خلاصة مفاهيم أهل السنة القلب السليم القلب السليم هو الذي ينفع صاحبه يوم القيامة كما قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أت الله بقلب سليم وهو الذي وصف الله تعالى به نبيه إبراهيم عليه السلام فقال وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم وترتكز حقيقة هذا القلب السليم على التحلي والتخلي التحلي بالأعمال والاعتقادات القلبية الصالحة التي هي أساس صلاح الأعمال الظاهرة والتخلي عن الأعمال والاعتقادات القلبية الفاسدة ومن آكد أنواع التخلي السلامة من الاعتراضات التي تفسد على القلب تسليمه لخبر الله عز وجل في كتابه وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة الصحيحة وتفسد عليه تسليمه لأمر الله عز وجل الشرعي وأمره القدري ومن التخلي أيضا السلامة من الإرادات الفاسدة التي تفسد عليه محبته وإخلاصه وتوكله وخوفه ورجاءه من الله تعالى تحقيق التوحيد يثمر القلب السليم كل من تحقق لديه توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته فهو بلا شك صاحب قلب سليم فمن تحقق لديه توحيد الألوهية تحقق فيه إخلاص العبادة والمحبة والخشية إلى آخر ذلك ومن تحقق لديه توحيد الربوبية تحقق فيه التوكل على الله واليقين بوعده والرجاء واللجوء إليه سبحانه إلى آخر ذلك ومن تحقق لديه توحيد الأسماء والصفات عرف أسماء الله الحسنى وصفاته العلى معرفة كاملة فأثرت في قلبه وأثمرت العمل القلبي المناسب لكل صفة من صفاته سبحانه فيتوب لله تعالى متعرضا لصفات العفو والرحمة والمغفرة ويتوكل على الله متعرضا لصفات الرزاق الوهى بالمنان إلى آخر ذلك ولهذا فسر كثير من السلف القلب السليم بأنه القلب السالم من الشرك تحقيق أعمال القلوب يمنع أمراضها لأن كان تحقيق التوحيد يثمر أعمال القلوب الصالحة فإن تحقيق أعمال القلوب الصالحة يمنع أمراضها فمن يتحقق قلبه باليقين بحكمة الله عز وجل في كل ما يقضيه من أقضية كونية وشرعية لا يحقد على أحد ولا يحسد أحدا على ما ينعم الله عليه من خير وعطاء لإدراكه لحكمة الله سبحانه في كل من العطاء والمنع ومن يتحقق قلبه بالتوكل على الله ينتفي عنه كل من مرض الخوف والهلع من المصائب ومرض الفرح والبطر والطمع في حطام الدنيا ومتاعها الزائل قال الله تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ومن يتحقق قلبه بمحبة الله تعالى والمسكنة له سبحانه يمتلئ قلبه بالتواضع وشدة الافتقار إلى الله ويمتنع عليه الكبر والخيالاء والرياء والعجب صاحب القلب السليم وتعامله مع الخلق صاحب القلب السليم ينشغل بإصلاح نفسه عن الوقوع في عيوب الناس وأعراضهم بل حتى لو آذاه الناس فهو لا يشغل قلبه بما ناله من آذى ولا يطلب الثأر لنفسه وإنما يجمع قلبه على ما يحقق صلاحه وصلاح المسلمين لإدراكه أن ذلك أنفع لهم جميعا سلامة القلب لا تعني البله والغفلة سلامة القلب لا تعني الجهل بالشر وأهله ولا للخداع لهم وإنما صاحب القلب السليم يعرف الشر ويتوقاه ويعرف أهل الشر ولا ينخدع لهم كما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لست بخب ولا يخدعني خب والخب هو اللئيم فكان عمر رضي الله عنه أعقل من أن يخدع وأورع من أن يخدع فالفرق بين سلامة القلب والبله والغفلة أن سلامة القلب تكون بعدم إرادة الشر بعد معرفته لسلامة من معرفته والعلم به أما البله والغفلة فهما جهل وقلة معرفة وهذا لا يحمد بل هو نقص فالكمال أن يكون القلب عارفا للشر سالما من إرادته قلب المؤمن وازع له عن ارتكاب المحرمات القلب المؤمن مملؤ بوازع الإيمان الذي يزعه ويزجره عن ارتكاب المحرمات فهو أنفع له وأجدر من كل العبارات التي تحذر من كثير من المنكرات مثل الفساد تعطيل للتنمية وهدر للموارد ولا للمخدرات والتدخين ضار بالصحة ولا مانع من ذكر مثل هذه العبارات التي تبين المفاسدة من الناحية الدنيوية ولكن بعد تحفيز وازع الإيمان في قلب المؤمن ببيان المفاسد الدينية أولا كضعف محبة الله عز وجل وضعف تعظيمه والتسليم له القلب المؤمن وإدراكه للقيم السامية قلب المؤمن هو الذي يعقل الأمور والقيم في حياته الدنيا قال الله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ولذا فهو يدرك قيما سامية عديدة حيث يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال والرؤية الواضحة بعد الغبش والحيرة ويدرك قيمة الطمأنينة بالحق بعد القلق والاضطراب ويدرك قيمة التحرر من العبودية للعبيد بعبوديته لله وحده ويدرك قيمة الاهتمامات العالية الرفيعة عوضا عن اللهو والأغراض الدنيئة الحقيرة من لوازم القلب الواحد قال الله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم لا إي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعاءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والآية في أصلها إبطال للظهار والتبني الذي ينسب المتبنى لغير أبويه فكما أنه ليس للمرء إلا قلب واحد فكذلك لا يوجد له إلا أم واحدة وأب واحد وما عدا ذلك فهو وهم باطل لا حقيقة له والآية تشير أيضا إلى أنه يلزم من كون للمرء قلب واحد للآتي أن يكون له منهج واحد يسير عليه في حياته والتصور واحد للحياة والوجود يستمد منه القلب الواحد أعماله ومفاهيمه وميزان واحد يزن به القيم ويقوم به الأشياء والأحداث فيعيش المرء حياته ويعمل أعماله ويتصرف تصرفاته بنسق واحد ومفهوم واحد فلا يملك صاحب العقيدة الراسخة في قلبه أن يقول مثلا فعلت كذا بصفة الشخصية وفعلت كذا بصفة الإسلامية كما يفعله رجال السياسة والإعلام والإدارة وهو بهذا القلب الواحد يعيش فردا ويعيش في أسرته ويعيش في الجماعة وفي الدولة وفي العالم كما يعيش به سرا وعلانية عاملا وصاحب عمل حاكما ومحكوما ويعيش به في السراء والضراء وفي جميع الأحوال فلا تتبدل موازينه ولا قيمه ولا تصوراته