خلاصة مفاهيم أهل السنة التقوى التقوى عمل قلبي ومصطلح إسلامي فريد ربما لا يوجد له مرادف في اللغات أو الشرائع الأخرى وهي مشتقة من الوقاية ومقصودها الأساس هو أن يجعل المرء بينه وبين غضب الله وعذابه وقاية ولكنها مع هذا تحمل في طياتها معان ومفاهيم سامية جليلة فهي حساسية في الضمير وشفافية في الشعور وخشية مستمرة وحذر دائم وتوقل لأشواك الطريق طريق الحياة الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات وأشواك الرجاء الكاذب ممن لا يملك إجابة الرجاء والخوف الكاذب ممن لا يملك ضرا ولا نفع إلى غير ذلك من أشواك الحياة وابتلاءاتها ولهذا تنوعت عبارات السلف في تعريف التقوى والتعبير عنها فمن أشهر ما قيل فيها هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم رحيل وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال طلق بن حبيب التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعبر رضي الله عنه عن التقوى ماه فقال أبي يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقا فيه شوك قال نعم قال ما فعلت قال عمر أشمر عن ساقي وأنظر إلى مواضع قدمي وأو قدم قدما وأو أخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة فقال أبي بن كعب تلك التقوى وأخذ بهذا المعنى بن المعتزي فأنشد خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى فاللهم أرزقنا تقواك وأعنا على العمل لرضاك التقوى هي معيار التفاضل يقيم جل الناس التفاضل بينهم وفق اعتبارات أرضية مختلفة من مال وجاه أو سلطان ونفوذ أو علم دنيوي إلى آخر ذلك ولكن الله تعالى يرشدنا إلى المعيار القويم عنده والميزان الذي ينبغي أن توزن به أقدار الناس وقيمهم إن أكرمكم الله أتقاكم إن الله عليم خبير فالتقوى هي القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل وهي قيمة سماوية بحتة لا علاقة لها بمواضعات الأرض وملابساتها ومطلوب منا أن نقيم الناس بهذا المعيار السماوية المطلق بدلا من اعتبارات الإخلاص الخاء واللا موصاد خلص أصل واحد في اللغة يفيد التنقية والتهذيب والتصفية والإخلاص والصدق قريبان من بعضهم البعض في المعنى إلا أن الصدق يكون في الأقوال والأعمال بينما يختص الإخلاص بعمل القلب كما أن الصدق ضده الكذب والإخلاص ضده الرياء فعدم الصدق في العبادة أو العمل معناه الكذب فيهما وذلك بانتفاء إرادة الله بهما وذلك هو النفاق بينما عدم الإخلاص في العبادة أو العمل معناه انتفاء افراد الله بالإرادة والتوجه فغير المخلص يريد الله تعالى بعمله ويريد معه فعمله غير صاف لله تعالى وذلك هو الرياء والشرك فالكاذب في العبادة أو العمل منافق وغير المخلص فيهما مراء مشرك ولهذا يكثر الحديث عن الصدق في السور التي تتحدث عن النفاق وأهله كسور التوبة والأحزاب والمنافقون بينما يكون الحديث عن الإخلاص في السور التي مرد للشرك وأهله كسور الزمر وغافر والبينة وقد أمرن الله بالإخلاص في غير ما آية من القرآن قال تعالى قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وقال وما أمروا إلا ليعبد الله مخلصين له الدين وحذرنا من عاقبة الشرك الذي هو ضد فقال تعالى وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَإِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه رواه مسلم ترك يبطل العمل ويحبطه والإخلاص في العمل كالروح للجسد فالفرق بين عمل بإخلاص وعمل لا إخلاص فيه كالفرق بين الإنسان الحي والتمثال الشاخص فهم خاطئ للإخلاص يترك بعض الطيبين بعض الأعمال الصالحة خشية عدم الإخلاص فيها أو صعوبة تحققه حتى يأول بهم الأمر إلى السلبية والقعود عن أعمال البر والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا من تزين الشيطان ومداخله الخطيرة حيث يتحول الإخلاص إلى عمل سلبي يعوق عن فعل الخير والحق أنه على المرء أن يجاهد نفسه في تحقيق الإخلاص في جميع طاعاته ويندفع في عمل يرضي الله عز وجل ولا يلتفت إلى وساوس الشيطان بترك ما يحبه الله ويرضاه خشية الرياء وعدم الإخلاص فيه فالإخلاص ينبغي أن يكون عملا قلبيا إيجابيا يدفع المرء إلى فعل كل ما يستطيعه مما يحبه الله عز وجل مبتغيا بذلك مرضاة الله وحده صدق النية تتفق صدق النية مع الإخلاص في المعنى فنية المرء الصادقة للعمل تعني إخلاصه فيه إلا أنها تضيف إلى ذلك معنى آخر يرتبط بالإخلاص ويتعلق بالعزم على العمل في المستقبل فمن الصدق في النية الصدق في العزيمة على فعله إذا تمكن منه إذ قد تكون للمرء نية طيبة يجعل خير ما لكن عزيمته ضعيفة لا تقوى على مواجهة تحديات هذا العمل ومشاقه أو تخذل نيته بالكسل والفتور فهذا الضعف والتردد والكسل يضاد صدق النية ويضعفها حتى يؤدي إلى ترك المرء للعمل والقعود عنه ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم حيث عزموا على القتال مع طالوت ومواجهة العدو فلما تعرضوا للابتلاء بالعطش مع وجود النهر انهارت قوى كثير منهم وشربوا منه رغم عدم السماح لهم إلا بغرفة واحدة ثم لما جاوز طالوت النهر بالقلة الذين نجحوا في الاختبار خارت نية كثير منهم أيضا وقالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ولم يثبت معه على الحق إلا أقل القليل ممن صدقت نيتهم وقوي يقينهم بالله ونصره وقالوا كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ودعوا ربهم وقالوا ربنا إبغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فكانت النتيجة فهزموهم بإذن الله فالنيه الصادقة والعزيمة الأكيدة تستجلب مرضات الله عز وجل وتحقق الفوز والفلاحة في الدنيا والآقرة إخلاص العمل من بدايته إلى نهايته ربما يدخل المرء في العمل بإخلاص ونيه طيبة صادقة لكن لا تلبث أن تلوث هذه النية بعض الرغبات والشهوات والأهواء فينبغي أن نحرص على الإخلاص في العمل من أوله إلى آخره بحيث يكون خروجنا منه كدخولنا فيه وأن ندعو الله تعالى أن يوفقنا لذلك وهذا من معاني وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا الخوف والرجاء عملان قلبيان يسعى الإسلام لتحريرهما من المخاوف الزائلة والأطماع الزائلة ويوجههم التوجيه الصحيح الذي يصدر عن النفس النفس السوية المهتدية النفس التي ينبغي عليها أن تخاف كما ينبغي لها أن ترجو ولكن تخاف وترجو الخوف والرجاء المحمودين الخوف من الله وعذابه ورجاء رحمته وثوابه كما قال تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا فأما المخاوف الأرضية الزائفة فيدعو القرآن إلى التحرر منها بالالتجاء إلى الله وحده كما وجه الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى عدم الخوف من فرعون وبطشه فقال لا تخاف أرني معكما أسمع وأرى وأما رجاء المؤمنين فقد قال الله عز وجل عنه وترجون من الله ما لا يرجون فالمؤمنون يرجون ثواب الله على أعمالهم كما يرجون كلما يحقق العدل وينشر الحق في الأرض بإقامة دين الله وقمع أعدائه أما متاع الدنيا الزائل فإن كان ينشر طريق الحق أو يلهي عن ذكر الله وما والاه فلا ينبغي أن يكون مما يرجوه المؤمن فقد قال الله تعالى اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته الله مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور الخوف من الله من لوازم الإيمان قال تعالى وخافون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله والخوف المحمود هو ما حجز العبد عن محارم الله العلم بأسماء الله الحسنى وصفاته العلاء يحقق كل من الخوف والرجاء كلما كان العبد بالله أعرف كان له وأخوف كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا رواه البخاري فمن يعرف الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلاء فيعلم عظمة الله وقدرته سبحانه ويعلم سمعه لكل المسموعات وبصره لكل المبصرات وعلمه للغيب والشهادة تكنه الضمائر والصدور ويعلم عظمة انتقام الله ممن عصاه وكثر به من يعرف كل هذا وهو صاحب قلب سليم فلا بد أن يورثه ذلك الخوف من الله تعالى وخشيته في السر والعلن ولما كانت الملائكة أعلم المخلوقات بالله سبحانه وصفاته كانوا أخشاها لله تعالى كما قال عز وجل وهم من خشيته مشفقون كما يحقق العلم بأسماء الله الحسنى وصفاته العلاء أيضا الرجاء فمن يعلم عن ربه أنه غفور ودود حنان منان قريب مجيب للدعوات يفرح بتوبة عبده إليه من يعلم كل ذلك عن ربه يشتد رجاؤه فيه يعرف قول الله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون فيتعرض لقرب الله ويأنس به ويدعوه بكل ما يحب الخوف من الله يوجب عدم الأمن من مكره عبد الذي يخاف الله تعالى ويخشى أن لا يكون آمنا على ما معه من إيمان بل لا يزال خائفا أن يبتلى ببلية يسقط فيها وتسلبه إيمانه وعليه أن يلزم دعاء يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فعلى المؤمن أن يعلم أنه لو وكل إلى نفسه وأمن من مكر الله لوقع في الخسران المبين قال تعالى أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ الفرق بين الخوف الجبلي والخوف المحرم لا ينكر أحد الخوف الفطري الجبلي كالخوف من الحيوانات المفترسة ومن الأحداث المروعة كالعواصف والزلازل والبراكين وهياج البحر إلى أهل السفن إلى آخر ذلك فكل هذا خوف جبلي مغروس في الفطر ولا يؤاخذ عليه صاحبه إنما المحذور هو الخوف الذي يوقع صاحبه فيما نهى الله عنه فإن تسبب الخوف في فعل محرم أو ترك واجب كان خوفا محرما وإن تسبب في عبادة المخوف منه ذلك كما يفعل بعض من يخاف الجن فيذبح لهم الذبائح أو يدعوهم من دون الله وهذا الخوف المحرم غالبا ما يكون مصحوبا بتعظيم وتوقير المخوف منه وهو أمر لا ينبغي أن يكون إلا لله وحده الخوف من الله في السر والعلن ينبغي أن يكون الخوف من الله سبحانه وحجزا عن المحرمات في جميع الأحوال فيكون ذلك في حضور الناس كما يكون في السر بعيدا عن أعينهم وهذا المقام أعلى من الخوف في حضور الناس لأنه أدل على تعظيم المرء لربه وتوقيره وقد مدح الله تعالى من يخافه بالغيب فقال الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة رواه النسائي وصحه الألباني لا بد من الجمع بين الخوف والرجاء والموازنة بينهما كل من ينزع إلى آيات الخوف والوعيد ويغفر آيات الرجاء والوعد فهو مجانب للعدل والوسطية وفيه شبه من الخوارج الوعيدية وكل من ينزع إلى آيات الرجاء والوعيد ويغفر آيات الخوف والوعيد فهو أيضا مجانب للعدل والوسطية وفيه شبه من المرجئة والحق هو الجمع بينهما فيجمع قول الله تعالى وعلموا أن الله تعلموا ما في أنفسكم فاحذروه وقوله تعالى واتقوا الله وعلموا أن الله شديد العقاب مع قوله تعالى وهو الغفور الودود وقوله تعالى والله رأوف بالعباد وتلك هي طريقة القرآن الكريم ذاته في الجمع بين كل من الترغيب والترهيب القول الله تعالى نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ينبئك بذلك والتعلم أن الخوف والرجاء كالجناحين للطائر لا يمكنه الطيران بدونهما ولا بأحدهما فحسب فلا بد إذن من جناحي الخوف والرجاء خوف يسوق العبد ورجاء يحدوه ولذلك فالمسلم السوي هو الذي لا ييأس ولا يقنط الناس من رحمة الله كما أنه لا يأمن ولا يؤمن الناس من مكر الله فيجمع بذلك بين قول الله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقوله تعالى أفأمن مكر الله لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون محبة الله محبة الله شرط من شروط كلمة التوحيد لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي يألهه العباد حبا فهو بمعنى المألو أي المحبوب الذي تحبه القلوب وتذل له وأصل التأله التعبد والتعبد هو آخر مراتب الحب عبده الحب وتيمه إذا ملكه وذلله لمحبوبه فالمحبة إذن هي حقيقة العبودية ويصح على هذا أن تقول إن المحبة عمل قلبي هو أصل أعمال القلوب كلها والباعث على العمل بها فلا تكون إنابة ولا رضا ولا خوف ورجاء إلى آخره لا يكون شيء من ذلك إلا تابع لمحبة الله وصادر عنه علاقة المحبة بالخوف والرجاء لما كانت المحبة هي أصل العبادة ومنبع سائر أعمال القلوب كانت الأعمال القلبية مرتبطة بها ارتباطا وثيقا ومنها الخوف والرجاء الخوف والرجاء بالنسبة لعمل القلب كجناحي الطائر فإن المحبة هي رأس هذا الطائر فلا بد أن يسير القلب إلى الله بالمحبة والخوف والرجاء كما يطير الطائر برأسه وجناحي فإذا قطع رأسه مات وإذا كسر جناحاه أو أحدهما لم يستطع الطيران وكان عرضة لكل صائد وكذا القلب إذا فقد الخوف والرجاء إن قطع عن الوصول إلى الله وتعرض لمصائد الشيطان والهوى أما ادعاء العبادة بالحب فقط فهذا من شطحات الصوفية كما أسلفنا ولا يمكن أن يكون المحب إلا خائفا راجيا وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الخوف والرجاء فكل محب خائف وراج بالضرورة يخاف أن يسقط من اعتبار محبوبه ويقع تحت طائلة غضبه وعقابه وطرده ويرجو أن ينال رضا محبوبه وثوابه وهذا هو المقصود بإرادة الآخرة في قول الله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة فالله لم يذكر إلا الدنيا والآخرة وليس ثم قسم ثالث لذا كانت إرادة الآخرة عبارة عن إرادة الله تعالى وثوابه وإرادة الثواب لا تنافي أن يريد الله بل هي ضمن إرادة الله ولذا يتأكد قول السلف من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق من عبد الله بالخوف وحده فهو خارجي ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجع إفراد الله بالمحبة الكاملة لما كان إفراد الله بالعبادة هو التوحيد الواجب والمحبة هي أصل العبادة فقد وجب إفراد الله تعالى بالمحبة وذلك بأن يكون الحب كله لله وإنما يجب لأجله وفيه كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه إلى آخر ذلك فمحبتهم من تمام محبة الله وليست محبة معه وقد جعل الله إخلاص المحبة له فرقانا بين المؤمنين والكافرين فمن أشرك مع الله غيره في المحبة وسواه به فهو المشرك المتخذ من دون الله ندا معبودا كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداد يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وهذه التسوية الشركية في المحبة هي المقصودة أيضا بحكاية الله عن قول أهل النار لآلهتهم تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذن سويكم برب العالمين فلا تصح تسوية محبة أحد بمحبة الله فضلا عن أن تكون زائدة عليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أن يحب إليه مما سواهما وأن يحب المرأة لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار متفق عليه المحبة توجب متابعة المحبوب إذا كان تجريد المحبة وإخلاصها لله تعالى يتعلق بالشطر الأول أشهد أن لا إله إلا الله فإن المحبة تتعلق بالشطر الثاني أشهد أن محمد الرسول الله من جهة إيجابها متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في العبادة والطاعة لأن ذلك لا يعرف إلا من خلاله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور الرحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين فمن لم يتابع الرسول صلى الله عليه وسلم في عبادة الله وطاعته ولم ينقد له فقد خالف في المحبة وكان فعله دليلا على أن ما خالف فيه أحب إليه من الله ورسوله كما قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وحفظوا في وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهد القوم الفاسقين وبسبب مخالفته هذه استحق العذاب وأن يوصف في الآية بكونه من الفاسقين يحبهم ويحبونه محبة الله هي أقوى رابط بين العبد وربه لأن هذه المحبة إن كانت حقيقية فهي تستلزم متابعة الرسول المبلغ عن الله المحبوب كما أسلفنا فينتج عن ذلك حب الله لمن أحبه هذه المحبة كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله فليس الشأن إذا أن تدعي محبتك لله لأن كل الشأن أن يحبك الله بناء على محبتك الحقيقية له فتدخل بذلك في وصف الله لعباده المقربين فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فتأمل ما في هذا الوصف من علاقة متبادلة بينك أنت أيها العبد الفقير وبين الله العظيم الجليل تدرك هذا هي من أجل نعم الله عليك وأحلاها مذاقا الجهاد في سبيل الله دليل على كمال المحبة لما تضمن الجهاد في سبيل الله الجود بالنفس وهي أغلى ما يملك المر كان ذلك دليلا على كامل المحبة لله تعالى ولهذا وصف الله المجاهدين بأنهم قوم يحبهم يحبونه قال تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لوم تلائم كما أنه سبحانه وصف المتقاعسين عن النفير فقال فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فالكارهون للجهاد لا يمكن أن يكونوا محبين لله ورسوله في الدنيا والآباء والأبناء والإخوان والأزواج وسائر متاعها من أموال وتجارة ومساكن أحب إليهم من الله ورسوله كما ذكرت آية سورة التوبة التي سبق ذكرها الحياة من الله الحياة من الناس خلق إسلامي حميد والحياة من الله عمل قلبي يورثه في القلب تدبر كثير من أسماء الله الحسنى وصفاته العلاء مثل السميع والبصير والعليم والعظيم والكريم والودود والحنان والمنان فإذا غلب ذكر ذلك وتدبره في القلب هاج منه الحياة فاستحيا أن يطلع الله على جارحة من جوارحه تتحرك بما يكره الله أو اعتقاد في قلبه مما يكرهه الله فيطهر قلبه وجوارحه من كل معصية وأحسن ما يوضح الحياة الحقيقية من الله قول النبي صلى الله عليه وسلم استحيوا من الله حق الحياة قالوا يا نبي الله إنا لن استحي والحمد لله قال ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياة أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياة رواه الترمذي وحسنه الألباني ومن أقوال السلف عن الحياة من الله خف من الله على قدر قدرته عليك واستحي من الله على قدر قربه منك وجزع الأسود بن يزيد عند وفاته فلما عوتب في ذلك قال مالي لا أجزع ومن أحق بذلك مني والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل لهمني الحياة منه مما قد صنعته إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحيا منه هوان المعصية على المر علامة على قلة حيائه من الله من عصى أمر الله وارتكب نهية مع هوان ذلك علي فقد استخف بنظر الله إليه والطلاعه علي وهو في قبضته وحاله حال من يراقب المخلوق أكثر من الخالق سبحانه كما قال تعالى يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا وهذا علامة ودليل على قلة حيائه من ربه الناشئ من ضعف وعنه له سبحانه ولكن هذا لا يعني أن أولياء الله المعظمين له سبحانه لا يذنبون وإنما هم كما قال الله عز وجل عنهم إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فهم لا يصرون على المعصية بل يبادرون إلى التوبة منها أشعرون بالندم والحزن مما اقترفوه وكأن فوقهم جبل يخشون سقوطه عليهم في حين ينظر المستخف بتعظيم الله إلى ذنوبه وكأنها ذباب وقع على أنفه فأزاله بيده وكلما ضعف تعظيم الله في القلب قل الحياء منه سبحانه حتى يصل بصاحبه إلى المجاهرة بالمعصية وهذا غاية في الوقاحة ومنتهى الخذلان وهو أمر يحول المعصية إلى كبيرة من الكبائر حتى لو كانت في نفسها صغيرة بينما قد يقترن مع ارتكاب الكبيرة من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر وهذا كله أمر مرجعه إلى القلب وما يقوم به يقعد على مجرد الفعل والانسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره التوكل على الله وحقيقته التوكل عمل قلبي أو حال للقلب ينشأ من معرفته بالله سبحانه وتفرده بالخلق والتدبير والنفع والضر والعطاء والمنع إلى آخر ذلك وأصل التوكل هو أن يجعل العبد ربه وكيلا له يفوض إليه أمرا كما يفوض الموكل وكيله الذي يثق به في تحقيق مصالحه فحقيقة التوكل إذن هي غاية الاعتماد على الله بعد امتلاء القلب بتعظيم قدرة الله وقوته وقيوميته مع غاية الثقة في الله وتوفيقه وعونه ومدده يجعل القلب بتعظيم رحمة الله وبره ولطفه وإحسانه ويلزم للتوكل الصحيح مباشرة الأسباب التي أذن الله بالأخذ بها دون الاعتماد عليها أو الثقة بها بل اعتمد على الله وحده خالق الأسباب ومسبباتها فهو سبحانه الذي وضع في الأسباب آثارها ولو شاء لنزعها عنها وحين ترك الأعرابي ناقته طريقة على باب المسجد وقال توكلت على الله قال له الرسول صلى الله عليه وسلم اعقلها وتوكل رواه الترمذي وصححه الألباني فأمره بمباشرة السبب ثم التوكل على الله وذلك مستفاد أيضا من قوله صلى الله عليه وسلم لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني فقوله تغدو تفيد بذل الطير للسبب في سعيه على رزقه فالتوكل إذن مقيد بالأخذ بالأسباب ورد بعد ذلك إلى الله ولذلك عرف التوكل أيضا بأنه الاعتماد على الله سبحانه في جلب المطلوب وزوال المكره مع فعل الأسباب المأذون فيها ضوابط الأخذ بالأسباب ينبغي على المر أن يكون متوازنا في أخذه بالأسباب فلا يعارض بها التوكل على الله ولا يتركها لأن ذلك قدح في حكمة الله عز وجل الذي يربط المسببات بأسبابها ونقصان في العقل وحتى يحدث هذا التوازن لا بد من اعتبار الضوابق الآتية في الأخذ بالأسباب أولا ألا يركن إليها ولا يعتقد أنها تستقل بتحقيق المطلوب فالله سبحانه هو الذي جعل الشيء سببا لحدوث المسبب وقد ينزع ذلك عنه وقد تكون هناك موانع له فالله هو الذي يكمل السبب ويدفع موانعه فما شاءه كان ولو لم يشأه الخلق وما لم يشأه لا يكون ولو شاءه الخلق فقد منع النار من احراق نبيه إبراهيم عليه السلام ونزع منها في الاحراق فسر التوكل إذن هو اعتماد القلب على الله وحده بحيث لا يضره مباشرة الأسباب مع خلوة القلب عن الاعتماد عليها ثانيا ألا يأخذ بالسبب إلا بعد التحقق من أنه سبب ومشروع بعلم ويقين فمن أثبت سببا بلا علم أو أثبت سببا يخالف من شرع كان مبطلا في اثباته آثما في اعتقاده ثالثا إذا لم يوجد إلا سبب محرم لتحصيل المطلوب فلا يجوز مباشرته والأخذ به إلا في حال الاضطرار فقط والضرورة تقدر بقدرها ووفق مقاصد الشرع وترتيبها من حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال في غير حال الاضطرار فلا يلجأ إلى السبب المحرم بحال بل يكون سببه الوحيد لتحقيق المطلوب هو محظ التوكل على الله فحسب وأنعن به من سبب في تحقيق المراد رابعا أن ينظر في السبب المباح وأثره على تحقيق التوكل في قلبه فإن كان يضعفه فالأولى تركه فمباشرته أولى حيث يحقق بذلك حكمة الله في ربط المسببات بأسبابها ويكون بذلك قد أتى بعبودية القلب في التوكل وعبودية الجوارح في مباشرة السبب خامسا وأخيرا فإن الأخذ بالأسباب على نحو ما سبق هو الذي يحقق التوكل ومن عطل الأسباب المأمور بها لم يصح توكله بل صار تواكلا وعجزا وتمنيا حقائق تتعلق بالتوكل أولا التوكل على الله من لوازم الإسلام لله تعالى قال تعالى وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ثانيا لا يتحقق التوكل في القلب بمجرد العلم به وبحقيقته فعلم التوكل شيء وحال التوكل شيء آخر فالمعرفة قد تكون ذهنية فقط أما تحقيق التوكل فيتطلب استقرار ذلك في القلب إلى درجة اليقين وأنت إذا سألت أي أحد عن التوكل على الله وادعى أنه متوكل عليه ولكن عند التعرض للمحن والشدائد يسقط كثيرون في دعواهم التوكل فتراهم يجزعون ويهرعون إلى غير الله طالبين تخليصهم من محنتهم وشدتهم وينسون اللجوء إلى الله في ذلك مثلهم مثل من يجيبك بأن الرزاق هو الله فإذا ضيق عليه أحد أو تجارته اشتكى وقال فلان يريد قطع رزقي أفلا تدل هذه المقولة على ضعف اليقين بأن الله وحده هو الرزاق أما أهل الحق فتجدهم عند الشدائد متوكلين على الله حق التوكل فحين وصل الكفار إلى الغار الذي يختبئ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لا تحزن إن الله معنا فلجأ إلى الله وتوكل عليه ثالثا الاعتماد على الأسباب والركون إليها والخوف والهلع من فواتها دليل على ضعف التوكل وكأن السبب ينفع أو يضر استقلال رابعا كان الركون إلى الأسباب ضعف في التوكل فإن الأخذ بها لا يناف التوكل واليقين بقدر الله ووعده فالله تعالى أوحى إلى أم موسى برد ابنها إليها قال تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني أردوه إليك وجاعلوه من المرسلين ومع هذا لم يمنعها ذلك من الأخذ بالأسباب والبحث عنه بعد أن نفذت ما أوحاه الله إليها وألقت ابنها في اليم وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون مراتب تحقيق التوكل في قلب العبد المؤمن لا تتم حقيقة التوكل في قلب العبد المؤمن إلا بأمور يترتب بعضها على بعض أولا معرفة صفات الله سبحانه مثل القدرة والتدبير والكفاية والقيومية وانتهاء الأمور كلها إلى علمه وصدورها عن مشيئته وحكمته إلى آخر ذلك ثانيا أمتنى أسباب وبذلها مع عدم الاعتماد عليها أو الركون إليها وثقة بها ثالثا توحيد توكل القلب على الله فلا يتوكل معه على أحد غيره رابعا اعتماد القلب على الله وسكونه واستسلامه له مع قطع منازعات القلب لهذا الاستسلام خامسا بالله ما يتوكل فيه على الله نوعان الأول توكل العبد على الله في تحقيق حوائجه وحضوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه وهو التوكل محمود ويحقق به الله للعبد مراده بإذنه تعالى إذا كان مباحى ولكن أفضل من هذا التوكل وأعلى منه درجة التوكل الثاني وفي كل خير وفضل الثاني التوكل على الله فيما يأمر به ويحبه ويرضاه من الإيمان والتقوى واليقين والجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه إلى آخر ذلك وهذا هو توكل الأنبياء وخواص المؤمنين وهو كما أسلفنا أفضل النوعين وأوسعهما منفعه ومن البديع أن من يجتهد في تحقيق النوع الثاني من التوكل يكفيه الله هما النوع الأول ثمرات التوكل على الله للتوكل على الله ثمرات عديدة من أهمها أولا كفاية الله لعبده فيما يتوكل عليه قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه ثانيا الثبات أمام المحن والشدائد وعدم الانكسار أمامها وأفضل من حقق ذلك الأنبياء عليه مسلام فنوح عليه السلام قال يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم قضوا إلي ولا تنظرون وهود عليه السلام قال لقومه إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ثالثا سقوط الهيبة من المخلوقين وزوال خشيتهم كما قال الله تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل رابعا دفع الحزن والهم عن العبد فالرسول صلى الله عليه وسلم بتوكله على الله سبحانه قال لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا تحزن إن الله معنا فالمرء لا يحتاج لطرد أحزانه سوى أن يتوكل على الله ويحسن الظن به فقط استشعر أن الله معك بعلمه وإحاطته وقدرته ولطفه وإحسانه ثم توكل عليه فعند ذلك ستندفع أحزانك قل بقلبك الله معي ستجد أن الله معك فعلا وستأنس بقربه خامسا حسن الظن بالله تعالى واليقين بتأييده ونصره وتوفيقه حسن الظن بالله وعلاقته بأفعال الله وأسمائه وصفاته ينبغي على المرء أن يديم إحسان الظن بالله تعالى ليطرد عن نفسه صفة المنافقين الذين تحيط بهم ظنون الجاهلية كما قال وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية وإحسان الظن بالله تعالى يقتضل يقين بحكمته سبحانه في قضائه وقدره وجميع أفعاله وبكماله في جميع أسمائه وصفاته وتنزيهه عن كل صفة سوء كالظلم والجهل والعبث إلى آخر ذلك إحسان الظن بالله يقتضي إحسان العمل قال الحسن البصري إن قوماً ألهتهم أمان المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله كذبوا لو أحسن الظن به لأحسن فإحسان الظن بالله إنما يكون مع إحسان العمل له فإن محسن العمل يحسن ظنه بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته وحسناته أمّا من يسرفون في المعاصي ويقولون سيغفر الله لنا فهو الغفور الرحيم فهؤلاء يشبهون اليهود الذين قال الله عنهم يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون وفي هذا الإسراف في المعاصي وادعاء مغفرتها من الله سوء أدب مع الله وأمن من مكره والله سبحانه يقول أفأمنوا مكر الله فلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون من ثمرات إحسان الظن بالله لإحسان الظن بالله ثمرات عديدة في قلب المحسن منها أولاً قوة الأمل والرجاء في الله تعالى أن يقبل الطاعات ويثيب عليها وأن يحقق للمر أماله وحاجاته الدينية والدنيوية إذا ما دعى الله بها ورجاها منه ثانياً الصبر والرضى بما يكتبه الله ويقدره سبحانه على عبده من المكروهات حيث يستيقن حكمة الله في ذلك وأن من ورائها الرحمة والخير له إذا ما صبر ورضي بذلك وثبت في ما ابتلاه الله به ثالثاً أن يعود باللائمة على نفسه في نزول البلاء ويعلم أنه هو الظالم لنفسه المستحق للعقوبة على ذنبه وأن الله منزه عن الظلم والعبث وأن هذا من رحمة الله به حتى يتدارك أمره ويصلح شأنه ويتوب إلى ربه فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة اليقين اليقين عمل قلبي ضد الشك وهو يتعلق بالإيمان وله درجتان أو اعتباران فالأول من حيث هو أصل الإيمان المجمل إذ لا إيمان مع الشك فقد أخبر الله تعالى عن الكافرين أنهم إذا قيل لهم إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قالوا ما ندري ما الساعة إن ظن إلا ظن وما نحن بمستيقنين فليقين بهذا الاعتبار شرط لصحة الإيمان وصحة كلمة التوحيد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه إذهب بن عليها تيم فمن لقيت وراء الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة رواه مسلم أما الاعتبار الثاني فالمقصود به بلوغ درجة اليقين في تفصيلات الإيمان والتي بها يبلغ العبد درجة الإمامة في الدين كما قال تعالى واجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون حيث يكون الإيمان بالغيب عند صاحب هذه الدرجة كالمعاينة وبه يطمئن القلب كما حكى الله عن إبراهيم عليه السلام أنه قال أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال بعض السلف رأيت الجنة والنار حقيقة قالوا كيف قال رأيتهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتهما بعيني فإن بصري قد يطغى ويزيغ بخلاف بصره صلى الله عليه وسلم لليقين في تفصيلات الإيمان نوعان بحسب ما يطلب اليقين به أولا يقين في خبر الله تعالى ويشمل اليقين بكل ما أخبر الله تعالى به وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الدين والدنيا جميعا مثل ما آمن الصحابة بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين بعد هزيمتهم منهم كما قال تعالى غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون والرسول صلى الله عليه وسلم أول الموقنين بصدق خبر الله ووعده فقد كان موقنا بأن الله سينصره ويظهره على العالمين وهو ما يزال في أقسى مواقف الاضطهاد والأذى ولم يستبطئ النصر أبدا ولم يستيئس كما استيئس البعض ثانيا يقين في أمر الله الشرعي وأمره الكوني القدري فاليقين بأمره الشرعي هو امتثاله بالرضى التام والتسليم الكامل كما قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وجزاء ذلك الفوز بالهداية والرحمة كما قال تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ثم قال بعدها هذا بصائر للناس وهدا ورحمة لقوم يوقنون واليقين بأمره الكوني القدري هو الرضا به والصبر على المكروه منه والتسليم فيه لله تعالى ودعاؤه لتفريج الكروبات موقنا من قلبه بإجابة الله له ويكفيه بشارة في ذلك قول الله تعالى فإن مع العسر يسرى فقد ذكر الله سبحانه اليسر مقارنا للعسر معا ولم يقل بعد فمهما وجد عسر فإن اليسر معه ويقارنه كما أن تعريف اليسر في الآيتين دليل على أنه واحد وتنكير اليسر يدل على تكراره ولهذا قالوا لن يغلب عسر يسرين كما أن تعريف العسر يدل على الاستغراق والعموم فيفيد ذلك أن كل عسر مهما بلغ من الصعوبة فإنه مشمول بالتيسير الملازم له الطمأنينة والسكينة والثبات الطمأنينة والسكينة والثبات كلها بمعنى واحد أو متقارب فالسكينة فعيلة من السكون وهي طمأنينة القلب واستقراره كما قال الله عز وجل هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم والثبات كذلك استقرار وسكون وعدم ريب والطراب فالطمأنينة والسكينة والثبات أصلها في القلب وأثرها يظهر على الجوارح في الطمأنينة والإيمان راحة للبال وصلاح له البال هو القلب وما يخطر على المرء من تفكير ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ويطمئن قلبه ويصلح الله باله قال عز وجل والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم وإصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها لأن تصرفات المرء تأتي على حسب رأيه وباله موجبات الطمأنينة والثبات مما يوجب طمأنينة القلب وثباته أولا الإيمان بالله تعالى قال الله عز وجل يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيتحقق تثبيت الله للمؤمنين بسبب إيمانهم ويكون ذلك بلزومهم للقول الثابت كما يثبتهم الله أيضا بملائكته الكرام قال الله عز وجل إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ثانيا ملازمة ذكر الله تعالى قال الله عز وجل الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ثالثا ومن أهم موجبات الطمأنينة والسكينة اليقين والصدق مع الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدقة طمأنينة والكذب ريبة رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني فالصادق مع الله الموقن بخبره وأمره الشرعي والكوني تجد قلبه مطمئنًا إلى ربه مطمئنًا إلى الطريق إليه مطمئنًا تجاه أقدار الله سبحانه فلا يرتاب ولا يتلجلج في الطريق أو ينحرف بسبب شهوة أو شبه فيجاز على ذلك بالإطمئناني وعدم الفزع يوم القيامة وهم من فزع يومئذ آمنون كما يجاز بدخول الجنة والرضى بما يناله يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فدخلي في عبادي ودخلي جنتي الحاجة إلى السكينة والطمأنينة لا ينفك العبد المؤمن عن الحاجة إلى الطمأنينة والسكينة في حياته فهو يحتاج إلى السكينة في عبادته حتى يحقق الخشوع فيها والخضوع لله تعالى وجمعية قلبه عليه وحده سبحانه فيذوق بذلك حلاوة عبادته ويحقق الغاية من وجوده ويحتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة لأصل الإيمان ليثبت قلبه ولا يزيغ ويحتاج إلى السكينة عند الوساوس والخطرات القادحة في أعماله الصالحة لألا تقوى وتصبح إرادات ينقص بها إيمانه كما يفعل الرياء بالمر إذا صاحب أعماله الصالحة ويحتاج إلى السكينة والطمأنينة عند أسباب المخاوف والابتلاءات المتنوعة ليثبت قلبه ويسكن جأشه وهو أخيرا يحتاج إلى السكينة أيضا حال الفرح والسرور لألا يطقيه فرحه ويتجاوز حده فينقلب عليه تراحا ووبالا الافتقار إلى الله الافتقار إلى الله شعور يملأ قلب العبد المؤمن ويتميز به عن الكافر بل يتميز به المؤمنون الذاكرون الصابرون عن الغافلين والجزعين من المسلمين فالمؤمن يدرك معنى قول الله تعالى يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد فلا يطغى ولا يستغني عن ربه طرفة عين ولا يلجأ في جميع أحواله إلا إلى الله وحده والمفتقر إلى ربه في جميع أحواله لا يتكل على نفسه بحال ويقول صباح مساء يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا رواه النسائي والبزار وحسنه الألباني أما الغافلون والجاحدون لنعم الله عليهم فهم مستكبرون متمردون على ربهم حال النعمة والرخاء وقد لا يشعرون بافتقارهم إلى الله إلا إذا اشتد عليهم البلاء وأحاط بهم من كل جانب قال تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا وقال تعالى وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ومرك أن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زينا للمسرفين ما كانوا يعملون الرضا مقام الرضا من مقامات الأعمال القلبية العالية فإذا كان القبول والانقياد من شروط صحة شهادة ألا إله إلا الله فإن الرضا مقام أعلى منهما فهو يتضمنهما ويزيد عليهما بانتفاء الحرج من القلب والتسليم الكامل لله تعالى وحكمه وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وبموجب هذه الآية فإن الرضا ثلاث درجات تتسق مع درجات الإسلام والإيمان والإحسان فتحكيم الشرع هو مقام الإسلام وانتفاء حرج القلب هو مقام الإيمان والتسليم لذلك ظاهرا وباطنا هو مقام الإحسان المؤمن يرضى بما يرضاه الله ويرفض ما لا يرضاه يجب على العبد المؤمن أن يرضى بما يرضاه الله له ويرفض ما لا يرضاه سبحانه فالله عز وجل رضي لنا الإسلام دينا كما قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فوجب علينا أن نرضى تماما رضا بهذا الدين الذي رضيه لنا الله العليم الحكيم والله لا يرضى لعباده الكفر كما قال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر فوجب على العباد محاربة الكفر وعدم الرضا به واقعا في الحياة هذا فيما يتعلق بما يرضاه الله شرعا أما ما يقدره الله عز وجل على عباده من أقداره الكونية فإن كان مما يمكن مدافعته بالأسباب المشروعة فيسعى لدفعه ولا يتعارض هذا مع الرضا بما قدره الله عز وجل وإن كان مما لا يمكن مدافعته بأن وقع وكان كموت ونحوه من المصائب فهنا يجب الصبر والرضا بقضائه وقدره سبحانه جماع الدين في الرضا بثلاثة يجتمع الدين في الرضا بثلاثة أمور جليلة الرضا بالله عز وجل ربا والرضا بالإسلام دينا والرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فالرضا بالله ربا يشمل توحيد الألوهية وما يتضمنه من محبة الله وعبادته ودعائه وخوفه ورجائه كما يشمل توحيد الربوبية ربا وما يتضمنه من الرضا بتدبيره وقضائه وقدره والتوكل عليه سبحانه والاستعانة به والرضا بدين الله تعالى يعني الاستسلام المطلق لأحكامه وتشريعاته والرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا يعني كمال الاتباع والانقياد له صلى الله عليه وسلم ولهذا كان الرضا بهذه الثلاثة مما يوجب الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم من قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وجبت له الجنة رواه أبو داوود وصححه الألباني ولذا أيضا كانت هذه الأمور الثلاثة هي التي يسأل الملكان العبد عنها أول ما يدخل القبر كما ورد في حديث البراء بن عاز بن الطويل فيقولان مالربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله الحديث رواه أبو داوود وأحمد وصححه الألباني خلاصة مفاهيم أهل السنة