بسم الله الرحمن الرحيم صدى المنادر سلمان الفارسي رضي الله عنه خطبة لفضيلة الشيخ خالد بن عبداللحمودي حفظه الله الحمد لله الكريم الغني القوي الولي الحمد لله العظيم الحليم الحكيم العليم البر الرحيم الحمد لله في اليسر والعسر الحمد لله على النعم التي لا يحصيها إلا الله اللهم لك الحمد ولا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير يجبر الكسير ويواسي ويغني الفقير أيها الموجوع صبرا إن بعد الصبر بشرا أيها الباكي بليل سوف يأت النور فجرا أيها المكسور قل لي هل يديم الله كسرا يا عزيز القلب مهلا إن بعد العسر يسرا وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله رقيق القلب حسن العشرة من رآه هابه ومن عرفه أحبه لينا الجانب رفيق المعشر لا يرد سائل حبيب تحبه القلوب أنت الحبيب وأي حب يرتقي لمقام حبك سيدي وذراه صلى عليك الله ما نطقت على مر الزمان من الوراء فواه اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك ونبيك وحبيبك محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وسار على نهجه واقتفى أذره وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون معاشر المؤمنين من أراد الهداية بصدق وسعى لها سعيها فسوف يوفق لها بإذن الله قال سبحانه والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبولنا وإن الله لمع المحسنين ومعنا اليوم يا عباد الله قصة شاب ذكي طموح يعشق الحقيقة والصدق والوضوح ويضحي في سبيلها بالمال والأهل والروح شاب جريء مغامر ترك أهله وبلده وتنقل بين البلدان وخدم كبار السن بحثاً عن الدين الحق شاب ذي عقل راجح وهمة عالية وشكيمة قوية وصبر دأوب إلا أنه عاش أول حياته في بئة مجوسية وثنية تعبد النار فقد كان يعيش في منطقة أصبهان من بلاد فارس بإيران وكان أبوه كبير القرية ورئيسها وكان غنياً مهيباً ذا عز وسلطان وكان هذا الأب يحب ابنه حباً عظيماً حتى إنه من شدة حبه له خاف عليه وحبسه في بيته كما تحبس الجارية في قصة عجيبة سنتعرف عليها اليوم بإذن الله فهل عرفتم من هو هذا الشاب المغامر الطموح الباحث عن الهداية والحقيقة إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه أرضاه يقول سلمان رضي الله عنه اجتهدت في المجوسية حتى أصبحت خادم النار الذي يوقدها فلا يتركها تخبو ساعة وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل عنها يوما فقال لي يا بني إني قد شغلت اليوم عن ضيعتي فاذهب وافعل فيها كذا وكذا ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني شغلتني عن كل شيء من أمري فخرجت أريد الضيعة فمررت بكنيسة من كنائس النصارة فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون فأعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها فقلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغل بي عن أمره كله فلما جئته قال أي بني أين كنت فقلت مررت بكنيسة النصارة فأعجبني ما رأيت من دينهم فقال أي بني دينك ودين آبائك خير منه قلت كلا والله إنه خير من ديننا قال فخاف علي فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته فبعثت إلى النصارة فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني فلما قدم عليهم تجار من النصارة أخبروني بهم فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم ألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فسألت من أفضل هذا الدين علما قالوا الأسقف في الكنيسة فجئته فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك وأتعلم منك وأصلي معك قال فادخل فدخلت معه فأرفت أنه رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا منها شيئا كنزه لنفسه ولم يعطي المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق فأبغذته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ما يصنع ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم إنه كان رجل سوء يفعل كيت وكيت ودللتهم على كنزه فلما استخرجوه قالوا والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ورمه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فوضعوه مكانه فما رأيت قبله أفضل منه ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة فأحببته حبا عظيما وأقمت معه زمانا ثم حذرته الوفاه فقلت له قد حذرك ما ترى فإلى من توصي بي قال أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه إلا رجلا بالموصل بالعراق وهو فلان فالحق به فارتحلت إليه فأخبرته خبري فقال لي أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فلم يلبث أن حذرته الوفاه فقلت له قد حذرك من الله ما ترى فإلى من توصي بي قال أي بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين بالشام وهو فلان فالحق به فلما مات ارتحلت حتى لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فوالله ما لبث أن نزل به الموت فقلت له إلى من توصي بي قال يا بني والله ما أعلم أحدا بقي على أمرنا إلا رجلا بعمورية بتركيا فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا فلما مات ارتحلت حتى لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عنده فكان على هدي أصحابه ثم إني تكسبت حتى كان لي بقرات وغنيمه ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له إلى من توصي بي قال أي بني والله ما أعلم أحدا بقي على مثل ما كنا عليه ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب يهاجر إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد ففعل قال ثم مات ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من التجار فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي قالوا نعم فأعطيتهم إياها وحملوني معهم ثم إنهم ظلموني فباعوني لرجل يهودي فكنت عنده عبدا فبينما أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من المدينة فابتاعني منه واحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أرأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها فأقمت بها وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس نخلة لسيدي أعمل فيها وسيدي جالس تحتها إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيله الأوس والخزرج والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء على رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي فلما سمعتها أخذتني الريادة حتى ظننت أني ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال ما لك ولهذا قال سلمان فقلت إنما أردت أن أتثبت فلما أمسيت أخذت شيئا من طعام كنت قد شمعته ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتك أحق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا وأمسكه وفلم يأكل فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا ثم جئته وقد تحول من قبا إلى المدينة فقلت له إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها قال فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه فقلت في نفسي هتان اثنتان قال سلمان ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة من أصحابه وعليه شملتان فسلمت عليه ثم استدبرته أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رأى نستدبرته عرف ما أريد فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي تحول فتحولت بين يديه فقصست عليه حديثي فأعجبه وأحب أن يسمعه أصحابه ثم إن سلمان شغله الرق حتى فاتته معركتين بدر واحد فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتب سيده على ثلاثمائة نخلة يحييها له بالفقير وأيدفع له كذلك أربعين أوقيةا ذهبا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني هذا بثلاثين فسيلة وهذا بعشرين وكل بما يقدر عليه حتى اجتمعت لي ثلاثمائة فسيلة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذهب يا سلمان ففقر لها أي احفر لها فإذا فرغت فأتني أكن أنا الذي أضعها بيديه فذهبت ففقرت لها ثم جئته فأخبرته فخرج صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب له الودية أي صغار النخل ويضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى إذا فرغنا فولذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة فأديت النخل وبقي علي المال فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب ثم قال ما فعل الفارسي المكاتب قال فدعيت له قال فخذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان فقلت وأين تقع هذه مما علي يا رسول الله قال خذها فإن الله سيؤدي عنك فأخذتها فوزنت لهم منها فولذي نفس سلمان بيده إنها لأربعين أوقيه فأوفيتهم حقهم واستطاع سلمان بعدها أن يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وهو الذي أشار بحفره ثم لم يفتو معه مشهد توفي رضي الله عنه في خلافة عثمان عام ثلاثين والثلاثين للهجرة فرضي الله عن سلمان وأرضاه وعن الصحابة أجمعين أقول ما تسمعون وأستغذروا الله لي ولكم فاستغذروه إنه هو الغفور الرحيم الحمد لله الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله وسلم عليه الله أما بعد عباد الله في قصة سلمان رضي الله عنه دروس وعبر كثيرة منها أهمية الفطرة السليمة فقد رزق الله سلمان فطرةً سليمة وحبب إليه الحق حتى آثره على كل شيء فأبوه صاحب أموال وسيد قومه وكان يحبه حبًا شديدًا ومع ذلك فقد ضحى بكل ذلك من أجل الوصول للدين الحق والحقيقة والأمر الثاني أن من جد وجد ومن زرع حصد فقد كان سلمان الفارسي رضي الله عنه رجلاً مجتهداً غاية الإجتهاد اجتهد أولًا في دين المجوسية حتى بلغ رتبة خادم النار ثم بلغ أرفع الرتب في دين النصارة ثم بلغ في دين الإسلام ما لا مزيد عليه الأمر الثالث أن العقل المتفتح الباحث عن الحق هو أكبر مزايا الناجحين بعد توفيق الله