بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ مَرْكَزُ إِفَادَةٍ للدِّراساتِ والبُحُوثِ الإِنسانيَّةِ يُقَدِّمُ مُخْتَصَرَ صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ بَعَثَ عُمَرُ الْنَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الْأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانِ فقال إِنِّي مُستَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّةَ هَاذِهِ قال نعم مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان فإن كُسِر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس فإن كُسِر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن تُدِخَ الرأس نهبت الرجلان والجناحان والرأس فالرأس كِسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس فمُرِ المسلمين فلينفِروا إلى كِسرى قال جبير بن حيّة فندبنا عمر واستعمل علينا النُّعمان بن مُقرِّم حتى إذا كنا بأرض العدو وخرج علينا عامل كِسرى في أربعين ألفا فقام ترجمان فقال ليُكلِّمني رجلٌ منكم فقال المغيرة سل عمّا شئت قال ما أنتم قال نحن أُناسٌ من العرب كنا في شقاءٍ شديدٍ وبلاءٍ شديد نمصُّ الجلد والنوى من الجوع ونلبسُ الوبر والشعر ونعبد الشجر والحجر فبينا نحن كذلك إذ بعث ربُّ السماوات وربُّ الأرضين تعالى ذكرُه وجلَّت عظمته إلينا نبيًّا من أنفسنا نعرف أباه وأمة فأمرنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا صلى الله عليه وسلم أن نُقاتِلكم حتى تعبُدُ الله وحده أو تؤدُّ الجزيَة وأخبرنا نبيُّنا عن رسالة ربِّنا أنه من قُتِلَ مِنَّا صار إلى الجنة في نعيمٍ لم يرَ مثلَها قط ومن بقيَ مِنَّا ملكَ رِقابَكم فقال النُّعمان ربَّما أشهدَكَ اللهُ مثلَها مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُندِّمكَ ولم يُخزِك ولكني شهدتُ القتالَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يُقاتِل في أولِ النهار انتظرَ حتى تهُبَّ الأرواحُ وتحضُرَ الصَّلَوات بعثَ أي أرسل أفناء الأمصار أي جماعاتهم وقيل أفناءُ الناسِ أخلاطُهم الهُرمزان هو ملكٌ كبيرٌ من مُلوك العجم وكان لا يُفارِق عُمر رضي الله عنه نهضَت أي قامت شُدِخَ الرَّأس أي كسرُه ذهبَت الرِّجلانِ والجناحانِ والرَّأس أي لم تقُمْ بالطائر كسرَ هو ملكُ الفُرس أي صر هو ملكُ الروم فلينفِرُ النَّفير هو الدعوةُ والخروجُ للجهاد فندَبَنا أي طلبَنا ودعانا وعزمَ علينا أن نجتمعَ للجهاد بأرضِ العدو وكانت وقعةُ نها وندَ في سنةِ 21 وقيلَ قبلَ ذلك عاملُ كسرَ هو الغيرزان وقيلَ بندار ترجمان الترجمانُ هو المُعبِّرُ على اللغةِ بلغة في شقاءٍ شديد أي منضيقِ العيش الوبَر هو شعرُ الإبلِ ونحوِها من أنفسِنا أي من بينِنا حتى تعبُدُ اللهَ وحدَه أي حتى تُوحِّدُه تُؤدُّ أي تعطُو عن رسالةِ ربِّنا أي وحيا ملكَ رقابَكم كنايةً عن النصرِ والغلبةِ وظهورِ الدين أشهدَك أي أحضَرك فلم يُندِّمك أي فلم يجعلكَ اللهُ نادِما لم يُخزِك أي لم يُذِلَّكَ ويُهِنك في أولِ النهار أي في الصباح تهُبَّ الأرواح الأرواحُ جمعُ ريح وتحضُرَ الصلوات يعني بعدَ زوالِ الشمس من فوائدِ الحديث يُستفادُ من الحديث بيانُ منقبةٍ للمغيرةِ بن شعبة رضي الله عنه ومعرفته بالحرب وقوةِ نفسِه وشهامته وفصاحتِه وبلاغته والحديثُ من أعلامِ النبوة وإخبارُه عن المُغيَّباتِ ووقوعُها كما أخبر وفيهِ فضلُ المشورة وأنَّ الكبيرَ لا نقصَ عليه في مشاورةِ من هو دونَه وفيهِ جوازُ إمارةِ المفضولِ مع وجودِ الأفضل وفيهِ أنَّ ضربَ المثلِ أظهرُ في البيانِ وأبلغُ في النفس وفي الحديثِ إشارةٌ إلى أولويَّاتِ الجهاد وأنَّ ضربَ رأسِ العدوِ أولى من ضربِ جناحَيه وفيهِ أنَّ من الجهادِ التعرُّفُ إلى طِباعِ العدو وفي الحديثِ إشارةٌ إلى مشروعيةِ تعلمِ لغةِ العدو وفيهِ بيانُ فضلِ الدعوةِ إلى توحيدِ الله تعالى وفيهِ مشروعيةُ مناظرةِ الكفَّار وفيهِ بيانُ فضلِ القتالِ بعد زوالِ الشمسِ على ما قبلَه بابُ الوساطِ بأهلِ ذِمةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ التَّمِيمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قُلْنَا أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَالَ أُوْصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ بِذِمَّةِ اللَّهِ أي بعهده يستفاد من الحديث أن مبنى الحكم والإمارة على العدل وفي الحديث أن مصرف الجزية في عموم مصالح المسلمين وفيه بيان فضل عمر رضي الله عنه وعدله وفي الحديث إشارة إلى الاهتمام بسبر الرزق باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما التعليق على الحديث المعاهد هو الذمي وسمي بذلك لأنه من أهل العهد أي الأمان الجرم أي الذنب لم يرح أي لم يجد ولم يشم توجد المراد تشم يستفاد من الحديث تحريم الخيانة ونقض العهود وفيه تحريم قتل النفس المعصومة وفيه أن عقد الذمة يعصم الدم والمال إلا بحقها وفي الحديث إشارة إلى اجتناب أسباب الحرمان من الجنة ونعيمها باب إخراج اليهود من جزيرة العرب عن أبي هريرة قال بينا نحن في المسجد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدرس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم فقال يا معشر يهود أسلموا تسلموا فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أريد ثم قالها الثالثة فقال فمن وجد منكم بماله شيئا فليبع وإلا فاعلَموا أنَّما الأرض لله ورسوله التعليق على الحديث انطلقوا إلى يهود أي اذهبوا بنا إلى حي اليهود بيت المدرس هو البيت الذي يدرسون فيه وقيل المدرس العالم التالي للكتاب أسلموا أي دخلوا الإسلام تسلموا أي من القتل والجزية والإخراج قد بلغت أي أديت ما أمرت به تاماً وافيا أجليكم أي أخرجكم عن أرضكم من فوائد الحديث يستفاد من الحديث بيان فضل الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وفيه أن الجزاء من جنس العمل فمن أسلم سلم وفيه مشروعية مناظرة الكافر رجاء إسلامه وفيه مشروعية تهجير الكافر لمصلحة باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم عن أبي هريرة قال لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شات فيها سم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود فجمعوا له فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سائلكم عن شي فهل أنتم صادقية عنه فقالوا نعم يا أبى القاسم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبوكم قالوا أبونا فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم بل أبوكم فلان فقالوا صدقتَ وبرِرت فقال هل أنتم صادقِيَّ عن شيءٍ إن سألتُكم عنه؟ فقالوا نعم يا أبى القاسم وإن كذبناك عرفتَ كذبنا كما عرفته في أبينا قال لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أهلُ النار؟ فقالوا نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها فقال لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إخسأوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدا ثم قال لهم فهل أنتم صادقِيَّ عن شيءٍ إن سألتُكم عنه؟ قالوا نعم فقال هل جعلتم في هذه الشات سما؟ فقالوا نعم فقال ما حملكم على ذلك؟ فقالوا أردنا إن كنتَ كذابًا نستريح منك وإن كنتَ نبيًا لم يضرَّك التعليق على الحديث الغدر هو الخيانة ونقض العهد أهديت لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم شاتٌ فيها سم جاءت بها مرأةٌ يهودية اسمها زينب بنت الحارث أختُ مرحبا اليهودي فهل أنتم صادقِيَّ عنه؟ المراد هل ستصدُقون في الجواب؟ برِرت أي أحسنت كما عرفتَ هذا إقرارٌ منهم بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه علم ذلك وحياة نكون فيها يسيرًا أي ندخلُ النار مدَّةً قليلةً ثم نخرج ثم تخلفوننا فيها أي تدخلون النار بعدنا خالدين إخسأوا زجرٌ لهم بالطرد والإبعاد وقيل هو دعاءٌ عليهم بذلك هل جعلتم أي هل وضعتم ما حملكم على ذلك أي لماذا دسستم السمَّ في الشاه وما الدافعُ لكم على ذلك لم يضرك أي لم يؤثر فيك يستفاد من الحديث أن القتلَ بالسمِّ كالقتلِ بالسلاحِ الذي يُوجِبُ القِصاص والحديثُ من أعلام النبوة حيث علم النبي صلى الله عليه وسلم أن الشاتَ مسمومة وفيه بيانُ فضل العفو والصفح وفيه أن من فضل الله عز وجل أن السمَّ لم يؤثر في بدن النبي صلى الله عليه وسلم تأثيرًا كبيرًا وهذا من عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وفيه مشروعيةُ مناظرة الكفار وأيقامةِ الحُجَّةِ عليهم وفيه أن مبنى حال اليهود على الغدر والمكر والكذب والإنكار وفيه أن عداء اليهود معروفٌ للأنبياء عليه مسلام وفي الحديثِ إشارةٌ إلى فساد دين اليهود وكل يهوديٍ تصله دعوةُ الإسلامِ ولم يؤمن فمصيرُه إلى النار عن عائشةَ رضي الله عنها قالت سحرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بني زريق يُقال له لبيدُ بن الأعصم حتى كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخيلُ إليه أنه كان يفعل الشيئ وما فعلَه في رواية حتى كان يرى أنه يأتِ النساءَ ولا يأتيهِن حتى إذا كان ذاتَ يومٍ أو ذاتَ ليلةٍ وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال يا عائشةَ أشعرتي أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه في رواية فيما فيه شفائي أتاني رجلان فقعدَ أحدُهما عندَ رأسي والآخرُ عندَ رجلي فقال أحدُهما لصاحبِه ما وجعُ الرجل فقال مطبوب قال من طبَّه قال لبيدُ بن الأعصم في رواية رجلٌ من بني زريق حليفٌ ليهود كان منافقا قال في أي شيء قال في مشطٍ ومشاطَة في رواية في مشطٍ ومشاقة وجفِّ طلع نخلةٍ ذكر قال وأين هو قال في بئر ذروان في رواية تحت رعوفةٍ في بئر ذروان فأتاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ناسٍ من أصحابِه فجاءَ فقال يا عائشة كأنَّ ماءَها نقاعةُ الحِنَّاء أو كأنَّ رؤوسَ نخلها رؤوسُ الشياطين قلتُ يا رسولَ الله أَفَلَ استَخرَجتَه قال قَدْ عَافَانِ الله في رواية لا أما أنا فقد شفانِ الله فكرهتُ أن أُثوِّرَ على الناس فيه شرًّا فأمرَ بها فدفِنت التعليقُ على الحديث الذمِّ هو من أهلِ العهدِ والأمان يخيَّلُ إليه أي يُشبَّهُ له فيتوهَّمُ حدوثَ الشيء وهو عندي المراد في يومِ ونوبةِ عائشةَ رضي الله عنها أشعرتي أي أعلمتي أنَّ الله أفتاني أي أخبرني فيما استفتيتُه أي في سؤالِ إياهُ الشفاء أتاني رجلان أي جاءني ملكاني على هيئةِ رجلين وقيل هما جبريل وميكال عليهما السلام ما وجعُ الرجل أي مما يشتكي مطبوب أي مسحور من طبَّه أي من سحرَه ومشاطه هو الشعرُ الذي يسقطُ من الرأسِ واللحيةِ عند التسريحِ بالمشط جفِّ طلع أي وعاء طلع النخل في بئرِ ذروان هي بئرٌ بالمدينةِ في بستانِ بني زريقٍ من اليهود نقاعةُ الحِنَّى أي حمرى كالماءِ الذي ينقعُ فيهِ الحِنَّى كأنَّ رؤوسَ نخلها رؤوسُ الشياطين المراد قبحُ صورتها وهولُ منظرها كصورةِ الشياطين أثوِّر أي أثيرَ وأوهيِّج فدُفِنت أي البئر مشاقه أي ما يغزَلُ من الكتَّام رعوفة أي صخرة من فوائدِ الحديث يُستفادُ من الحديث أنَّ الأنبياءَ عليهم السلامُ بشر يجري عليهم من مقاديرِ الحياةِ ما يجري على البشر من مرضٍ وموتٍ وسحرٍ وغيرها وفيه بيانُ فضلِ الدعاء وصدقِ اللجوءِ إلى الله عز وجل في رفعِ الضرِّ والبلاء وفيه استحبابُ تكرارِ الدعاء والإلحاحِ على الله تعالى بالطلب وفيه مشروعيةُ التداوي من الأمراضِ الحسيَّةِ والمعنوية وفيه أنَّ السحرَ موجود وله حقيقةٌ كحقائق غيره من الأشياءِ الثابتة خلافًا لمن أنكره ونفا حقيقتَه وفيه وجوبُ إزالةِ آثارِ الفعلِ الحرام وفي الحديثِ دليلٌ على سدِّ الذرائِع وإغلاقِ بابِ الشرِّ على الناس وفيه مشروعيةُ التخلُّصِ من السحرِ بدفنِه بابُ ما يُحذَرُ من الغدر عن عوفِ بن مالكٍ قال أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوك وهو في قبَّةٍ من أدم فقال أُعدُد ستًّا بين يدي الساعة موتِي ثم فتحُ بيتِ المقدس ثم موتانٌ يأخذُ فيكم كقعاصِ الغنَم ثم استفادةُ المال حتى يُعطى الرجلُ مائةَ دينارٍ فيظلُّ ساخِطا ثم فتنةٌ لا يبقى بيتٌ من العربي إلا دخلَت ثم هدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغضِرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غايةٍ اثنى عشر ألفا قبَّة أي خيمة من أدم أي من جلدٍ مدبو أُعدُد ستًّا أي ستَّ علامات بين يدي الساعة أي قبل قيام الساعة موتان هو الموتُ الكثيرُ الوقوع كقعاصِ الغنَم هو داءٌ يأخذُ الغنَم فيسيلُ من أُنوفِها شيءٌ فتموتُ فجاءَه ساخِطا أي غيرَ راض هدنة أي صُلح بني الأصفر هم الروم غاية أي راية من فوائد الحديث الحديثُ من أعلام النبوة وفيه أنَّ من أشراط الساعة موتُ النبي صلى الله عليه وسلم ومن أشراطها فتحُ بيتِ المقدس وقد تم ومن أشراطها كثرةُ الموتِ العام وقد وقع ذلك فيما بعد ومن أشراطها كثرةُ الفتنِ وكثرةُ المال وفي الحديثِ إشارةٌ إلى تحريم الغدر وأنَّ الغدر من طباعِ الروم وفيه عدمُ التعرُّض لمواطنِ الفتن بابُ إثمِ من عاهدَ ثمَّ غدر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كيف أنتم إذا لم تجتبُوا دينارًا ولا درهما فقيل له وكيف ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة قال إيه والذي نفسُ أبي هريرة بيدِه عن قولِ الصادقِ المصدوق قالوا عمَّ ذاك قال تنتهكُ ذمةُ الله وذمةُ رسولِه صلى الله عليه وسلم فيشدُّ الله عز وجلَّ قلوبَ أهلِ الذمة فيمنعونَ ما في أيديهم التعليقُ على الحديث لم تجتبُوا يعني إذا لم تأخذوا من الجزية والخراج الصادق أي في ذاتِه المصدوق أي فيما يخبر عمَّ ذاك أي كيف يحدثُ ذلك تنتهكُ ذمةُ الله وذمةُ رسولِه صلى الله عليه وسلم انتهاكُ الحُرمة أي تناولُها بما لا يحلُّ من الجور والظُّلم فيشدُّ الله عز وجل أي يبعثُ فيها القوة فيمنعونَ ما في أيديهم المراد يمتنعونَ عن أداء الجزية والخراج الحديثُ من أعلام النُّبوَّة فقد منع أهلُ الذمة الجزية واستضعفوا جانبَ المسلمين وفيه كمالُ يقينِ الصحابة رضي الله عنهم بأن كلَّ ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الحوادث سيكون وفي الحديثِ إشارةٌ إلى تحريمِ الظُّلم وفيه الإرشادُ إلى إعطاء أهلِ الذمة حقوقَهم وعدمِ هضمِها أو الانتقاصِ منها وفيه الإرشادُ إلى الوفاءِ بالعُهود والتحذيرِ من مآلاتِ الغدر والخيانة باب عن أبي وائلٍ قال كنا بصفين في رواية كنا بصفين فقال رجل ألم تر إلى الذين يُدعون إلى كتابِ الله فقال علي نعم فقام سهلُ ابن حنيف فقال أيها الناس اتهموا أنفسكم في رواية اتهموا الرأي فلقد رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيعُ أن أرد على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أمره لردد والله ورسولُه أعلم وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمرٍ يفضعنا إلا أسهلنا بنا إلى أمرٍ نعرفه قبل هذا الأمر ما نسدُّ منها خُصمًا إلاً فجر علينا خُصمٌ ما ندري كيف نأتي له فإنا كنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يوم الحُديبية ولو نرى قتالًا لقاتلنا فجاء عمرُ ابن الخطاب فقال يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل فقال بلى فقال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال فعلى ما نعطي الدنية في ديننا أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال يا ابن الخطاب إني رسولُ الله ولن يضيّعني الله أبدا فانطلق عمرُ إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه رسولُ الله ولن يضيّعه الله أبدا فنزلت سورة الفتح فقرأها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها فقال عمر يا رسول الله أوفتحُنه أوفتحُنه قال نعم التعليق على الحديث بصفين هو اسم موضع على الفرات وقعت فيه الحرب المشهورة اتهموا أنفسكم أي اتهموا رأيكم في هذا القتال فعلى ما نعطي الدنية أي لماذا نرضى النقيصة والمذلة ولما يحكم الله بيننا وبينهم أي لم يقع الفصل بيننا وبين الكفار لن يضيّعني أي لن يتركني ما وضعنا أسيافنا أي ما جرّدنا سيوفنا لأمر يفضعنا أي شديد علينا أسهلنا بنا إلى أمر نعرفه أي أوصلنا إلى أمر واضح سهل وفيه خير قبل هذا الأمر أي الفتنة التي وقعت بين المسلمين فإنها مشكلة حيث حلّت المصيبة بقتل المسلمين الحديث من أعلام النبوة فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح مكة قبل وقوعه وفيه الإرشاد إلى عدم تقديم الرأي على النص وعدم مصادمة العقل للشرع وفيه بيان فضل علم أبي بكر رضي الله عنه وصلابة إيمانه وقوة يقينه وفيه أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما وفي الحديث الإرشاد إلى الوفاء بالعهود والعقود وفيه أن صلح الحديبية من أعظم الفتوحات وفيه التحذير من الفتن وأن من مبادئ الفتن تحكيم الرأي وفيه أن السلامة في التمسك بالكتاب والسنة وفي الحديث إشارة إلى أن الفتن يرقق بعضها بعضا وفيه الإشارة إلى الكف زمن الفتن باب إثم الغادر للبر والفاجر عن عبد الله وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل غادر لواء يوم القيامة قال أحدهما ينصب وقال الآخر يرى يوم القيامة يعرف به وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان ابن فلان في رواية لما خلع أهل المدينة يزيد ابن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه غادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به لواء أي علم ينصب أي يركز ويرفع هذه غدرة أي بسبب غدرته في الدنيا أو بقدر غدرته من فوائد الحديث يستفاد من الحديث التغليض في تحريم الغدر والغدر من صاحب الولاية العامة أعظم جرما لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين وفيه الإرشاد إلى الوفاء بالعهود كلها وفي الحديث إشارة إلى الوفاء ببيعة الإمام وعدم الخروج عليه