بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالاً جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله رحمد بن واسع الأزدي رحمه الله نحن الآن في خلافة أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وهذا يزيد بن المهلب بن أبي صفرى أحد سيوف الإسلام المسلولة ووالي خراسان العتيد ينهد بجيشه البالغ مئة ألف مقاتل عدى المتطوعين من طلاب الشهادة ورغا بالمثوبة وقد عقد العزم على فتح جرجان وطبرستان وكان في طليعة المتطوعين معه التابعي الجليل محمد بن واسع الأزدي البصري الملقب بزين الفقهاء المعروف بعابد البصرة وتلميذ الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري خادم الرسول عليه الصلاة والسلام نزل يزيد بن المهلب بجيشه على دهستان وكان يقطنها قوم من الترك شديد بأسهم قوي مراسهم منيعة حصونهم فكانوا يخرجون لقتال المسلمين كل يوم فإذا نال منهم الجهد أو اشتد عليهم البأس انحازوا إلى معاقلهم في شعاب الجبال وتحصنوا بحصونها المنيعة ولا ذوب ذراها الرفيعة وقد كان لمحمد بن واسع الأزدي مقام كبير في هذه الحرب على الرغم من ضعف بنيته وتقدم سنه فلقد كان جند المسلمين يستررحون بنور الإيمان الذي يتهلل من وجهه السمح وينشطون لحرارة الذكر التي تشع من لسانه العذب ويطمئنون إلى دعواته المستجابة في لحظات الشدة والكرب وكان من شأنه إذا أنشب قائد الجيش القتال أن ينادي يا خيل الله ركبي يا خيل الله ركبي فلا يكاد جند المسلمين يسمعون نداءه حتى يهبوا إلى قتال عدوهم كما تهب الأسود المستنفرة ويقبلوا على ساحة الوغى إقبال الضماء على الماء البرود في اليوم القائظ وفي ذات معركة من تلك المعارك الطاحنة الضروس برز من صفوف الأعداء فارس لم تقع العين على أجسم منه جسامه ولا أشد منه قوة ولا أوفى جرأة ولا أمضى عزما وطفق يصول بين الصفوف ويجول حتى نحى المسلمين عن مواقعهم وبعث الخشية والهيبة في قلوبهم ثم جعل يدعوهم إلى المبارزة متحديا مستكبرا ويلح في الدعاء فما كان من محمد بن واسع إلا أن هم بأن يبرز له عند ذلك دبت الحمية في نفوس فرسان المسلمين وأقبل على الشيخ واحد منهم وأقسم عليه بأن لا يفعل وسأله بأن يترك له ذلك فأبر الشيخ قسمه ودعا له بالنصر والتأييد أقبل كل من الفارسين على عدوه إقبال المنون وتصاولا مصاولة أسدين خادرين فتعلقت بهما عيون الجند وقلوبهم من كل مكان واستمر ساعة يتصاولان ويتجاولان حتى أخذ الجهد منهما كلما أخذ ثم اختلفا ضربتين بسيفيهما على رأسيهما في لحظة واحدة فثبت سيف التركي في حديد بيضة الفارس المسلم ونزل سيف المسلم على جبين الفارس التركي فشطر رأسه شطرين وفلق هامته في القتين ثم عاد الفارس المنتصر إلى صفوف المسلمين في منظر لم تشهد العين مثله قط فسيف في يده يقطر دمى وسيف مثبة في خوذته يلتمع تحت أشعة الشمس فاستقبله المسلمون بالتهليل والتكبير والتحميد ونظر يزيد بن المهلب إلى اتلاق السيفين والبيضة والسلاح على الرجل فقال لله أبوه من فارس أي رجل هذا فقيل له إنه رجل باركته دعوات محمد بن واسعين الأزدي انقلب ميزان القوى بعد مصرع الفارس التركي فسر الجزع والهلع في نفوس المشركين سريان النار في الهشيم والطرمت نيران النخوة والعزة في صدور المسلمين فأقبلوا على أعداء الله إقبال السيل وأحاطوا بهم إحاطة الغل بالعنق وقطعوا عنهم الماء والميرة فلم يجد ملكهم بد من المصالحة فبعث إلى يزيد يعرض عليه الصلح ويعلن استعداده لتسليمه ما في يده من البلاد بكل ما فيها ومن فيها على أن يؤمنه على نفسه وماله وأهل بيته فقبل يزيد مصالحته واشترط عليه أن يقدم له سبعمائة ألف درهم مقسطة وأن ينقده أربعمائة ألف معجلة وأن يقدم له أربعمائة دابة محملة زعفرانا وأن يسوق له أربعمائة رجل في يد كل واحد منهم جام من الفضة وعلى رأسه برنس من الخز وعلى البرنس طيل سان من القطيفة وسرقة من الحرير لتلبسها نساء الجند ولما وضعت المعارك أوزارها قال يزيد بن المهلب لخازنه أحصلنا الغنائم حتى نعطي كل ذي حق حقه فحاول الخازن ومن معه أن يحصوها فعجزوا عن ذلك فقسمت الغنائم بين الجند قسمة قائمة على التسامح وقد وجد المسلمون في هذه الغنائم تاجا مصوغا من خارص الذهب محلا بالدر والجوهر مزخرفا بروائع النقوش فتطاولت نحوه الرقاب وتسمرت على لآلئه العيون فأخذه يزيد بيده ورفعه حتى يراه من لم يستطع رؤيته من الجند ثم قال أترون أن أحدا يزهد في هذا التاج فقالوا أصلح الله الأمير ومن ذا الذي يزهد به فقال سترون أنه ما زال في أمة محمد عليه الصلاة والسلام من يزهد به وبملء الأرض من مثله ثم التفت إلى حاجبه وقال التمس لنا محمد بن واسع الأزدي فانطلق الحاجب يبحث عنه في كل جهة فألفاه قد انتحى مكانا قصيا عن الناس وانتصب قائما يتنفل ويدعو ويبتهل ويستغفر فأقبل عليه وقال إن الأمير يدعوك للقائه ويسألك أن تمضي إليه الساعة فمضى مع الحاجب حتى إذا صار عند الأمير حيا وجلس قريبا منه فرد الأمير التحية بأحسن منها ثم رفع التاج بيده وقال يا أبا عبد الله إن جند المسلمين قد ظفروا بهذا التاج الثمين وقد رأيت أن أوثرك به وأن أجعله من نصيبك فطابت نفوس الجند بذلك فقال تجعله من نصيبي أنا أيها الأمير فقال نعم من نصيبك أنت فقال لا حاجة لي به أيها الأمير وجزيت وإياهم عني خيرا فقال أقسمت عليك بالله لتأخذنه فلما وقع قسم الأمير أخذ محمد بن واسع التاج ثم استأذنه وانصرف فقال بعض الذين لا يعرفون الشيخ ها هو ذا قد استأثر بالتاج ومضابه فأمر يزيد غلاما من غلمانه أن يتبعه مستخفيا عنه وأن ينظر ماذا يصنع بالتاج وأن يأتيه بخبره فتبعه الغلام وهو لا يدري به مضى محمد بن واسع في طريقه والتاج في يده فعرض له رجل أشعث أغبر زري الهيئة فسأله قائلا من ما لله فنظر الشيخ عن يمينه وعن شماله ومن خلفه فلما استيقن أن أحدا لا يراه دفع بالتاج إلى السائل ثم انطلق فريحا جذلا لما ألقى عن كاهله عبأ كان يثقل ظهره فأمسك الغلام بيد السائل وأتى به الأمير وقص عليه خبره فأخذ الأمير التاج من السائل وعوض عليه بمال وفير حتى أرضاه ثم التفت إلى الجند وقال أما قلت لكم إنه ما زال في أمة محمد عليه الصلاة والسلام من يزهد بهذا التاج أمثال أمثاله ظل محمد بن واسع الأزدي يجاهد المشركين تحت راية يزيد بن المهلب حتى اقترب موعد الحج فلما لم يبق أمامه غير وقت قصير دخل على يزيد واستأذنه في الانصراف إلى القيام بالنسك فقال له يزيد إذنك بيدك يا أبا عبد الله فامضي متى شئت قرنا لك بمبلغ من المال يعينك على حجك فقال له وهل ستأمر بمثل هذا المال لكل جندي من جنودك أيها الأمير فقال لا فقال لا حاجة لي بشيء أخص به من دون جند المسلمين ثم ودعه وانصرف شق سفر محمد بن واسع الأزدي على يزيد بن المهلب كما شق على جند المسلمين الذين حضوا بصحبته وأسفوا لحرمان جيشهم الظافر من بركاته وتمنوا عليه أن يعود إليهم حين يفرغوا من قضاء نسكه ولا غروا فقد كان قواد المسلمين المنتشرون في أرجاء المعمورة يحرصون أشد الحرص على أن يكون عابد البصرة محمد بن واسع الأزدي في عداد جيشهم وكانوا يستبشرون بوجوده معهم خيرا كثيرا ويرجون الله عز وجل أن يهبهم النصر المؤزر بصالح دعواته وجزيل بركاته وبعد فما أكرم هذه النفوس التي كانت صغيرة في عيون أنفسها كبيرة عند الله والناس وما أجل هذا التاريخ الذي ظفر بهؤلاء الأفذاذ من روائع الرجال وإلى لقاء آخر مع عابد البصرة محمد بن واسع الأزدي للأمراء قراء وللأغنياء قراء وإن محمد بن واسع لمن قراء الرحمن مالك بن دينا مواقفا ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالا رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا