بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله القاسم بن محمد بن أبي بكر رحمه الله هل أتاك نبأ هذا التابعي الجليل إنه فتنجمع المجد من أطرافه كلها حتى لم يفته منه شيء فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق وأمه بنت كسرا يزدجرد آخر ملوك الفرس وعمته عائشة أم المؤمنين وهو فوق ذلك كله قد توج هامته بتاج التقا والعلم أفتحسب أن فوق هذا المجد مجداً يتنافس فيه المتنافسون ذلكم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد فقهاء المدينة السبعة وأفضل أهل زمانه علما وأحدهم ذهنا وأشدهم ورعا فتعال نبدأ قصة حياته من أولها ولد القاسم بن محمد في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لكن الطفل الصغير ما كاد يدرج في عشه حتى عصفت في ديار المسلمين ريح الفتنة الهوجاء فاستشهد الخليفة العباد الزهاد ذو النورين وهو منحن بصلبه على أجزاء القرآن ونشب الخلاف الكبير بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان أمير بلاد الشام وفي سلسلة مفزعة مذهلة من الأحداث المتلاحقة وجد الطفل الصغير نفسه يحمل مع أخته من المدينة إلى مصر فقد كان عليهما أن يلحق بأبيهما بعد أن غدا واليا عليها من قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم رأى أظافر الفتنة الحمرة امتد إلى أبيه فتقتله شر قتله ثم ألفى نفسه ينقل مرة أخرى من مصر إلى المدينة بعد أن استولى عليها أنصار معاوية وقد أصبح يتيما لطيما حدث القاسم نفسه عن رحلة العذاب هذه ومات لاها فقال لما قتل أبي بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني أنا وأخت الصغيرة ومضابنا إلى المدينة فما إن بلغناها حتى بعثت إلينا عمتي عائشة رضي الله عنها فحملتنا من منزل عمي إلى بيتها وربتنا في حجرها فما رأيت والدة قط ولا والدا أكثر منها برا ولا أوفر شفقه كانت تطعمنا بيديها ولا تأكل معنا فإذا بقي من طعامنا شيء أكلت وكانت تحن علينا حنو المرضعات على الفطيم فتغسل أجسادنا وتمشط شعورنا وتلبسنا الأبيض الناصع من الثياب وكانت لا تفتأ وتحضنا على الخير وتمرسنا بفعله وتنهانا عن الشر وتحملنا على تركه وقد دابت على تلقيننا ما نقيقه من كتاب الله وترويتنا ما نعقله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تزيدنا برا وإتحافا في العيدين فإذا كانت عشية عرفة حلقت لي شعري وغسلتني أنا وأختي فإذا أصبحنا ألبستنا الجديد وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد فإذا عدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحت بين أيدينا وفي ذاتي يوم ألبستنا ثيابا بيضا ثم أجلستني على إحدى ركبتيها وأجلست أختي على ركبتها الأخرى وكانت قدعت عمي عبد الرحمن فلما دخل عليها حيته ثم تكلمت فحمدت الله عز وجل وأثنت عليه بما هو أهله فما رأيت متكلما قط من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصح منها لسانا ولا أعذب بيانا ثم قالت أي أخي إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذت هذه الصبيين منك وضممتهما إلي ووالله ما فعلت ذلك تطاولا عليك ولا سوء ظن بك ولاتهاما لك بالتقصير في حقهما ولكنك رجل ذو نساء وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقدرنه فلا يطبن بهما نفسا ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال وههما الآن قد شبا وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما فخذهما وضمهما إليك فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمنا إلى بيته بيد أن الغلام البكري ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله عليها فعلى أرض بيتها المضمخة بطيوب النبوة درج وفي أكناف صاحبته تربى وترعرع ومن حنانها المتدفق نهل وارتوى فصار يوزع وقته بين بيتها وبيت عمه وقد ظلت ذكريات منزل عمته الشذية الندية الرفافة تحيا في خاطره ما امتدت به الحياة فاستمع إلى بعض حديثه عن تلك الذكريات حيث يقول قلت ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها يا أمه اكشفي لي عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبري صاحبيه فأني أريد أن أراها وكانت القبور الثلاثة ما زالت داخل بيتها وقد غطتها بما يسترها عن العين فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة وقد مهدت بصغار الحص الحمر مما كان في باحة المسجد فقلت أين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشارت بيدها وقالت هذا ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهما وكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدما على قبري صاحبيه فقلت وأين قبر جدي أبي بكر فقالت هاهوذا وكان مدفونا عند رأس النبي صلوات الله وسلامه عليه فقلت وهذا قبر عمر فقالت نعم وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي قريبا من رجل النبي عليه الصلاة والسلام ولما شب الفتى البكر كان قد حفظ كتاب الله عز وجل وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يأخذ ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتثر في كل ركن من أركانه كما تنتثر النجوم الزهر على صفحة السماء فروى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن خباب ورافع بن خديج وأسلم مولى عمر بن الخطاب وغيرهم وغيرهم رضي الله عنهم حتى غدا إماما مجتهدا وأصبح من أعلم زمانه بالسنة وكان الرجل لا يعد رجلا عندهم حتى يتقن السنة ولما اكتملت للشاب بالبكري أدوات المعرفة أقبل الناس عليه يلتمسون عنده العلم بشغف وأقبل هو عليهم يبذله لهم بسخا فكان يأتي مسجد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه غداة كل يوم في موعد لا يخلفه فيصل ركعتين يحيي بهم المسجد ثم يأخذ مكانه أمام خوخة عمر في الروضة الغرى بين قبر النبي صلوات الله وسلامه عليه وبين منبره فيجتمع عليه طلاب العلم من كل مكان وينهلون من موارده العذبة المصفاه ما يملأ النفوس العطشارية ولم يمضي طويل وقت حتى أصبح القاصم ابن محمد وابن خالته سالم ابن عبد الله ابن عمر إمامي المدينة الموثوقين وسجديها المطاعين ورجليها النافذين على الرغم من أنه لم تكن في أيديهما ولاية ولا سلطان فقد سودهم الناس لما كانا يتحليان به من التقى والورع وما يحملانه في صدريهما من العلم والفق وما يزدانان به من الزهادة بما في أيدي الناس والرغبة بما عند الله عز وجل وقد بلغ من مكانتهما في النفوس أن خلفاء بني أمية وولاتهم كانوا لا يقطعون أمرا ذابال في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما من ذلك أن الوليد ابن عبد الملك قد عقد العزم على توسعة الحرم النبوي الشريف ولم يكن في وسعه أن يحقق هذه الأمنية الغالية إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه وضمها إلى المسجد وهي أمور تشق على الناس ولا تطيب نفوسهم بها فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصبح مائتي ذراع في مائتي ذراع فهدم جدرانه الأربعة وأدخل فيه حجر زوجات النبي عليه الصلاة والسلام واشتر ما في نواحيه من البيوت وقدم القبلة إن قدرت وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب ومنزلتهم في قلوب الناس فإذا أبى عليك أهل المدينة ذلك فاستعن بالقاصم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وأشركهما معك في الأمر وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء وإن لك في ذلك سلفي صدق هما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فدعى عمر بن عبد العزيز القاصم بن محمد وسالم بن عبد الله وطائفة من وجوه أهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين فسروا بما عزم عليه الخليفة وهبوا لإنفاذه فلما رأى الناس عالمي المدينة وإماميها الكبيرين يباشران هدم المسجد بأيديهما قاموا معهما قومة رجل واحد وأنفذوا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين وكانت جيوش المسلمين المظفرة تدق آنئذ أبواب الحصون المفضية إلى مدينة القستنطينية وتستولي عليها واحدا بعد آخر بقيادة الأمير الباسل مسلمة بن عبد الملك بن مروان وذلك تمهيدا لفتح القستنطينية نفسها فلما علم ملك الروم بعزم أمير المؤمنين على توسعة المسجد النبوي الشريف أحب أن يصانعه ويتقرب إليه بما يسره فبعث إليه بمائة ألف مثقال من الذهب وأرسل معها مائة عامل من أمهر البنائين في بلاد الروم وزود العمال بأربعين حملا من الفسيفساء فأرسل الوليد ذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز ليستعين به على بناء المسجد فأنفقه عمر بمشورة القاسم بن محمد وصاحبه ولقد كان القاسم بن محمد أشد الناس تأسيا بجده الصديق رضوان الله عليه حتى قال الناس لم يلد أبو بكر ولدا أشبه به من هذا الفتا فلقد أشبهه في كرم شمائله ونبل خصائله وصلابة إيمانه وشدة ورعه وسماحة نفسه وسخاء يده وقد أثر عنه كثير من الأقوال والأفعال تشهد له بهذا من ذلك أن أعرابيا جاءه إلى المسجد فقال أي ما أعلم أنت أم سالم بن عبد الله فتشاغل عنه فآعادها عليه فقال سبحان الله فآعادها كرة ثالثة فقال له ذاك سالم يبن أخي يجلس هناك فقال من في المجلس لله أبوه لقد كره أن يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه وكره أن يقول هو أعلم مني فيكذب وكان أعلم من سالم ولقد رؤي ذات مرة بمنى وأهل الأمصار من حجاج بيت الله يطبقون عليه من كل جانب وهم يسألونه فكان يجيبهم بما يعلم ويقول لهم فيما لا يعلمه لا أدري لا أعلم لا أدري فأخذهم منه العجب فقال لهم ما نعلم كل ما تسألون عنه ولو علمناه ما كتمناه ولا يحل لنا أن نكتمه ولأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم وفي ذات مرة فجهد إليه بقسمة الصدقات بين مستحقيها فاجتهد في ذلك ما وسعه لاجتهاد وأعطاك الذي حق حقه غير أن أحدهم لم يرضى عن نصيبه الذي أعطي له فآتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي وجعل يتكلم في أمر الصدقة فقال له ابنه والله إنك لتتكلم في رجل ما نال من صدقتكم درهما ولا دانقا ولا أصاب منها تمرة واحدة فأوجز القاسم صلاته والتفت إلى ابنه وقال يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم فقال الناس صدق ابنه ولكنه أراد أن يربية وأن يحفظ لسانه من التوسع في الكلام وقد عمر القاسم ابن محمد حتى نيف على الثانية والسبعين لكنه كف بصره وهو شيخ كبير وفي آخر سنة من حياته قصد مكة يريد الحج وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقين فلما أحس بالأجل التفت إلى ابنه وقال إذا أنامت فكفني بثياب التي كنت أصلي فيها قميصي وأزاري وردائي فذلك كان كفن جدك أبي بكر ثم سوي علي لحدي والحق بأهلك وأياكم أن تقفوا على قبري وتقولوا كان وكان فما كنت شيئا لو كان لي من الأمر شيء لوليت القاسم ابن محمد للخلافة عمر بن عبد العزيز ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا