بن سارية قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله هذه موعظة مودع إذن فقد أدركوا رضي الله عنهم عظمة الفادحة إنه أجل النبي صلى الله عليه وسلم علموا ذلك من طريقته صلى الله عليه وسلم في الوصية إليهم والموعظة البليغة ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على لقائه وكثرة الجلوس إليه كما روا أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم قال النووي معقبا مقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم صلى الله عليه وسلم ويروي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا آخر يبين فيه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في تهيئة أصحابه لخبر وفاته صلى الله عليه وسلم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وبكى فقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به قال ابن حجر وكأن أبا بكر فهم الرمز الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم من قرينة ذكره لذلك في مرض موته فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى ثم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم لزيارة قبور الشهداء في أحد كأنه يودع الأحياء والأموات عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه وتظهر عليه أعراض الشكوى من مرضه الذي قبض فيه فعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فاشتد مرضه حتى أغمي عليه وقد أورد مسلم للحديث عن عائشة بنحوه ويبين الحديث الآتي كيف اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم تلك اللحظات وكيف حاول نساؤه أن يمرضنه أو يخففن عنه حدة المرض تقول أسماء بنت عميس رضي الله عنها فاشتد مرضه حتى أغمي عليه قال فتشاور نساؤه في لده فلدوه فلما أفاق قال هذا فعل نساء جئنا من هؤلاء وأشار إلى أرض الحبشة وكانت أسماء بنت عميس فيهن قالوا كنا نتهم بك ذات الجنب يا رسول الله قال إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به لا يبقى في البيت أحد إلا التد وأورد البخاري الخبر برواية عائشة رضي الله عنها قالت رضي الله عنها لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا ألا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال ألم أنهكم ألا تلدوني قلنا كراهية المريض للدواء فقال لا يبقى في البيت أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم وتروي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها شكوا أخرى بدت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من جنازة بعض أصحابه تقول عائشة رضي الله عنها رجع إلي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا وأنا أقول وا رأساه قال بل أنا يا عائشة وا رأساه قال وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك فقالت كأني بك والله لو فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فعرست فيه ببعض نسائك قالت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه أما مرضه صلى الله عليه وسلم وشدته فإليك حديث عائشة وأبي سعيد وابن مسعود قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أما حديث أبي سعيد فقد بينا بعض ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللحظات قال أبو سعيد دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف فقلت يا رسول الله ما أشدها عليك قال إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه وهو يوعك وعكا شديدا ويزداد المرض على النبي صلى الله عليه وسلم ويثقل ويتطلع إلى يومه عند عائشة رضي الله عنها ويسأل عنه كما تفيد الأحاديث في الفقرة الآتية تمريض النبي صلى الله عليه وسلم في بيوت أزواجه وتطلعه إلى بيت عائشة تقول عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول أين أنا غدا يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان في بيت عائشة حتى مات عندها وفي رواية أبي داوود الطريقة التي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيها نساء قالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى النساء تعني في مرضه فاجتمعن فقال إني لا أستقيع أن أدور بينكن فإن رأيتن أن تأذن لي فأكون عند عائشة فعلتن فأذن له قالت عائشة فمات في اليوم الذي يدور علي فيه في بيتي فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري وخال طريقه ريقي صلى الله عليه وسلم وتصف عائشة في صورة مؤلمة فنقل النبي صلى الله عليه وسلم من بيتي ميمونة إلى بيتها فتقول لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بين رجلين تخط رجلاه في الأرب بين عباس ورجل آخر وفي رواية مسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبرته أي عائشة قالت أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ميمونة فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها وأذن له فخرج ويدل له على الفضل بن عباس ويدل له على رجل آخر وهو يخط برجليه في الأرب فقال عبيد الله فحدثت به بن عباس فقال أتدري من الرجل الذي لم تسمي عائشة هو علي قال ابن حجر قال ابن التين أي يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها لأن المريض يجد عند بعض أهله من الأنس ما لا يجد عند بعض فبيّن الحديث ثقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ حتى لا يقوى صلى الله عليه وسلم على المشي بين بيوته وأزواجه وبدأ أزواجه في تمريضه يمرّضنه ويمرّضه المسلمون وهم مشفقون من قدوم تلك اللحظات الصعاب وكان من دأبه صلى الله عليه وسلم قبل هذه المرة من مرضه أن يدعو لنفسه ويرقيها كما بيّنت عائشة رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث قالت فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها فكأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقوى حتى على القراءة على نفسه صلى الله عليه وسلم حينئذ وفي تمريضه صلى الله عليه وسلم تروي عائشة رضي الله عنها الخبر الآتي كما يرويه عنها عروة يقول عروة بن الزبير وكانت عائشة رضي الله عنها تحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعدما دخل بيته واشتد وجعه هريقوا علي من سبع قراب لم تحلى الأوكية هن لعل لي أعهد إلى الناس قالت فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن قالت ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس فصلى بهم وخطبهم فماذا كانت تلك الكلمات في تلك الدقائق الغالية التي يرتقي فيها النبي صلى الله عليه وسلم أغلى منبر على قلوب المؤمنين للمرة الأخيرة آخر الخطب النبوية يقول ابن عباس رضي الله عنهما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام فمن ولي منكم شيئا يضر فيه قوما وينفع فيه آخرين فليقبل عن محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم فكان آخر مجلس جلس به النبي صلى الله عليه وسلم ويروي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه حديثا فيه جزء من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذاك قال رضي الله عنه خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله قال فبكى أبو بكر فعجبنا لبكاءه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا باب أبي بكر قال ابن حجر في شرحه حديث عائشة في صب القراب السبعة إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في مرضه فذكر الحديث وقال فيه لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر آخر الأيام في بيت عائشة ثم يعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته ويحدث عائشة رضي الله عنها أنه يجد سم تلك المرأة اليهودية يوم خيبر تقول عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم قال ابن حجر وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قبض فيه وجعل يقول ما أزال أجد ألم الأكلة التي أكلتها بخيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري وهو عرق في الظهر وتوفي صلى الله عليه وسلم شهيدا كما أقسم على ذلك ابن مسعود ثم تدخل أم مبشر فتقول بأبي وأمي يا رسول الله ما تتهم بنفسك فإني لا أتهم إلا الطعام الذي أكل معك بخيبر وكان ابنها مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم وقال وأنا لا أتهم غيره هذا أوان انقطاع أبهري ويشتد الوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم كما تروي عائشة وبن عباس رضي الله عنهما قال لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه ويتواتر قدوم الناس لعيادة النبي صلى الله عليه وسلم فتدخل الحبيبة الغالية فاقمة الزهرى أكثر الخلق مصابا بالنبي الحبيب صلى الله عليه وسلم تقول عائشة دع النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عليه السلام في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألنا عن ذلك فقالت سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت وتضحك فاطمة حين تدرك أنها أول أهله لحوقا به تضحك لتعلمنا أن الموت أولى من الحياة بلا صحبة الرسالة والرسول ويصف أنس بن مالك أيام النبي صلى الله عليه وسلم الأخيرة في خروجه للصلاة فيقول خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه متوكئا على أسامه مرتديا ثوب قطن فصلى بالناس آخر الصلوات والوصية بالصلاة ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي بالمسلمين صلاته الأخيرة إنها آخر صلاة للنبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين وآخر آيات تتلى من في النبي صلى الله عليه وسلم كما ترويها أم الفضل بنت الحارث قالت رضي الله عنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله كانت تلك صلاته الأخيرة بالمسلمين عليه الصلاة والسلام وقد وقع في رواية الترمذي عن أم الفضل وصف حالته صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الصلاة قالت خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه فصل المغرب فقرأ بالمرسلات فما صلاها بعد حتى لقي الله عز وجل ويثقل النبي صلى الله عليه وسلم وتهمه الصلاة بالمسلمين قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة دخلت على عائشة فقلت ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت بلى فقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك قال ضعوا لي ماء في المخضب قالت ففعلنا فاغتسل فذهب لينو فأغمي عليه ثم أفاق فقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب قالت فقعد فاغتسل ثم ذهب لينو فأغمي عليه ثم أفاق فقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله فقال ضعوا لي ماء في المخضب فقعد فاغتسل ثم ذهب لينو فأغمي عليه ثم أفاق فقال أصل الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة العشاء الآخرة فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا يا عمر صلي بالناس فقال له عمر أنت أحق لذلك فصلى أبو بكر تلك الأيام وفي رواية أخرى تقول عائشة رضي الله عنها لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن فقال مرو أبا بكر فليصلي بالناس فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس فأعادوا له فأعاد الثالثة فقال إن كن صواحب يوسف مرو أبا بكر فليصلي بالناس فخرج أبو بكر ووقع في رواية أبي موسى التصريح ببيان المبهم فقال مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال مرو أبا بكر فليصلي بالناس فقالت عائشة إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال مرو أبا بكر فليصلي بالناس فعادت فقال مري أبا بكر فليصلي بالناس فإن كن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلّى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويروي أنس بن مالك بعض ما وقع لهم في تلك الفترة من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيقول إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه وسلم في فترة الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبس ما يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر وفي رواية لابن عباس رضي الله عنهما قال كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال أيها الناس إنه لم يبقى من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم وحدثنا عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الفترة فتقول والذي ذهب به ما تركها حتى لقي الله وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن الصلاة وكان يصلي كثيرا من صلاته قاعدا تعني الركعتين بعد العصر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته وكان يحب ما خفف عنهم وبينت رواية لعائشة عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صلى وراء أبي بكر جالسا قالت فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يهادا بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطاني من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه قال عروة عن عائشة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج فإذا أبو بكر يأم الناس فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه أن كما أنت فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حذاء أبي بكر إلى جنبه فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر وفي رواية الترمذي قالت عائشة رضي الله عنها صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا الاحتضار والوصايا أدرك الصحابة أنها أحر لحظات وآخرها فها هو العباس بن عبد المطلب يكلم علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أوشك على الوفاة روا ابن عباس أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصبح بحمد الله بارئا فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له أنت والله بعد ثلاث عبد العصى وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله في من هذا الأمر إن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا فقال علي إنا والله لأن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثقلا حتى لا يقوى عليه الصلاة والسلام على الكلام قالت عائشة دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن فأعطاني فقدمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به وهو مستند إلى صدري وتبين الرواية الأخرى كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم آنذاك قالت عائشة دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت آخذه لك فأشار برأسه النعم فتناولته فاشتد عليه وقلت ألينه لك فأشار برأسه النعم فلينته فظهر النزع على النبي صلى الله عليه وسلم ورأى صلى الله عليه وسلم أن يكتب للصحابة كتابا لا يضل بعده أبدا قال ابن عباس لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل أموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقال بعضهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا ووقعت قصة الكتاب يوم الخميس قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام كما أفادت رواية سعيد بن جبير قال قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا وعند البخاري في كتاب الجهاد قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بك حتى خضب دمعه الحصباء فقال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس فقال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقال هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيز الوفدة بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة وروا طلحة ابن مصرف قال سألت عبدالله ابن أبي أوفى رضي الله عنه هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى فقال لا فقلت كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية قال أوصى بكتاب الله وكانت عائشة ترى رأي عبد الله ابن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أوصى بشيء خاص فقالت عن الأسود قال ذكروا عند عائشة أن علي رضي الله عنه كان وصيا فقالت متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت حجري فدعى بالقست فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنه قد مات فمتى أوصى إليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظات الصعاب يعاني النزع الشديد كما روت عائشة وبن عباس عن عائشة وبن عباس قال لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو كذلك يقول لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد يحذروا ما صنعوا قالت عائشة لولا ذلك لأبرز قبره خشي أن يتخذ مسجدا ويروي أسامة بن زيد قصة عقد النبي صلى الله عليه وسلم لواء الغزو له فيقول لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اسمت فلم يتكلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يديه علي ويرفعهما فعرفت أنه يدعو لي وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه الصلاة وما ملكت أيمنكم فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه وفي رواية أنس بن مالك قال كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه الصلاة وما ملكت أيمنكم ويروي ذكوان مولى عائشة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ما يشك عمر فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده صلى الله عليه وسلم ومما أوصابه النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي وفاته ما رواه عبد الرحمن بن عوف قال لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاه قالوا يا رسول الله أوصنا قال أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وبأبنائهم من بعدهم إلا تفعلوا لا يقبل منكم صرف ولا عدل تحاول عائشة أن تخفف عن النبي صلى الله عليه وسلم فتقرأ عليه المعوذات روا عروة بن الزبير قال أخبرتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه ومع اشتداد المرض على النبي صلى الله عليه وسلم تبكي فاطمة كما يروي أنس بن مالك قال أنس لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة عليه السلام وا كرب أباه فقال لها ليس على أبيك كرب بعد اليوم وتحار أم المؤمنين صفية رضي الله عنها فتأتي النبي صلى الله عليه وسلم حزينة لمرضه وما هو فيه كما يروي زيد بن أسلم فيقول اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه واجتمع إليه نساؤه فقالت صفية بنت حيي إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزن أزواجه ببصره فقال مضمضن فقلنا من أي شي فقال من غمزكن بها والله إنها لصادقة وكأنها رضي الله عنها قد جزعت لفراقه صلى الله عليه وسلم كما يروي ذؤيب فيقول لما حضر أي النبي صلى الله عليه وسلم قالت صفية يا رسول الله لكل امرأة من نسائك أهل تلجأ إليهم وإنك أجليت أهلي فإن حدث حدث فإلى من قال إلى علي بن أبي طالب آخر الهمسات النبوية هي اللحظات الأخيرة وتنقطع السماء عن الأرض وتمضي الخلائق وحدها تواجه الأحداث بلا نبي أو رسول فقد كان للناس أنبياء ورسل تسوسهم وتقودهم واليوم جاءت الرسالة الأخيرة والنبي الخاتم فلا نبي بعده وتدرك أم أيمنا حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لنقطاع بين السماء والأرض وأنه قد بدأ الفصام النكد ما لم يكن التمسك بالكتاب والسنة نهج الأمة وسبيلها في الطريق الناهج الطويل روا أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر انطلق بنا إلى أم أيمنا نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها فلما انتهينا إليها بكت فقال لها ما يبكيك ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم فقالت ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجت هما على البكاء فجعلا يبكيان معها ولنا مع عائشة أم المؤمنين لقاءات إذ هي أكثر أهل بيته رواية لخبر وفاته وهي الشاهدة على أحر المواقف وآخرها فتقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخير فلم اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال اللهم في الرفيق الأعلى فقلت إذن لا يختارنا فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح وفي رواية مسلم قالت فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله اللهم الرفيق الأعلى اللهم الرفيق الأعلى آخر الهمسات بل آخر الكلمات وهي ترسم الطريق لكل مسلم ماض في طريق الله إنها الكلمة الفصل فإما أن يكون العبد مع الرفيق الأعلى وإما أن يختار الرفيق الأدنى وهل يستويان اللهم الرفيق الأعلى ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته وهو في أشد لحظات وأثقلها أن الحياة وإن طالت وتمتع بها المر إلى نهاية فالتكن مع الرفيق الأعلى اللهم الرفيق الأعلى لكي يدركك الموت وأنت على ذلك على الدرب للرفيق الأعلى فتكون بعون الله سبحانه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ومن آخر الكلمات التي همس بها النبي صلى الله عليه وسلم في احتضاره ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغرغر بها في صدره وما كان يفيض بها لسانه الصلاة الصلاة اتقوا الله فيما ملكت أيمنكم وفي رواية أخرى لعائشة رضي الله عنها قالت إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت آخذه لك فأشار برأسه نعم فتناولته فاشتد عليه وقلت ألينه لك فأشار برأسه نعم فلينت فأمره وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء ويمسح بهما وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات ووقع في رواية الحاكم عن القاسم بن محمد أنه كان يحدث وتلا قول الله عز وجل وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ثم قال حدثتني عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم أعني على سكرات الموت قالت عائشة ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحب لقاء الله أحب الله لقاء وعن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة وعن أبي مويهبة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن بهني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فخرجت معه حتى أتينا البقيع فرفع يديه فاستغفر لهم طويلا ثم قال ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها والآخرة شر من الأولى يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فقال والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح ابتدأ بوجعه الذي قبضه الله فيه ويأتي يوم الاثنين أثقل الأيام في ذاكرة الأمة على الأمة يوم قبض النبي صلى الله عليه وسلم يوم انتقل مختارا إلى الرفيق الأعلى يأتي يوم الاثنين فبينما المسلمون في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبس ما يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر فكانت آخر ابتسامة وكان آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة كما كانت تقول رضي الله عنها وتوفي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت آخذه لك فأشار برأسه النعم فتناولته فاشتد عليه وقلت ألينه لك فأشار برأسه النعم فلينته فاستن بها كأحسن ما كان مستنى ثم ناولنيها ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده صلى الله عليه وسلم فمات صلى الله عليه وسلم وينتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى طاب حيا وطاب ميت وكان ذلك يوم الاثنين أكثر الأيام ظلمة وسواد على المسلمين يوم الاثنين وتصمت الدنيا ويسكن الكون وتهدأ الأصوات وينقطع خبر السماء ويتوقف جبريل عن أمر عزيز جد عزيز ويقع الحدث الجلل بموت النبي صلى الله عليه وسلم ويبكي الصحابة ويعقر عمر وتصير الوفاة حقيقة وتذوق بيوت المدينة كلها طعم الموت المرير ويحاول كل الأحبة دفع خبر موت النبي صلى الله عليه وسلم من أفكارهم فلا يصدقون أنه صلى الله عليه وسلم مات أثر وفاته صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي الله عنهم وتصعد الروح الزكية فلا تجد عائشة رضي الله عنها أطيب من رائحة النبي صلى الله عليه وسلم حين تقبض روحه عليه الصلاة والسلام تقول رضي الله عنها فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها هذه الروح الطيبة هذه الرائحة الزكية هي روح محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان طيبا صلى الله عليه وسلم وتندب فاطمة أباها يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه من ربه ما أدناه يا أبتاه إلى جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ويتسرب الندب إلى الأصحاب ويتهامسون به ويدفعون الخبر فلا يريدون تصديقه فالنبي صلى الله عليه وسلم لن يموت والخبر دسيسة المنافقين ويجب ملاحقة من يزعم موت النبي صلى الله عليه وسلم تقول عائشة رضي الله عنها فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي فظننت أنه يريد من رأسي حاجة فخرجت من فيه نطفة باردة فوقعت على ثغرة نحري فقشعر لها جلدي فظننت أنه غشي عليه فسجيته ثوبا فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنى فأذنت لهما وجذبت إليّ الحجاب فنظر عمر إليه فقال وا غشيا ما أشد غشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام فلما دنوا من الباب قال المغيرة يا عمر مات رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة لا تريد أن تصدق أنه صلى الله عليه وسلم مات فحين يميل رأسه صلى الله عليه وسلم نحو رأسها يميل بعد أن يختار ربه بعد أن يهمس في الرفيق الأعلى وبعد أن تتمتم هي الأخرى إذن لا يختارنا رغم ورود كل تلك القراء إلا أنها لا تريد أن تصدق أنه صلى الله عليه وسلم مات ويأتي عمر رضي الله عنه لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم فيراه ميتا تدل كل الأمارات على ذلك لكنه يدفع تلك الفكرة ويتوهّم الغشي وا غشيا ما أشدّ غش رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلن عمر حربا على من يهمس بها همسا فكيف بمن يعلن ذلك فحين يقول المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات يواجهه عمر المنفعل بالعاصفة كذبت بل أنت رجل تحوسك فتنة ثم يمضي عمر رضي الله عنه وقد تهامس الناس بموت النبي صلى الله عليه وسلم فما أسرع أن قال والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ثم يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفن الله عز وجل المنافقين ويتأول عمر ما بالنبي صلى الله عليه وسلم على ما وقع لموسى عليه السلام من خروج لميقات ربه فيقول لا أسمعن أحد يقول إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد مات إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يموت ولكن أرسل إليه ربه كما أرسل إلى موسى فلبث عن قومه أربعين ليلة كل شيء يقوله عمر بل أنت رجل تحوسك فتنة فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم لا يموت حتى يقضي الله على المنافقين أرسل إليه ربه كما أرسل إلى موسى كل شيء يقوله عمر لكنه لن يقول الحقيقة الأليمة حتى جاء أبو بكر وأقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى بثوب حبرة فكشف عن وجه ثم أكب عليه فقبله وبكى ثم قال بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها ثم قال إنا لله وإنا إليه راجعون مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل رأسه فحدرفاه وقبل جبهته ثم قال وا نبيا ثم رفع رأسه ثم حدرفاه وقبل جبهته ثم قال وا صفيا ثم رفع رأسه وحدرفاه وقبل جبهته وقال وا خليلا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد وعمر يكلم الناس فقال اجلس فأبى عمر أن يجلس فقال اجلس فأبى أن يجلس فتشهد أبو بكر فمال الناس إليه وتركوا عمر فقال أيها الناس من كان فيكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تبارك وتعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتلا قلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه ومن يضر الله شيئا وسيجز الله الشاكرين قال ابن عباس والله لك أن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله جل وعلا أنزل هذه الآية إلا حين تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم فلم تسمع بشرا إلا يتلوها قال عمر والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها فلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات قالت عائشة فما كان من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها لقد خوف عمر الناس وإن فيهم لنفاقا فردهم الله بذلك ثم لقد بصر أبو بكر للناس الهدى رفهم الحق الذي عليهم وخرجوا به يتلون وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإم مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجز الله الشاكرين وصدق عمر ساعتها أن محمدا قد مات أما أم سلمة فلم تصدق بعد قالت ما صدقت بموت رسول الله حتى سمعت وقع الكرازين غسل النبي صلى الله عليه وسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ذهل الصحابة لموت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن لديهم دليل لما ينبغي لهم أن يفعلوه وصدموا لموته فالخبر أكبر من أكابرهم فهذا عمر رضي الله عنه كما مر معنا قبل قليل لا تقله قدما يقول أبو بكر يبكي ويتحمل الحقيقة وحده يتحملها ويحمل الناس عليها مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزدحم الأحداث على الكرام فالمدينة لا زالت تحوي النفاق وأهله والناس حديثوا عهد بجاهلية وما ألف الحكم وأمظمته وما تعود السمع والطاعة قبل أن يمتنى الله عليهم بالدين الجديد فانشغل الصحابة رضي الله عنهم في لم صف الناس على رجل واحد يصلي لهم صلاتهم ويقوم على حاجات المسلمين ويجمعهم على قلب واحد وكلمة واحدة وانتهى الصحابة من ذلك الأمر ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل غسله وتكفينه ودفنه فالحقيقة المرة لا بد منها وحار الصحابة في أمر غسله ودفنه على آراء تقول عائشة رضي الله عنها لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم من رجل إلا ذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسل النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم وكانت عائشة رضي الله عنها تقول لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه وروا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا صلى الله عليه وسلم حيا وميتا ولي دفنه وإجنانه من دون الناس أربعة علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحد رسول الله صلى الله عليه وسلم لحدا ونصب عليه اللبن نصبا وقالت عائشة رضي الله عنها كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة وأشكل على الناس أنه صلى الله عليه وسلم كفن في برد يماني وهو الحلة أو الحبرة فقالت عائشة قد أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه ثم أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة يمانية كانت لعبد الله ابن أبي بكر ثم نزعت منه فأخذها عبد الله ابن أبي بكر فقال لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي ولذلك ذكروا لعائشة ما ذكروا فأنكرت وقالت أما الحلة فإنما شبها على الناس فيها إنها اشتريت له ليكفن فيها فتركت الحلة قال الترمذي روي في كفن النبي صلى الله عليه وسلم روايات مختلفة وحديث عائشة أصح الأحاديث التي رويت في كفن النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ الناس يتهيئون للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إنها صلاة الوداع إنها الأمة الثكلا بوفاة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم وصل الناس عليه أفذاذا لا يأمهم أحد قالوا كيف نصلي عليه قال أدخلوا أرسالا أرسالا فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر قال ابن كثير وهذا الصنيع وهو صلاتهم عليه فرادا لم يأمهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه ها هو الليل يكسو المدينة بالدموع يبلل اللحا والخدود هذه فاطمة بضعة النبي صلى الله عليه وسلم تبكي وتندب رسول الله أباها ها هن أمهات المؤمنين يبكين النبي الحبيب الغالي لقد صار الأمر حقيقة كبرى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل تسلم أم سلمة بموت النبي صلى الله عليه وسلم هل تصدق أنها لن تراه بعد يومها هذا ونام الصبية الصغار وأرق الدمع بقية الناس وكتست المدينة بالحزن المعتق وتفتقت القلوب وإذ بالليل يقطعه رنين المساح والكرازين ها هي الفؤوس تدق الأرض لتضم إليها سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه وسلم فهل تصدق أم سلمة بموت النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم سلمة ما صدقت بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت صوت الكرازين وكان ذلك فجر الأربع كما أفادت رواية عائشة رضي الله عنها ودفن صلى الله عليه وسلم في الموضع الذي قبض فيه قال أبو بكر رضي الله عنه سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته قال ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه وجعل تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفن قطيفة حمراء قال شقران رضي الله عنه أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر واختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم فقال عمر لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا أو كلمة نحوها فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد فجاء اللاحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن وصارت سنة واقتدى به أصحابه قال سعد بن أبي والقاص رضي الله عنه الحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اللحد وفق حديث بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللحد لنا والشق لغيرنا وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد وانصب عليه اللبن نصبا ودفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهالوا عليه التراب ورفع قبره من الأرض نحو من شبر قال أنس وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا وهو ما أكده أبي بن كعب وعلله بقوله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد فلما قبض نظرنا هاكذا وهاكذا ويتفقد أنس بن مالك بيت فاطمة رضي الله عنها قال فلما دفناه صلى الله عليه وسلم مررت بمنزل فاطمة فقالت يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ووقع الفراق وانفصمت العرا وأظلمت آطام المدينة كما أخبر أنس بن مالك رضي الله عنه فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين وقيل غير ذلك فقد روت ترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين وورد عن ابن عباس أيضا أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين قال ابن حجر الجمهور على أن عمره صلى الله عليه وسلم حين وفاته كان ثلاثا وستين سنة البكاء من الفراق بك الصحابة قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم لما بدت عليه علامات الوفاة وأماراته وبك الأنصار حين حجبهم مرضه عن رؤيته صلى الله عليه وسلم وبكت فاطمة وعائشة وسائر المسلمين وبك أبو بكر وهو يقبل النبي صلى الله عليه وسلم وسالت دموع ابن عباس كاللؤلؤ كلما تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبكت أم أيمن لما زارها الصاحبان وهيجت هما على البكاء ولا زالت تنتظم حبات اللؤلؤ على وجوه العابدين كلما تذكر النبي صلى الله عليه وسلم فكيف كان حال الأصحاب وهم يمرون بالبقاع والمواطن التي عاشوا معه فيها قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها فلما انتهى إليها بكت فهيجت هما على البكاء فجعل يبكيان معها ويصعد أبو بكر المنبر يوما فيتذكر حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم بقوله فقال قد علمتم ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول ثم بكا ثم أعادها ثم بكا ثم أعادها ثم بكا قال ابن عباس رضي الله عنهما يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكا حتى بل دمعه الحصى فقلت يا ابن عباس وما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه وفي رواية ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خده كأنها نظام اللؤل فهل انقطع عن اللؤل نظامها تقول عيون العابدين وأفئدتهم بأبي أنت وأمي يا رسول الله بل بكل ما في الكون يا حبيب الله وأظلمت المدينة