رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدى بها عن أبي مسلم وقيل أبي إياس سلمة بن عمر بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال كل بيمينك قال لا أستطيع قال لا استطعت ما منعه إلا الكبر فما رفعها إلى فيه رواه مسلم لا استطعت دعاء عليه لاستكباره عن اتباع السنة والعمل بها من فوائد الحديث وجوب الأكل باليمين والأكل بالشمال من غير عذر محرم كل أمر شريف فينبغي مباشرته باليمين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في شأنه كله مشاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم توجب الإثم ولذلك دعاء عليه الرسول صلى الله عليه وسلم لأن امتناعه كان تكبر وعنادا النصح للطاعم والشارب يكون للرجال والنساء والصبيان جواز النصح للمرء على الملاء إذا كان فيه خير للجميع جواز الدعاء على من ارتكب محرماً عناداً واستكباراً وإصراراً الاستكبار في تطبيق الأحكام الشرعية يستحق فاعله العقوبة إكرام الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإجابة دعوته عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم متفق عليه وفي رواية لمسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوما فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلاً بادياً صدره فقال عباد الله لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم لتسوّن صفوفكم تسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد ليخالفن الله بين وجوهكم هو تشويه الوجه بتحويل خلقه عن موضعه بجعله موضع القفى والمراد يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب القداح جمع قدح وهو السهم قبل أن يراش وينصل والمراد المبالغة في تسويتها حتى تصير كالسهم لشدة استوائها واعتدالها عقلنا أي فهمنا بادياً صدره أي خارجاً عن استواء الصف من فوائد الحديث الحث على تسوية الصفوف جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة تسوية الصفوف عمل واجب والتفريط فيه حرام ينبغي على الإمام قبل الدخول في الصلاة أن يسوي صفوف المصلين ويأمرهم بذلك وجوب امتثال قول الإمام إذا أمر بتسوية الصفوف فإن تسويتها من حسن الصلاة ومن تمام صلاة العبد متابعة الإمام اهتمام الإسلام بتسوية الصفوف في الصلاة تعبير عملي على وحدة صفوف الأمة ووحدة كلمتها وأهدافها وغايتها وأذا كان هذا هو المظهر في العبادة فهو منطلق تنظيمي إلى ميادين الكفاح والجهاد وفي كل مجالات الحياة عن أبي موسى رضي الله عنه قال احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم متفق عليه من فوائد الحديث وجوب إطفاء النار قبل النوم النار عدو لأنها تعادي أبداننا وأموالنا حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته في أمور الدنيا والآخرة الأمر في هذا الحديث قيل للإرشاد وقيل للاستحباب وهذا لا يشمل القناديل المعلقة إذا أمن الضرر عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل منفقها في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلته به متفق عليه فقه أي صار فقيها غيث أي مطر طائفة أي قطعة الكلأ هو النبات الذي يرعى ويطلق على الرطب واليابس العشب هو النبات الأخضر يطلق على الرطب فقط أجادب جمع أجدب وهي الأرض الصلبة التي لا ينضب ماؤها قيعان جمع قاع وهي الأرض المستوية الملسى التي لا تنبت لم يرفع بذلك رأسا أي لم ينتفع بما بعثته به من فوائد الحديث ضرب الأمثال لتقريب المعاني للناس أمر مشروع العلم يحيي القلوب كما يحيي المطر الأرض حياة الأمة لا تكون إلا بالعلم الشرعي فأي أمة حرمته فهي ميتة وأي أمة قبلته وانتفعت به وعملت بأحكامه كانت أمة حية الناس في الأخذ بالعلم الشرعي مراتب يشبه الرسول صلى الله عليه وسلم الهدى والعلم الذي بعث به بالمطر المفيد لأنه يحيي القلوب كما يحيي المطر الأرض وشبه من ينتفع به بالأرض الطيبة وشبه من يحمل العلم ويعلمه ولم ينتفع به بالأرض الصلبة الممسكة للماء فينتفع به الناس وشبه من لم يتعلم ولم يعمل بالأرض المستوية التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء وهذا شر الناس لا ينتفع ولا ينفع عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلي ومثلكم كمثل رجل أو قد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي رواه مسلم الجنادب نحو الجراد والفراش هذا هو المعروف الذي يقع في النار والحجز جمع حجزة وهي معقد الإزار والسراويل يذبهن أي يمنعهن ويدفعهن من فوائد الحديث حرص الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته حيث لم يترك خيرا إلا ودلهم عليه ولم يترك شرا فيه حتفهم إلا وحذرهم منه جهل كثير من الناس لأن أفهامهم قاصرة عن إدراك حقائق الأمور وإنها سرعان ما تنخدع بما تراه إلا من استضاء بنور النبوة الناس يندفعون إلى زهرة الحياة الدنيا المشاهدة وفي ذلك هلاكهم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال إنكم لا تدرون في أيها البركة رواه مسلم وفي رواية له إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة وفي رواية له إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى فليأكلها ولا يدعها للشيطان اللعق هو اللحس البركة أي الخير الكثير فليمط أي فلينحي وليزل من أذى أي من غبار أو تراب أو وسخ من فوائد الحديث الطعام الذي يكله الإنسان فيه بركة ولا يدري أين هي ينبغي على المرء أن يحرص على هذه البركة فإن البركة إذا نزعت لم ينتفع العبد بشيء ولو حاز الدنيا بحذافيرها الترغيب بلعق الأصابع والصحون وفي ذلك محافظة على النعمة وتخلق بالتواضع التقاط ما وقع على الأرض بعد تخليصه من الوسخ إذا أمكن تخليصه ولم يقع على مكان النجس ثم يؤكل ولا يترك لأن في تركه إهانة للنعمة وتكبر عنها إثبات لوجود الشياطين وإخبار عن شيء من عالمهم الشيطان يرقب العبد في كل حركاته وسكناته فإذا غفل المرء عن منهج الله استحوذ عليه الشيطان المسلم يعاد الشياطين بكل وسيلة ولا يترك لهم منفعة من قبله الشريعة الإسلامية تبين حقيقة ما يجلب المصالح ويدرأ المفاسد بخلاف اجتهادات الناس وعاداتهم الشريعة الإسلامية ظاهرة في مخالفة ما استلح عليه الناس من ترك الطعام تقذرا وخوفا من الأمراض الإسلام دين النظافة والاحتراز من الأذى ولذلك حض على إزالة ما علق باللقمة الساقطة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا ربي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم فيقال لي إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم متفق عليه غرلا أي غير مختونين ذات الشمال أي جهة النار العبد الصالح عيسى عليه السلام من فوائد الحديث كافة الخلق محشرون إلى الله تعالى حفاتا عرا كما خلقهم أول مرة وفي هذا بيان أن ما جمعوه وادخروه من متاع الدنيا تركوه وراء ظهورهم فلا ينفعهم إلا ما قدموه بين أيديهم وعد الله آت والله لا يخلف الميعاد اللباس نعمة من الله تعالى حتى يواري الإنسان عورته فضيلة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنه أول من يكسى يوم القيامة تعذيب أهل البدع الذين بدلوا وغيروا في دين الله تعالى فكل من فعل ذلك استحق العقاب لا تنفع الإنسان نسبته إلى أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يعمل بسنته صلى الله عليه وسلم ويتمسك بهديه عن أبي سعيد عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف وقال إنه لا يقتل صيدا ولا ينكأ العدو وإنه يفقأ العين ويكسر السن واتفق عليه وفي رواية أن قريبا لابن مغفل خذف فنهاه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال إنها لا تصيد صيدا ثم عاد فقال أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ثم عدت تخذف لا أكلمك أبدا الخذف رمي الحصى بالسبابة والإبهام لا ينكأ أي لا يجرح يفقأ أي يقلع من فوائد الحديث حرمة الخذف لأنه لا فائدة منه بل يترتب عليه ضرر بالآخرين الإسلام ينهى عن كل فعل لا فائدة فيه أو يلحق الضرر بالمسلمين ويدخل في ذلك اللهو الذي فيه أذى وليس فيه منفعه عظم حرمة المسلم ولذلك يحتاط الشرع لحمايتها بكل وسيلة فيدفع عنها الشر والضر ينبغي على من رأى منكرا مخالفا للشرع أن ينبه فاعله ويعلمه وأن لا يغلظ عليه إلا بعد البيان وإقامة الحجة وتعمد المخالفة جواز هجران أهل البدع ومنابذ السنة وأصحاب المعاصي حتى يدعوها يجوز هجر أهل البدع أبدا دين الله أحب إلى المؤمن من نفسه ووالده وولده وأقاربه وأحبائه والناس أجمعين عن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل الحجر يعني الأسود ويقول إني أعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك متفق عليه من فوائد الحديث وجوب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شرعه لأمته ولولم يظهر لهم وجه الحكمة منه العبادات توقيفية يجب اتباعها تقديم النقل على العقل تقبيل الحجر الأسود سنة النبوية صفاء توحيد الصحابة رضي الله عنهم لربهم حيث رد النفع والضر إلى الله وحده كل ما سوى الله تعالى لا يملك ضرا ولا نفعى وإن كان معظما قال الطبراني إنما فعل عمر ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان رياض الصالحين