WEBVTT

00:00:00.400 --> 00:00:03.399
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:03.399 --> 00:00:08.400
خير القرون مواقفاً ومثالاً

00:00:08.400 --> 00:00:13.400
تبع الرسول إذا سعى أو قالا

00:00:13.400 --> 00:00:15.400
جمهية مودة

00:00:15.400 --> 00:00:17.399
تقدم

00:00:17.399 --> 00:00:21.460
صور من حياة التابعين

00:00:21.460 --> 00:00:26.530
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:26.530 --> 00:00:31.280
رحمه الله

00:00:31.280 --> 00:00:33.280
عروة بن الزبي

00:00:33.280 --> 00:00:35.570
رحمه الله

00:00:42.700 --> 00:00:45.700
ما كادت شمس الأصيل تلملم خيوطها الذهبية

00:00:45.700 --> 00:00:47.700
عن بيت الله الحرام

00:00:47.700 --> 00:00:50.700
وتأذن للنسمات الندية

00:00:50.700 --> 00:00:53.700
بأن تتردد في رحابه الطاهرة

00:00:53.700 --> 00:00:56.700
حتى شرع الطائفون بالبيت

00:00:56.700 --> 00:00:59.700
من بقايا صحابة رسول الله

00:00:59.700 --> 00:01:01.700
صلى الله عليه وسلم

00:01:01.700 --> 00:01:03.700
وكبار التابعين

00:01:03.700 --> 00:01:07.700
يعطرون الأجواء بالتهليل والتكبير

00:01:07.700 --> 00:01:11.890
ويترعون الأرجاء بصالح الدعاء

00:01:11.890 --> 00:01:14.890
وحتى أخذ الناس يتحلقون زمراً زمراً

00:01:14.890 --> 00:01:17.890
حول الكعبة المعظمة

00:01:17.890 --> 00:01:21.890
الرابضة وسط البيت في مهابة وجلال

00:01:21.890 --> 00:01:25.890
ويملؤون عيونهم من بهائها الأسنى

00:01:25.890 --> 00:01:27.890
ويديرون بينهم أحاديث

00:01:27.890 --> 00:01:30.890
لا لغو فيها ولا تأثيم

00:01:30.890 --> 00:01:34.049
وبالقرب من الركن اليماني

00:01:34.049 --> 00:01:38.049
جلس أربعة فتيان صباح الوجوه

00:01:38.049 --> 00:01:40.049
كرام الأحساب

00:01:40.049 --> 00:01:42.049
معطر الأردان

00:01:42.049 --> 00:01:45.049
كأنهم بعض حمامات المسجدين

00:01:45.049 --> 00:01:48.049
صاعة أثواب وألفة قلوب

00:01:48.049 --> 00:01:50.049
هم عبد الله بن الزبير

00:01:50.049 --> 00:01:53.049
وأخوه مصعب بن الزبير

00:01:53.049 --> 00:01:56.049
وأخوه ما عروة بن الزبير

00:01:56.049 --> 00:01:59.239
وعبد الملك بن مروان

00:01:59.239 --> 00:02:03.239
ودار الحديث رهوًا بين الفتية الأبرار

00:02:03.239 --> 00:02:06.239
ثم ما لبث أن قال قائل منهم

00:02:06.239 --> 00:02:10.400
ليتمن كل منا على الله ما يحب

00:02:10.400 --> 00:02:15.400
فانطلقت أخيلتهم تحلقوا في عالم الغيب الرحب

00:02:15.400 --> 00:02:20.460
ومضت أحلامهم تطوف في رياض الأماني الخضر

00:02:20.460 --> 00:02:23.460
ثم قال عبد الله بن الزبير

00:02:23.460 --> 00:02:25.460
أمنيتي أن أملك الحجاز

00:02:25.460 --> 00:02:27.460
وأن أنال الخلافة

00:02:27.460 --> 00:02:30.590
وقال أخوه مصعب

00:02:30.590 --> 00:02:31.590
أما أنا

00:02:31.590 --> 00:02:34.590
فأتمنى أن أملك العراقين

00:02:34.590 --> 00:02:37.590
فلا ينازعني فيهما منازع

00:02:37.590 --> 00:02:40.620
وقال عبد الملك بن مروان

00:02:40.620 --> 00:02:43.620
إذا كنتما تقنعان بذاك

00:02:43.620 --> 00:02:47.620
فأنا لا أقنع إلا بأن أملك الأرض كلها

00:02:47.620 --> 00:02:52.620
وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان

00:02:52.620 --> 00:02:56.620
وسكت عروة بن الزبير فلم يقل شيئا

00:02:56.620 --> 00:02:59.620
فالتفتوا إليه وقالوا

00:02:59.620 --> 00:03:02.620
وأنت ماذا تتمنى يا عروة

00:03:02.620 --> 00:03:04.659
فقال

00:03:04.659 --> 00:03:08.659
بارك الله لكم فيما تمنيتم من أمر دنياكم

00:03:08.659 --> 00:03:10.659
أما أنا

00:03:10.659 --> 00:03:14.659
فأتمنى أن أكون عالما عاملا

00:03:14.659 --> 00:03:20.659
يأخذ الناس عني كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم

00:03:20.659 --> 00:03:23.659
وأحكام دينهم

00:03:23.659 --> 00:03:26.659
وأن أفوز في الآخرة برض الله

00:03:26.659 --> 00:03:30.189
وأحظى بجنته

00:03:30.189 --> 00:03:33.189
ثم دارت الأيام دورتها

00:03:33.189 --> 00:03:36.189
فإذا بعبد الله بن الزبير

00:03:36.189 --> 00:03:40.189
يبايع له بالخلافة عقب موت يزيد بن معاوية

00:03:40.189 --> 00:03:43.189
فيحكم الحجاز ومصر واليمن

00:03:43.189 --> 00:03:46.189
وخراسان والعراق

00:03:46.189 --> 00:03:49.189
ثم يقتل عند الكعبة غير بعيد

00:03:50.189 --> 00:03:53.189
وإذا بمصعب بن الزبير

00:03:53.189 --> 00:03:57.189
يتولى إمرة العراق من قبل أخيه عبد الله

00:03:57.189 --> 00:04:01.189
ويقتله والآخر دون ولايته أيضا

00:04:01.189 --> 00:04:04.259
وأذا بعبد الملك بن مروان

00:04:04.259 --> 00:04:08.259
تأول إليه الخلافة بعد موت أبيه

00:04:08.259 --> 00:04:13.259
وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مقتل عبد الله بن الزبير

00:04:13.259 --> 00:04:16.259
وآخيه مصعب على أيدي جنوده

00:04:17.259 --> 00:04:21.259
ثم يغدو أعظم ملوك الدنيا في زمانه

00:04:21.259 --> 00:04:24.259
فما كان من أمر عروة بن الزبير

00:04:24.259 --> 00:04:28.259
تعالوا نبدأ قصته من أولها

00:04:28.259 --> 00:04:32.470
ولد عروة بن الزبير لسنة واحدة

00:04:32.470 --> 00:04:36.470
بقيت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه

00:04:36.470 --> 00:04:40.470
في بيت من أعز بيوت المسلمين شأنا

00:04:40.470 --> 00:04:43.470
وأرفعها مقاما

00:04:43.470 --> 00:04:46.470
فأبوه هو الزبير بن العوام

00:04:46.470 --> 00:04:50.470
حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:04:50.470 --> 00:04:53.470
وأول من سل سيفا في الإسلام

00:04:53.470 --> 00:04:57.470
واحد العشرة المبشرين بالجنة

00:04:57.470 --> 00:05:00.470
وأمه هي أسماء بنت أبي بكر

00:05:00.470 --> 00:05:03.470
الملقبة بذات النطاقين

00:05:03.470 --> 00:05:07.470
وجده لأمه هو أبو بكر الصديق

00:05:07.470 --> 00:05:11.470
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:05:11.470 --> 00:05:13.470
وصاحبه في الغار

00:05:14.470 --> 00:05:19.470
وجدته لأبيه هي صفية بنت عبد المطلب

00:05:19.470 --> 00:05:23.470
عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:05:23.470 --> 00:05:28.470
وخالته هي أم المؤمنين عائشة عليها رضوان الله

00:05:28.470 --> 00:05:32.470
فقد نزل إلى قبرها حين دفنت بنفسه

00:05:32.470 --> 00:05:35.470
وسوى عليها لحدها بيدين

00:05:35.470 --> 00:05:39.500
أفتظن أن بعد هذا الحسب حسبا

00:05:39.500 --> 00:05:45.500
وأن فوق هذا الشرف شرفا غير شرف الإيمان وعزة الإسلام

00:05:45.500 --> 00:05:53.529
ولكي يحقق عروة أمنيته التي تمنها على الله عند الكعبة المعظمة

00:05:53.529 --> 00:05:56.529
أكب على طلب العلم وانقط عليه

00:05:56.529 --> 00:06:02.529
واغتنم البقية الباقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:06:02.529 --> 00:06:05.529
فطفق يأم بيوتهم

00:06:05.529 --> 00:06:07.529
ويصلي خلفهم

00:06:07.529 --> 00:06:12.529
ويتتبع مجالسهم حتى روا عن علي بن أبي طالب

00:06:12.529 --> 00:06:14.529
وعبد الرحمن بن عوف

00:06:14.529 --> 00:06:16.529
وزيد بن ثابت

00:06:16.529 --> 00:06:18.529
وأبي أيوب الأنصاري

00:06:18.529 --> 00:06:20.529
وأوسامة بن زيد

00:06:20.529 --> 00:06:22.529
وسعيد بن زيد

00:06:22.529 --> 00:06:24.529
وأبي هريرة

00:06:24.529 --> 00:06:26.529
وعبد الله بن عباس

00:06:26.529 --> 00:06:28.529
والنعمان بن بشير

00:06:28.529 --> 00:06:31.529
رضي الله عنهم أجمعين

00:06:31.529 --> 00:06:35.529
وأخذ كثيرا عن خالته عائشة أم المؤمنين

00:06:36.529 --> 00:06:40.529
حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة

00:06:40.529 --> 00:06:44.529
الذين يفزع إليهم المسلمون في دينهم

00:06:44.529 --> 00:06:47.529
ويستعين بهم الولاة الصالحون

00:06:47.529 --> 00:06:52.529
على ما استرعاهم الله جل وعز من أمر العباد والبلاد

00:06:52.529 --> 00:06:55.529
من ذلك أن عمر بن عبد العزيز

00:06:55.529 --> 00:07:01.529
حين قدم المدينة واليا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك

00:07:01.529 --> 00:07:04.529
جاءه الناس فسلموا عليه

00:07:04.529 --> 00:07:06.529
فلما صلى الظهر

00:07:06.529 --> 00:07:09.529
دعا عشرة من فقهاء المدينة

00:07:09.529 --> 00:07:12.529
وعلى رأسهم عروة بن الزبير

00:07:12.529 --> 00:07:15.529
فلما صاروا عنده رحب بهم

00:07:15.529 --> 00:07:17.529
وأكرم مجالسهم

00:07:17.529 --> 00:07:20.529
ثم حمد الله جل وعز

00:07:20.529 --> 00:07:23.529
وأثنى عليه بما هو أهله

00:07:23.529 --> 00:07:24.529
ثم قال

00:07:24.529 --> 00:07:28.529
إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه

00:07:28.529 --> 00:07:31.529
وتكونون لي فيه أعوانا على الحق

00:07:31.529 --> 00:07:35.560
فأنا لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم

00:07:35.560 --> 00:07:38.560
أو برأي من حضر منكم

00:07:38.560 --> 00:07:41.560
فإن رأيتم أحدا يتعدى على أحد

00:07:41.560 --> 00:07:44.560
أو بلغكم عن عامل لي مظلمة

00:07:44.560 --> 00:07:48.560
فأسألكم بالله أن تبلغوني ذلك

00:07:48.560 --> 00:07:51.560
فدعا له عروة بن الزبير بخير

00:07:51.560 --> 00:07:55.560
ورجا له من الله السداد والرشاد

00:07:55.560 --> 00:08:00.579
وقد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل

00:08:00.579 --> 00:08:03.579
فقد كان صواما في الهواجر

00:08:03.579 --> 00:08:05.579
قواما في العتمات

00:08:05.579 --> 00:08:09.579
رطب اللسان دائما بذكر الله تعالى

00:08:09.579 --> 00:08:14.579
وكان إلى ذلك خدينا لكتاب الله جل وعز

00:08:14.579 --> 00:08:17.579
عاكفا على تلاوته

00:08:17.579 --> 00:08:22.579
فكان يقرأ ربع القرآن كل نهار نظرا في المصحف

00:08:22.579 --> 00:08:26.579
ثم يقوم به الليل تلاوتا عن ظهر قلب

00:08:27.579 --> 00:08:30.579
ولم يعرف عنه أنه ترك ذلك

00:08:30.579 --> 00:08:33.580
منذ صدر شبابه إلى يوم وفاته

00:08:33.580 --> 00:08:37.580
غير مرة واحدة لخطب نزل به

00:08:37.580 --> 00:08:40.580
سيأتيك نبأه بعد قليل

00:08:40.580 --> 00:08:44.860
ولقد كان عروة بن الزبير

00:08:44.860 --> 00:08:47.860
يجد في الصلاة راحة نفسه

00:08:47.860 --> 00:08:51.899
وقرة عينه وجنته على الأرض

00:08:51.899 --> 00:08:54.899
فيحسنها كل الإحسان

00:08:54.899 --> 00:08:57.899
ومن شعائرها أتم الإتقان

00:08:57.899 --> 00:09:00.899
ويطيلها غاية الطول

00:09:00.899 --> 00:09:05.929
روي عنه أنه رأى رجلا يصلي صلاة خفيفة

00:09:05.929 --> 00:09:09.929
فلما ثرغ من صلاته دعاه إليه وقال له

00:09:09.929 --> 00:09:15.929
يابن أخي أما كانت لك عند ربك جل وعز حاجة

00:09:15.929 --> 00:09:19.929
والله إني لأسأل الله تبارك وتعالى

00:09:19.929 --> 00:09:25.110
في صلاتي كل شي حتى الملح

00:09:25.110 --> 00:09:28.110
كان عروة بن الزبير رضوان الله عليه

00:09:28.110 --> 00:09:31.110
سخي اليد سمحا جوادا

00:09:31.110 --> 00:09:34.110
ومما أثر عن جوده

00:09:34.110 --> 00:09:38.110
أنه كان له بستان من أعظم بساتين المدينة

00:09:38.110 --> 00:09:43.110
عذب المياه ضليل الأشجار باسق النخيل

00:09:43.110 --> 00:09:46.110
وكان يسور بستانه طوال العام

00:09:46.110 --> 00:09:51.110
لحماية أشجاره من أذى الماشية وعبث الصبية

00:09:51.110 --> 00:09:54.110
حتى إذا آن أوان الرطب

00:09:54.110 --> 00:09:58.110
وأينعت الثمار وطابت واشتهتها النفوس

00:09:58.110 --> 00:10:02.110
كسر حائط بستانه في أكثر من جهة

00:10:02.110 --> 00:10:04.110
ليجيز للناس دخوله

00:10:04.110 --> 00:10:08.340
فكانوا يلمون به ذاهبين آيبين

00:10:08.340 --> 00:10:12.340
ويأكلون من ثمره ما لذّى لهم الأكل

00:10:12.340 --> 00:10:16.399
ويحملون منهما طاب لهم الحمل

00:10:16.399 --> 00:10:19.399
وكان كلما دخل بستانه هذا

00:10:19.399 --> 00:10:22.399
ردّد قوله جل وعز

00:10:22.399 --> 00:10:29.399
ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله

00:10:29.399 --> 00:10:34.779
وفي ذات سنة من خلافة الوليد بن عبد الملك

00:10:34.779 --> 00:10:40.779
شاء الله جل وعز أن يمتحن عروة بن الزبير امتحانا

00:10:40.779 --> 00:10:46.779
لا يثبت له إلا ذو الأفئدة التي عمرها الإيمان وأترعها اليقين

00:10:46.779 --> 00:10:52.779
فلقد دعا خريفة المسلمين عروة بن الزبير لزيارته في دمشق

00:10:52.779 --> 00:10:56.779
فلبّى دعوته وصحب معه أكبر بنيه

00:10:56.779 --> 00:11:01.779
ولما قدم على الخليفة رحب بمقدمه أعظم الترحيب

00:11:01.779 --> 00:11:07.779
وأكرم وفادته أوفى الإكرام وبالغ في الحفاوة به

00:11:07.779 --> 00:11:13.809
ثم شاء الله سبحانه بأن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

00:11:13.809 --> 00:11:17.809
ذلك أن بن عروة دخل على إصطبل الوليد

00:11:17.809 --> 00:11:20.809
ليتفرج على جياده الصافنات

00:11:21.809 --> 00:11:26.809
فرمحته دابة رمحة قاضية أودت بحياته

00:11:26.809 --> 00:11:31.809
ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده

00:11:31.809 --> 00:11:35.809
حتى أصابت إحدى قدميه الآكلة

00:11:35.809 --> 00:11:41.809
فتورّمت ساقه وجعل الورم يشتد ويمتد بسرعة مذهلة

00:11:41.809 --> 00:11:46.809
فاستدع الخليفة لضيفه الأطباء من كل جهة

00:11:46.809 --> 00:11:49.809
وحظهم على معالجته بأي وسيلة

00:11:49.809 --> 00:11:55.809
لكن الأطباء أجمعوا على أنه لا من دوحة من بتر ساق عروة

00:11:55.809 --> 00:11:58.809
قبل أن يسري الورم إلى جسده كله

00:11:58.809 --> 00:12:01.809
ويكون سببا في القضاء عليه

00:12:01.809 --> 00:12:05.809
فلم يجد بدا من الإذعان لذلك

00:12:05.809 --> 00:12:09.000
ولما حضر الجراح لبتر الساق

00:12:09.000 --> 00:12:13.000
وأحضر معه مباضعه لشق اللحم

00:12:13.000 --> 00:12:16.000
ومناشيره لنشر العظم

00:12:16.000 --> 00:12:18.000
قال الطبيب لعروة

00:12:18.000 --> 00:12:21.000
أرى أن نسقيك جرعة من مسكر

00:12:21.000 --> 00:12:25.000
لكي لا تشعر بآلام البتر المبرحة

00:12:25.000 --> 00:12:27.059
فقال هيهات

00:12:27.059 --> 00:12:32.059
لا أستعين بحرام على ما أرجوه من العافية

00:12:32.059 --> 00:12:33.059
فقال له

00:12:33.059 --> 00:12:36.059
إذاً نسقيك المخدر

00:12:36.059 --> 00:12:37.059
فقال

00:12:37.059 --> 00:12:42.059
ما أحب أن أسلب عضوًا من أعضائي دون أن أشعر بألمه

00:12:42.059 --> 00:12:45.059
وأحتسب ذلك عند الله

00:12:46.190 --> 00:12:49.190
ولما هم الجراح بقطع الساق

00:12:49.190 --> 00:12:53.190
تقدم نحو عروة طائفة من الرجال

00:12:53.190 --> 00:12:54.190
فقال

00:12:54.190 --> 00:12:56.190
ما هؤلاء

00:12:56.190 --> 00:12:57.190
فقيل له

00:12:57.190 --> 00:13:00.190
لقد جئ بهم ليمسكوك

00:13:00.190 --> 00:13:02.190
فلربما اشتد عليك الألم

00:13:02.190 --> 00:13:06.190
فجذبت قدمك جذبة أضرت بك

00:13:06.190 --> 00:13:07.190
فقال

00:13:07.190 --> 00:13:09.190
ردوهم

00:13:09.190 --> 00:13:11.190
لا حاجة لي بهم

00:13:11.190 --> 00:13:15.190
وإني لأرجو أن أكفيكم ذلك بالذكر والتسبيح

00:13:15.190 --> 00:13:18.320
ثم أقبل عليه الطبيب

00:13:18.320 --> 00:13:20.320
فقطع اللحم بالمبضع

00:13:20.320 --> 00:13:22.320
ولما بلغ العظم

00:13:22.320 --> 00:13:24.320
وضع عليه المنشار

00:13:24.320 --> 00:13:26.320
وطفق ينشره به

00:13:26.320 --> 00:13:28.320
وعروة يقول

00:13:28.320 --> 00:13:31.320
لا إله إلا الله

00:13:31.320 --> 00:13:33.320
والله أكبر

00:13:33.320 --> 00:13:35.320
وما فتئ الجراح ينشر

00:13:35.320 --> 00:13:38.320
وعروة يهلل ويكبر

00:13:38.320 --> 00:13:41.320
حتى بترت الساق بترا

00:13:41.320 --> 00:13:44.350
ثم أغلي الزيت في مغارف الحديد

00:13:44.350 --> 00:13:46.350
وغمست به ساق عروة

00:13:46.350 --> 00:13:49.350
لإيقاف تدفق الدماء

00:13:49.350 --> 00:13:51.350
وحسم الجراح

00:13:51.350 --> 00:13:54.350
فأغمي عليه إغماءة طويلة

00:13:54.350 --> 00:13:57.350
حالت دونه ودون أن يقرأ حصته

00:13:57.350 --> 00:14:00.350
من كتاب الله في ذلك اليوم

00:14:00.350 --> 00:14:05.350
وكانت المرة الوحيدة التي فاته فيها ذلك الخير

00:14:05.350 --> 00:14:07.350
منذ صدر شبابه

00:14:07.350 --> 00:14:09.350
ولما صحى عروة

00:14:09.350 --> 00:14:11.350
دعى بقدمه المبتورة

00:14:11.350 --> 00:14:13.350
فناولوه إياها

00:14:13.350 --> 00:14:17.350
فجعل يقلبها بيده وهو يقول

00:14:17.350 --> 00:14:22.350
أما والذي حملني عليك في عتمات الليل إلى المساجد

00:14:22.350 --> 00:14:27.350
إنه ليعلم أنني ما مشيت بك إلى حرام قط

00:14:27.350 --> 00:14:31.450
ثم تمثل بأبيات لمعن بن أوس

00:14:31.450 --> 00:14:33.450
يقول فيها

00:14:33.450 --> 00:14:37.450
لعمرك ما أهويت كفي لريبة

00:14:37.450 --> 00:14:41.450
ولا حملتني نحو فاحشة الرجلي

00:14:41.450 --> 00:14:45.450
ولا قادني سمعي ولا بصري لها

00:14:45.450 --> 00:14:49.450
ولا دلني رأي عليها ولا عقلي

00:14:49.450 --> 00:14:52.450
وأعلم أني لم تصبني مصيبة

00:14:52.450 --> 00:14:58.730
من الدهر إلا قد أصابت فتا قبلي

00:14:58.730 --> 00:15:01.730
وقد شق على الوليد بن عبد الملك

00:15:02.730 --> 00:15:09.730
فقد احتسب ابنه وفقد ساقه في أيام معدودات

00:15:09.730 --> 00:15:14.730
فجعل يحتال لتعزيته وتصبيره على ما أصابه

00:15:14.730 --> 00:15:19.730
وصادف أن نزل بدار الخلافة جماعة من بني عبس

00:15:19.730 --> 00:15:21.730
فيهم رجل ضرير

00:15:21.730 --> 00:15:24.730
فسأله الوليد عن سبب كف بصره

00:15:24.730 --> 00:15:26.730
فقال

00:15:26.730 --> 00:15:28.730
يا أمير المؤمنين

00:15:28.730 --> 00:15:32.730
يكون في بني عبس رجل أوفر مني مالا

00:15:32.730 --> 00:15:35.730
ولا أكثر أهلا وولدا

00:15:35.730 --> 00:15:40.730
فنزلت مع مالي وعيالي في بطن واد من منازل قومي

00:15:40.730 --> 00:15:44.759
فطرقنا سيل لم نر مثله قط

00:15:44.759 --> 00:15:49.759
فذهب السيل بما كان لي من مال وأهل وولد

00:15:49.759 --> 00:15:52.759
ولم يترك لي غير بعير واحد

00:15:52.759 --> 00:15:55.759
وطفل صغير حديث الولادة

00:15:55.759 --> 00:15:58.759
كان البعير صعبا فند مني

00:15:58.759 --> 00:16:01.759
فتركت الصبي على الأرض

00:16:01.759 --> 00:16:03.759
ولحقت بالبعير

00:16:03.759 --> 00:16:07.759
فلم أجاوز مكاني قليلا حتى سمعت صيحة الطفل

00:16:07.759 --> 00:16:09.759
فالتفت

00:16:09.759 --> 00:16:12.759
فإذا رأسه في فم الذئب وهو يأكله

00:16:12.759 --> 00:16:14.759
فبادرت إليه

00:16:14.759 --> 00:16:17.759
غير أني لم أستطع إنقاذه

00:16:17.759 --> 00:16:19.759
إذ كان قد أتى عليه

00:16:19.759 --> 00:16:21.759
فلحقت بالبعير

00:16:21.759 --> 00:16:23.759
فلما دنوت منه

00:16:23.759 --> 00:16:26.759
رماني برجله على وجه رمية

00:16:26.759 --> 00:16:29.759
حطمت جبيني وذهبت ببصري

00:16:29.759 --> 00:16:34.759
وهكذا وجدت نفسي قد غدوت في ليلة واحدة

00:16:34.759 --> 00:16:39.860
من غير أهل ولا ولد ولا مال ولا بصر

00:16:39.860 --> 00:16:42.860
فقال الوليد لحاجبه

00:16:42.860 --> 00:16:46.860
انطلق بهذا الرجل إلى ضيفنا عروة بن الزبير

00:16:46.860 --> 00:16:48.860
وليقص عليه قصته

00:16:48.860 --> 00:16:54.980
ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاء

00:16:54.980 --> 00:16:58.980
ولما حمل عروة بن الزبير إلى المدينة

00:16:58.980 --> 00:17:00.980
وودخل على أهله

00:17:00.980 --> 00:17:02.980
بادرهم قائلا

00:17:02.980 --> 00:17:04.980
لا يهولنكم ما ترون

00:17:04.980 --> 00:17:09.980
فلقد وهبني الله عز وجل أربعة من البنين

00:17:09.980 --> 00:17:11.980
ثم أخذ منهم واحدا

00:17:11.980 --> 00:17:13.980
وأبقى لي ثلاثة

00:17:13.980 --> 00:17:15.980
فله الحمد

00:17:15.980 --> 00:17:17.980
وأعطاني أربعة من الأطراف

00:17:17.980 --> 00:17:19.980
ثم أخذ منها واحدا

00:17:19.980 --> 00:17:21.980
وأبقى لي ثلاثة

00:17:21.980 --> 00:17:23.980
فله الحمد

00:17:23.980 --> 00:17:24.980
وأيم الله

00:17:24.980 --> 00:17:27.980
لأن أخذ الله مني قليلا

00:17:27.980 --> 00:17:30.980
فلقد أبقى لي كثيرا

00:17:30.980 --> 00:17:32.980
ولأن ابتلاني مرة

00:17:32.980 --> 00:17:35.980
فلطالما عافاني مرات

00:17:35.980 --> 00:17:42.900
ولما عرف أهل المدينة بوصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير

00:17:42.900 --> 00:17:46.900
تسايلوا على بيته ليواسوا ويعزوا

00:17:46.900 --> 00:17:48.900
فكان من أحسن ما عزي به

00:17:48.900 --> 00:17:51.900
كلمة إبراهيم بن محمد بن طلحة

00:17:51.900 --> 00:17:53.900
حيث قال له

00:17:53.900 --> 00:17:55.900
أبشر يا أبا عبد الله

00:17:55.900 --> 00:17:58.900
فقد سبقك عض من أعضائك

00:17:58.900 --> 00:18:00.900
وولد من أبنائك

00:18:00.900 --> 00:18:02.900
إلى الجنة

00:18:02.900 --> 00:18:06.900
والكل يتبع البعض إن شاء الله تعالى

00:18:06.900 --> 00:18:10.900
ولقد أبقى الله لنا منك ما نحن إليه فقراء

00:18:10.900 --> 00:18:12.900
وعنه غير أغنياء

00:18:12.900 --> 00:18:15.900
من علمك وفقهك ورأيك

00:18:15.900 --> 00:18:18.900
نفعك الله وإيانا به

00:18:18.900 --> 00:18:20.900
والله ولي ثوابك

00:18:20.900 --> 00:18:23.900
والضمين بحسن حسابك

00:18:23.900 --> 00:18:29.059
ظل عروة بن الزبير للمسلمين منارة هدى

00:18:29.059 --> 00:18:31.059
ودليل فلاح

00:18:31.059 --> 00:18:34.059
وداعية خير طوال حياته

00:18:34.059 --> 00:18:39.059
ولقد اهتم أكثر ما اهتم بتربية أولاده خاصة

00:18:39.059 --> 00:18:42.059
وسائر أبناء المسلمين عامة

00:18:42.059 --> 00:18:46.059
فلم يترك فرصة لتوجيههم إلا اغتنمها

00:18:46.059 --> 00:18:50.059
ولم يدع سانحة لنصحهم إلا آفاد منها

00:18:50.059 --> 00:18:55.059
من ذلك أنه داب على حض بنيه على طلب العلم

00:18:55.059 --> 00:18:58.059
إذ كان يقول لهم

00:18:58.059 --> 00:19:03.059
يا بني تعلموا العلم وابذلوا له حقه

00:19:03.059 --> 00:19:06.059
فإنكم إن تكونوا صغار قوم

00:19:06.059 --> 00:19:10.059
فعسى أن يجعلكم الله بالعلم كبراءهم

00:19:10.059 --> 00:19:12.059
ثم يقول

00:19:12.059 --> 00:19:14.059
واسوأتاه

00:19:14.059 --> 00:19:18.059
هل في الدنيا شيء أقبح من شيخ جاهل

00:19:18.059 --> 00:19:24.119
وكان يدعوهم إلى عد الصدقة هدية تهدا لله عز وجل

00:19:24.119 --> 00:19:26.119
فيقول

00:19:26.119 --> 00:19:30.119
يا بني لا يهدي أن أحدكم إلى ربه

00:19:30.119 --> 00:19:34.119
ما يستحي أن يهديه إلى عزيز قومه

00:19:34.119 --> 00:19:37.119
فإن الله تعالى أعز الأعزاء

00:19:37.119 --> 00:19:39.119
وأكرم الكرماء

00:19:39.119 --> 00:19:41.119
وأحق من يختار له

00:19:41.119 --> 00:19:44.250
وكان يبصرهم بالناس

00:19:44.250 --> 00:19:47.250
وينفذ بهم إلى جوهرهم فيقول

00:19:47.250 --> 00:19:49.250
يا بني

00:19:49.250 --> 00:19:53.250
إذا رأيتم من رجل فعلت خير رائعة

00:19:53.250 --> 00:19:55.250
فأملوا به خيرا

00:19:55.250 --> 00:19:58.250
ولو كان في نظر الناس رجل سوء

00:19:58.250 --> 00:20:01.279
فإن لها عنده أخوات

00:20:01.279 --> 00:20:05.279
وأذا رأيتم من رجل فعلت شر فضيعة

00:20:05.279 --> 00:20:06.279
فاحذروه

00:20:06.279 --> 00:20:09.279
وإن كان في نظر الناس رجل خير

00:20:09.279 --> 00:20:12.279
فإن لها عنده أخوات أيضا

00:20:12.279 --> 00:20:16.279
وعلموا أن الحسنة تدل على أخواتها

00:20:16.279 --> 00:20:21.279
وأن السيئة تدل على أخواتها أيضا

00:20:21.279 --> 00:20:24.309
وكان يوصيهم بلين الجانب

00:20:24.309 --> 00:20:27.309
وطيب الكلام وبشر الوجه

00:20:27.309 --> 00:20:28.309
فيقول

00:20:28.309 --> 00:20:32.309
يا بني مكتوب في الحكمة

00:20:32.309 --> 00:20:34.309
لتكن كلمتك طيبة

00:20:34.309 --> 00:20:37.309
وليكن وجهك طلقا

00:20:37.309 --> 00:20:41.309
تكن أحب إلى الناس ممن يبذل لهم العطاء

00:20:41.309 --> 00:20:45.309
وكان إذا رأى الناس يجنحون إلى الترف

00:20:45.309 --> 00:20:47.309
ويستمرئون النعيم

00:20:47.309 --> 00:20:52.309
يذكرهم بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:20:52.309 --> 00:20:55.309
من شضف العيش وخشونة الحياة

00:20:55.309 --> 00:21:00.309
من ذلك ما حكاه محمد بن المنكدري قال

00:21:00.309 --> 00:21:03.309
لقيني عروة بن الزبير

00:21:03.309 --> 00:21:05.309
فأخذ بيدي وقال

00:21:05.309 --> 00:21:07.309
يا أبا عبد الله

00:21:07.309 --> 00:21:09.339
فقلت لبيك

00:21:09.339 --> 00:21:10.339
فقال

00:21:10.339 --> 00:21:14.339
دخلت على أمي عائشة رضي الله عنها

00:21:14.339 --> 00:21:15.339
فقالت

00:21:15.339 --> 00:21:17.339
يا بني

00:21:17.339 --> 00:21:19.380
فقلت لبيك

00:21:19.380 --> 00:21:20.380
فقالت

00:21:20.380 --> 00:21:24.380
والله إن كنا لنمكث أربعين ليلة

00:21:24.380 --> 00:21:28.380
ما نوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:21:28.380 --> 00:21:31.380
بنار مصباحا ولا غيره

00:21:31.380 --> 00:21:33.380
فقلت يا أمة

00:21:33.380 --> 00:21:35.380
فيما كنتم تعيشون

00:21:35.380 --> 00:21:36.380
فقالت

00:21:36.380 --> 00:21:38.380
بالأسودين

00:21:38.380 --> 00:21:41.269
التمر والماء

00:21:41.269 --> 00:21:42.269
وبعد

00:21:42.269 --> 00:21:47.269
فقد عاش عروة بن الزبير واحدا وسبعين عاما

00:21:47.269 --> 00:21:49.269
مترعة بالخير

00:21:49.269 --> 00:21:51.269
حافلة بالبر

00:21:51.269 --> 00:21:53.299
مكللة بالتقى

00:21:53.299 --> 00:21:56.299
فلما جاءه الأجل المحتوم

00:21:56.299 --> 00:21:58.299
أدركه وهو صائم

00:21:58.299 --> 00:22:03.299
ولقد ألح عليه أهله أن يفطر فأبى

00:22:03.299 --> 00:22:04.299
فقد أبى

00:22:04.299 --> 00:22:10.299
لأنه كان يرجو أن يكون فطره على شربة من نهر الكوثر

00:22:10.299 --> 00:22:12.299
في قوارير من فضة

00:22:12.299 --> 00:22:20.140
بأيد الحور العين

00:22:20.140 --> 00:22:24.140
من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة

00:22:24.140 --> 00:22:27.809
فلينظر إلى عروة بن الزبير

00:22:27.809 --> 00:22:29.809
عبد الملك بن مروان

00:22:42.980 --> 00:22:45.980
يسقون غيما حياتنا

00:22:45.980 --> 00:22:47.980
فما مو فينا

00:22:47.980 --> 00:22:50.980
ذكرهم يتعالى

00:22:50.980 --> 00:22:55.980
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا

00:22:55.980 --> 00:23:00.980
هل مثلهم نجم سما وتلالا

00:23:00.980 --> 00:23:05.980
ملأوا الحياة مفاخرا بفعلهم

00:23:05.980 --> 00:23:10.650
وزهت بهم دلأنا
