بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ مَعَالِمُ فِي طَرِيقِ الثَّبَاتِ المُتَسَاقِطُونَ عَلَى الطَّرِيقِ الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد خلق الله الخلق للابتلاء والاختبار قال تعالى فبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ثم أرسل لهم الرسل فمنهم من آمن ومنهم من كفر وأبى الله إلا أن يختبر المعلنين للإيمان فقال تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتن الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين فتميز الخبيث من الطيب كما قال تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب فثبت الثابتون بفضل الله ورحمته ثم بأساسهم المتين وسقط المتساقطون بخذلان الله لهم فكانوا على شفاج رفنهار فانهار بهم قال تعالى ولو أنهم فعلوا ما يعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ولقد ضرب الله مثلا للثابتين والمتساقطين على الطريق فقال ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء فابتدأ الله سبحانه وتعالى بالتأصيل الحق وصفته ثم بالتأصيل الباطل وصفته ثم بثمرة كلا التأصيلين من الثبات وعدمه والكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد لا إله إلا الله وكل دعوة لا تبنى على هذا الأصل العظيم فهي باطلة فاشلة لأن التوحيد هو أول واجب وآخر واجب وهذه الكلمة لها جذورها الثابتة في تربة التقوى فكان فرعها في السماء عالية لا يهتز للفتن ولا تحركه الأهواء والمصالح ولها ثمارها في كل حين في الحرب والسلم في مرحلة الضعف والقوة بخلاف تلك الشجرة الخبيثة التي لا جذور لها ولا أصول فما أن تأتي أول فتنة وإذ بها تجتث من فوق الأرض فلا تقوى على الثبات والصمود فلا تستغربن أخي المسلم أقوال وأفعال بعض المفكرين والقياديين والحكوميين فإن كل إناء ينضح بما فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلى وإذا فسد أسفله فسد أعلى رواه أحمد وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة وقال تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ولما كان التأصير الحق في نفوس الصحابة قويا ما كان فيهم مبتدع ولا ضال وقدم الدين للناس غضا طريا وأثمر الثمار اليانعة الطيبة التي أكل منها الناس على اختلاف الطبقات منهم عبر الزمان والمكان قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية وأما الخلفاء والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام والقرآن والعلم والمعارف والعبادات ودخول الجنة والنجاة من النار وانتصارهم على الكفار وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الذين بلغوا الدين وجاهدوا في سبيل الله وكل مؤمن آمن بالله فلصحابة رضي الله عنهم عليه فضل إلى يوم القيامة وتأمل معي هذا الكلام بفهم دقيق وتفكير عميق والذي قاله العلامة بن القيم في كتابه الماتع الفوائد من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به فإن البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى به وأذا تهدم شيء من البنيان سهل تداركه وأذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت وأذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط قال تعالى أَفَمَنْ أَسْسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أَسْسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَاجُرْفٍ هَارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين فحم البنيانك على قوة أساس الإيمان فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس وهذا الأساس أمران الأول صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته والثاني تجريد لانقياد له ولرسوله دون ما سواه فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتل البناء ما شاء انتهى كلامه رحمه الله فانظر رحمني الله وإياك ببصرك وبصيرتك إلى واقع المسلمين اليوم تجد الانهيارات في العمل الإسلامي عند ذلك تدرك حقيقة مرة وهي أن هذا العمل لم يؤسس على تقوى من الله ورضوان من نصوص الوحي وفقه أئمة القرون المفضلة في الدين معالم في طريق الثبات