نسيم السحر الناجحون في كلية الشدة هناك في أروقة الألم ينتظر عدد كبير من الناس في أقسام متعددة من كلية الشدة ويقضون الزمن المر منتظرين التخرج وحمل شهادة التحصيل فمن الناس من يتخرجون مخفقين إخفاقات متنوعة فمخفق في مواد الرضا عن الله وعن قدره فيخرج الواحد منهم متسخطا ضجرا وربما حمل معه التعدية على عدل الله وحكمته في قضائه فيذهب وقد خسر الدنيا والآخرة ومخفق في مواد الصبر على المكار فيخرج والألم قطال معه فيضحي جزعا قد فاته الثواب على بلائه والرفعة لدى ربه وهناك صنف آخر مخالف للصنف السابق إنهم الناجحون في تلك القبلة العلمية الذين تحملوا عناء صمود في وجه الشدة وجاهدوا أنفسهم على الصبر على مرارات التحصيل في تلك المدة حتى تخرجوا بشهادة يسعدون بها في دنياهم وأخراهم فما نجاحاتهم التي تخرجوا بها أما في الآخرة فنيل رضوان الله والنجاة من ناره إن ماتوا على الإيمان والصبر على مبتلو به وأما في الدنيا فلقد تخرجوا بنجاح صفاء الروح بعد أن عركتهم البلاية وعركوها وعصرتهم وعصروها حتى خرجوا منها وقد نقوا من شوائب الضعف والخور والشك والاضطراب فذهب عنهم الزغل على نار الشدائد التي واجهوها بثبات فصاروا ذهبا مصفا قال ابن القيم رحمه الله والمقصود أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ويبتليها فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها ومن يصلح لموالاته وكراماته ومن لا يصلح وليمحص النفوس التي تصلح له ويخلصها بكير الامتحان كالذهب الذي لا يخلص ولا يصف من غشه إلا بالامتحان إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة وقد حصل لها بالجهل والظلم من القبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم فإذا هذب العبد ونق أذن له في دخول الجنة وفي غزوة أحد التي كان فيها من الجراح ما فيها إلا أنها صارت مختبرا عرف عليه المؤمنون من المنافقين قال تعالى إن يمسسكم قرح فقد مسى القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهدا والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين قال تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وتخرج الناجحون من كلية الشدة بنجاح الجلد وقوة التحمل في مواجهة شدائد الحياة فقد غدا لديهم مناعة تحميهم من صدمات المستقبل الموجعة على حد قول الشاعر ولو أخطأ في نسبة الشر إلى الدهر رمان الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبالي وكنت متى أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال فها أنا لا أبالي بالرزايا لأني ما ابتغيت بأن أبالي وتخرج الناجحون من كلية الشدة بنجاح حلاوة التضرع بين يدي الله فتلك اللذة بمناجات الله ودعائه التي ولدها الألم كان لها أثر كبير في تسكين نفوسهم وتطمينها وتحصيل مطلوبها فأدركوا عند التخرج أن ما كره كان سبيل الوصول إلى ما أحب قال ابن عيين ما يكره العبد خير له مما يحب لأن ما يكرهه يهيجه على الدعاء وما يحب يلهيه عنه وعن إبراهيم التيمي قال إن لم يكن لنا خير فيما نكره لم يكن لنا خير فيما نحب وتخرج الناجحون من كلية الشدة بنجاح رحمة أهل البلاء والرأفة بسجناء الضراء فصاروا لهم أرق قلوبا وألين أفئدة فمتى رأوهم سارعوا إلى نجدتهم متذكرين كذلك كنتم من قبل فمنى الله عليكم ولا يصنع ذلك الجميل إلا أهل الشكر الجزيل كما روى البخاري في صحيحه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله عز وجل أن يبتليهم إلى قوله في الحديث وأتى الأعمى في صورته فقال رجل مسكين وبن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاتا أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله بصري وفقيرا فقد أغناني فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال أمسك ما لك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك وتخرج الناجحون من كلية الشدة بنجاح معرفة الناس على حقائقهم فقد عرفوا الصادق في حبه لهم من الكاذب والعدو من الصديق لأن أيام الرخا لا تميز حقائق الناس فمتى جاءت رياح الشدة كفأت قدور الكاذبين فقوضوا خيامهم مرتحلين وتركوك تحت عواصف الشدة تصارعها وحدك إلا الأوفياء من الأقارب والأباعد فقد ثبتوا معك تحت الريح الهبوب فلما ذهبت الشدة عرفت معادن الخلق قال الشاعر لأن كان الزمان علي أخنا بأنواع غصصت لها بريقي لقد أسدى إلي يدا لأن عرفت به عدوي من صديقي وقال الآخر في معنى جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي وما شكري لها حمدا ولكن عرفت بها عدوي من صديقي