رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم على مياههم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله قلت يا رسول الله إنما كان متعودا فقال أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم متفق علي وفي رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال لا إله إلا الله وقتلته قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ والحرقة بطن من جهينة القبيلة المعروفة وقوله متعودا أي معتصما بها من القتل لا معتقدا لها فصبحنا القوم أي أتيناهم صباحا غشينا أي اقتربنا منه ولحقنا به وعلوناه بسلاحنا حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم أي حتى تمنيت أنه لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأته الآن من فوائد الحديث الإمام هو الذي يبعث السرايا ويأمر الجنود يجب تعليق أحكام الإسلام بالظاهر ولا يجوز البحث عما في الباطن وفي هذا التشريع سد للذرائع ومنع الذين يحبون الانتقام والثأر والقتل بدعوى عدم صدق الباطن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم على أسامة بالقصاص لأنه قتله متأولا فكان في ذلك شبهة والحدود تدرع بالشبهات لكن ذلك يجب الدية على العاقلة لا يجوز لمن فعل كبيرة أن يتمنى أن لم يكن أسلم إلا بعد ذلك وإنما قال ذلك أسامة رضي الله عنه لما حصل في نفسه من الخوف من شدة إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وعن جندب ابن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين وأنه ملتقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله وأن رجلا من المسلمين قصد غفلته وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد فلما رفع السيف قال لا إله إلا الله فقتله فجاء البشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله وأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع فدعاه فسأله فقال لما قتلته فقال يا رسول الله أوجع في المسلمين وقتل فلانا وفلانا وسما له نفرا وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال لا إله إلا الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقتلته قال نعم قال فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة قال يا رسول الله استغفر لي قال وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة فجعل لا يزيد على أن يقول كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة رواه مسلم أوجع في المسلمين أي أوقع بهم وألمهم من فوائد الحديث أشار هذا الحديث والذي تقدم قبله إلى حادثة واحدة وهو من باب اختلاف الرواية في بعض الألفاظ والموضوع واحد جواز تبشير الإمام بالنصر على الأعداء وإخباره بما حدث في ساحة المعركة جواز معاتبة الإمام الجيش عند صدور مخالفة شرعية منهم وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمنناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوء لم نأمنه ولم نصدق وإن قال إن سريرته حسنة رواه البخاري يؤخذون بالوحي أي ينزل الوحي فيهم فيكشف عن حقيقة حالهم وذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنناه أي صيرناه عندنا أمينا سريرته أي ما أسره وأخفاه من فوائد الحديث إخبار عمر رضي الله عنه عما كان عليه الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما صار بعده إجراء الأحكام الإسلامية على ظواهر الناس وما يصدر منهم من أعمال لا تسوغ النية الحسنة فعل المعصية ولا تسقط إقامة الحدود والقصاص ينبغي على الراع العدل في الرعية وإن فاذ حكم الله في الشريف والوضيع على حد سواء لا تأخذه في الله لومة لائم يقبل العذر ممن عرفنا حاله واستيقنا من مقاله الحساب يوم الجزاء الأكبر يكون على ما أخفى العبد من سريرته فإن كانت حسنة فحسن وإن كانت شرا فجزاؤه من جنس عمله رياض الصالحين