WEBVTT

00:00:00.460 --> 00:00:03.459
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:03.459 --> 00:00:08.560
خير القرون مواقفاً ومثالاً

00:00:08.560 --> 00:00:13.560
تبع الرسول إذا سعى أو قالا

00:00:13.560 --> 00:00:15.560
جمعية مودة

00:00:15.560 --> 00:00:17.559
تقدم

00:00:17.559 --> 00:00:21.620
صور من حياة التابعين

00:00:21.620 --> 00:00:26.039
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:26.039 --> 00:00:28.039
رحمه الله

00:00:28.039 --> 00:00:33.380
القاسم بن محمد بن أبي بكر

00:00:33.380 --> 00:00:35.380
رحمه الله

00:00:43.509 --> 00:00:47.509
هل أتاك نبأ هذا التابعي الجليل

00:00:47.509 --> 00:00:51.509
إنه فتنجمع المجد من أطرافه كلها

00:00:51.509 --> 00:00:54.539
حتى لم يفته منه شيء

00:00:54.539 --> 00:00:57.539
فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق

00:00:57.539 --> 00:01:00.539
وأمه بنت كسرا يزدجرد

00:01:00.539 --> 00:01:02.539
آخر ملوك الفرس

00:01:02.539 --> 00:01:05.540
وعمته عائشة أم المؤمنين

00:01:05.540 --> 00:01:08.540
وهو فوق ذلك كله

00:01:08.540 --> 00:01:12.540
قد توج هامته بتاج التقا والعلم

00:01:12.540 --> 00:01:18.670
أفتحسب أن فوق هذا المجد مجداً يتنافس فيه المتنافسون

00:01:18.670 --> 00:01:23.959
ذلكم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق

00:01:23.959 --> 00:01:26.959
أحد فقهاء المدينة السبعة

00:01:26.959 --> 00:01:29.959
وأفضل أهل زمانه علما

00:01:29.959 --> 00:01:32.959
وأحدهم ذهنا وأشدهم ورعا

00:01:32.959 --> 00:01:39.659
فتعال نبدأ قصة حياته من أولها

00:01:39.659 --> 00:01:46.659
ولد القاسم بن محمد في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه

00:01:46.659 --> 00:01:50.659
لكن الطفل الصغير ما كاد يدرج في عشه

00:01:50.659 --> 00:01:55.659
حتى عصفت في ديار المسلمين ريح الفتنة الهوجاء

00:01:55.659 --> 00:02:00.689
فاستشهد الخليفة العباد الزهاد ذو النورين

00:02:00.689 --> 00:02:04.689
وهو منحن بصلبه على أجزاء القرآن

00:02:04.689 --> 00:02:09.689
ونشب الخلاف الكبير بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

00:02:09.689 --> 00:02:13.689
ومعاوية بن أبي سفيان أمير بلاد الشام

00:02:13.689 --> 00:02:19.689
وفي سلسلة مفزعة مذهلة من الأحداث المتلاحقة

00:02:19.689 --> 00:02:24.689
وجد الطفل الصغير نفسه يحمل مع أخته من المدينة إلى مصر

00:02:24.689 --> 00:02:28.689
فقد كان عليهما أن يلحق بأبيهما

00:02:28.689 --> 00:02:34.689
بعد أن غدا واليا عليها من قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

00:02:34.689 --> 00:02:39.689
ثم رأى أظافر الفتنة الحمرة امتد إلى أبيه

00:02:39.689 --> 00:02:41.689
فتقتله شر قتله

00:02:41.689 --> 00:02:46.819
ثم ألفى نفسه ينقل مرة أخرى من مصر إلى المدينة

00:02:46.819 --> 00:02:50.819
بعد أن استولى عليها أنصار معاوية

00:02:50.819 --> 00:02:53.819
وقد أصبح يتيما لطيما

00:02:53.819 --> 00:03:00.639
حدث القاسم نفسه عن رحلة العذاب هذه ومات لاها

00:03:00.639 --> 00:03:04.639
فقال لما قتل أبي بمصر

00:03:04.639 --> 00:03:07.639
جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر

00:03:07.639 --> 00:03:12.639
فاحتملني أنا وأخت الصغيرة ومضابنا إلى المدينة

00:03:12.639 --> 00:03:14.639
فما إن بلغناها

00:03:14.639 --> 00:03:19.639
حتى بعثت إلينا عمتي عائشة رضي الله عنها

00:03:19.639 --> 00:03:23.639
فحملتنا من منزل عمي إلى بيتها

00:03:23.639 --> 00:03:26.639
وربتنا في حجرها

00:03:26.639 --> 00:03:31.639
فما رأيت والدة قط ولا والدا أكثر منها برا

00:03:31.639 --> 00:03:33.639
ولا أوفر شفقه

00:03:33.639 --> 00:03:37.639
كانت تطعمنا بيديها ولا تأكل معنا

00:03:37.639 --> 00:03:41.639
فإذا بقي من طعامنا شيء أكلت

00:03:41.639 --> 00:03:45.639
وكانت تحن علينا حنو المرضعات على الفطيم

00:03:45.639 --> 00:03:49.639
فتغسل أجسادنا وتمشط شعورنا

00:03:49.639 --> 00:03:52.639
وتلبسنا الأبيض الناصع من الثياب

00:03:52.639 --> 00:03:57.639
وكانت لا تفتأ وتحضنا على الخير وتمرسنا بفعله

00:03:57.639 --> 00:04:01.639
وتنهانا عن الشر وتحملنا على تركه

00:04:01.639 --> 00:04:06.639
وقد دابت على تلقيننا ما نقيقه من كتاب الله

00:04:06.639 --> 00:04:12.639
وترويتنا ما نعقله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:04:12.639 --> 00:04:16.639
وكانت تزيدنا برا وإتحافا في العيدين

00:04:16.639 --> 00:04:19.639
فإذا كانت عشية عرفة

00:04:19.639 --> 00:04:21.639
حلقت لي شعري

00:04:21.639 --> 00:04:24.639
وغسلتني أنا وأختي

00:04:24.639 --> 00:04:26.639
فإذا أصبحنا

00:04:26.639 --> 00:04:28.639
ألبستنا الجديد

00:04:28.639 --> 00:04:32.639
وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد

00:04:32.639 --> 00:04:34.639
فإذا عدنا منه

00:04:34.639 --> 00:04:38.639
جمعتني أنا وأختي وضحت بين أيدينا

00:04:40.300 --> 00:04:42.300
وفي ذاتي يوم

00:04:42.300 --> 00:04:44.300
ألبستنا ثيابا بيضا

00:04:44.300 --> 00:04:47.300
ثم أجلستني على إحدى ركبتيها

00:04:47.300 --> 00:04:51.300
وأجلست أختي على ركبتها الأخرى

00:04:51.300 --> 00:04:54.300
وكانت قدعت عمي عبد الرحمن

00:04:54.300 --> 00:04:56.300
فلما دخل عليها

00:04:56.300 --> 00:04:58.300
حيته ثم تكلمت

00:04:58.300 --> 00:05:01.300
فحمدت الله عز وجل

00:05:01.300 --> 00:05:04.300
وأثنت عليه بما هو أهله

00:05:04.300 --> 00:05:10.300
فما رأيت متكلما قط من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها

00:05:10.300 --> 00:05:14.300
أفصح منها لسانا ولا أعذب بيانا

00:05:14.300 --> 00:05:16.300
ثم قالت

00:05:16.300 --> 00:05:17.300
أي أخي

00:05:17.300 --> 00:05:23.300
إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذت هذه الصبيين منك

00:05:23.300 --> 00:05:25.300
وضممتهما إلي

00:05:25.300 --> 00:05:30.300
ووالله ما فعلت ذلك تطاولا عليك ولا سوء ظن بك

00:05:30.300 --> 00:05:34.300
ولاتهاما لك بالتقصير في حقهما

00:05:34.300 --> 00:05:37.370
ولكنك رجل ذو نساء

00:05:37.370 --> 00:05:42.370
وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما

00:05:42.370 --> 00:05:46.370
فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقدرنه

00:05:46.370 --> 00:05:49.370
فلا يطبن بهما نفسا

00:05:49.370 --> 00:05:55.399
ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال

00:05:55.399 --> 00:05:57.399
وههما الآن قد شبا

00:05:57.399 --> 00:06:01.399
وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما

00:06:01.399 --> 00:06:04.399
فخذهما وضمهما إليك

00:06:04.399 --> 00:06:09.459
فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمنا إلى بيته

00:06:09.459 --> 00:06:13.970
بيد أن الغلام البكري

00:06:13.970 --> 00:06:19.970
ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله عليها

00:06:19.970 --> 00:06:24.970
فعلى أرض بيتها المضمخة بطيوب النبوة درج

00:06:24.970 --> 00:06:28.970
وفي أكناف صاحبته تربى وترعرع

00:06:28.970 --> 00:06:32.970
ومن حنانها المتدفق نهل وارتوى

00:06:32.970 --> 00:06:38.160
فصار يوزع وقته بين بيتها وبيت عمه

00:06:38.160 --> 00:06:43.160
وقد ظلت ذكريات منزل عمته الشذية الندية الرفافة

00:06:43.160 --> 00:06:47.160
تحيا في خاطره ما امتدت به الحياة

00:06:47.160 --> 00:06:52.160
فاستمع إلى بعض حديثه عن تلك الذكريات حيث يقول

00:06:52.160 --> 00:06:57.189
قلت ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها

00:06:57.189 --> 00:07:02.189
يا أمه اكشفي لي عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام

00:07:02.189 --> 00:07:07.189
وقبري صاحبيه فأني أريد أن أراها

00:07:07.189 --> 00:07:11.189
وكانت القبور الثلاثة ما زالت داخل بيتها

00:07:11.189 --> 00:07:15.189
وقد غطتها بما يسترها عن العين

00:07:15.189 --> 00:07:20.189
فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة

00:07:20.189 --> 00:07:26.189
وقد مهدت بصغار الحص الحمر مما كان في باحة المسجد

00:07:26.189 --> 00:07:31.189
فقلت أين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:07:31.189 --> 00:07:35.189
فأشارت بيدها وقالت هذا

00:07:35.189 --> 00:07:40.189
ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان

00:07:40.189 --> 00:07:44.189
فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهما

00:07:44.189 --> 00:07:50.259
وكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدما على قبري صاحبيه

00:07:50.259 --> 00:07:54.259
فقلت وأين قبر جدي أبي بكر

00:07:54.259 --> 00:08:02.420
فقالت هاهوذا وكان مدفونا عند رأس النبي صلوات الله وسلامه عليه

00:08:02.420 --> 00:08:05.420
فقلت وهذا قبر عمر

00:08:05.420 --> 00:08:12.420
فقالت نعم وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي

00:08:12.420 --> 00:08:18.079
قريبا من رجل النبي عليه الصلاة والسلام

00:08:18.079 --> 00:08:24.079
ولما شب الفتى البكر كان قد حفظ كتاب الله عز وجل

00:08:24.079 --> 00:08:30.079
وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:08:30.079 --> 00:08:33.080
ما شاء الله أن يأخذ

00:08:33.080 --> 00:08:36.080
ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف

00:08:36.080 --> 00:08:43.080
وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتثر في كل ركن من أركانه

00:08:43.080 --> 00:08:47.080
كما تنتثر النجوم الزهر على صفحة السماء

00:08:47.080 --> 00:08:53.080
فروى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس

00:08:53.080 --> 00:08:57.080
وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر

00:08:57.080 --> 00:09:01.080
وعبد الله بن خباب ورافع بن خديج

00:09:01.080 --> 00:09:04.080
وأسلم مولى عمر بن الخطاب

00:09:04.080 --> 00:09:10.080
وغيرهم وغيرهم رضي الله عنهم حتى غدا إماما مجتهدا

00:09:10.080 --> 00:09:14.080
وأصبح من أعلم زمانه بالسنة

00:09:14.080 --> 00:09:19.080
وكان الرجل لا يعد رجلا عندهم حتى يتقن السنة

00:09:19.080 --> 00:09:24.549
ولما اكتملت للشاب بالبكري أدوات المعرفة

00:09:24.549 --> 00:09:29.549
أقبل الناس عليه يلتمسون عنده العلم بشغف

00:09:29.549 --> 00:09:33.580
وأقبل هو عليهم يبذله لهم بسخا

00:09:33.580 --> 00:09:40.580
فكان يأتي مسجد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه غداة كل يوم

00:09:40.580 --> 00:09:42.580
في موعد لا يخلفه

00:09:42.580 --> 00:09:46.580
فيصل ركعتين يحيي بهم المسجد

00:09:46.580 --> 00:09:51.580
ثم يأخذ مكانه أمام خوخة عمر في الروضة الغرى

00:09:51.580 --> 00:09:56.580
بين قبر النبي صلوات الله وسلامه عليه وبين منبره

00:09:56.580 --> 00:10:00.580
فيجتمع عليه طلاب العلم من كل مكان

00:10:00.580 --> 00:10:04.580
وينهلون من موارده العذبة المصفاه

00:10:04.580 --> 00:10:07.740
ما يملأ النفوس العطشارية

00:10:07.740 --> 00:10:09.740
ولم يمضي طويل وقت

00:10:09.740 --> 00:10:12.740
حتى أصبح القاصم ابن محمد

00:10:12.740 --> 00:10:16.740
وابن خالته سالم ابن عبد الله ابن عمر

00:10:16.740 --> 00:10:19.740
إمامي المدينة الموثوقين

00:10:19.740 --> 00:10:21.740
وسجديها المطاعين

00:10:21.740 --> 00:10:23.740
ورجليها النافذين

00:10:23.740 --> 00:10:29.740
على الرغم من أنه لم تكن في أيديهما ولاية ولا سلطان

00:10:29.740 --> 00:10:31.740
فقد سودهم الناس

00:10:31.740 --> 00:10:35.740
لما كانا يتحليان به من التقى والورع

00:10:35.740 --> 00:10:39.740
وما يحملانه في صدريهما من العلم والفق

00:10:39.740 --> 00:10:44.740
وما يزدانان به من الزهادة بما في أيدي الناس

00:10:44.740 --> 00:10:47.809
والرغبة بما عند الله عز وجل

00:10:47.809 --> 00:10:50.809
وقد بلغ من مكانتهما في النفوس

00:10:50.809 --> 00:10:53.809
أن خلفاء بني أمية وولاتهم

00:10:53.809 --> 00:10:56.809
كانوا لا يقطعون أمرا ذابال

00:10:56.809 --> 00:10:58.809
في شأن من شؤون المدينة

00:10:58.809 --> 00:11:00.809
إلا برأيهما

00:11:00.809 --> 00:11:03.809
من ذلك أن الوليد ابن عبد الملك

00:11:03.809 --> 00:11:07.809
قد عقد العزم على توسعة الحرم النبوي الشريف

00:11:07.809 --> 00:11:12.809
ولم يكن في وسعه أن يحقق هذه الأمنية الغالية

00:11:12.809 --> 00:11:16.809
إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع

00:11:16.809 --> 00:11:21.809
وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه

00:11:21.809 --> 00:11:23.809
وضمها إلى المسجد

00:11:23.809 --> 00:11:26.809
وهي أمور تشق على الناس

00:11:26.809 --> 00:11:29.809
ولا تطيب نفوسهم بها

00:11:29.809 --> 00:11:34.809
فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول

00:11:34.809 --> 00:11:40.899
لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:11:40.899 --> 00:11:44.899
حتى يصبح مائتي ذراع في مائتي ذراع

00:11:44.899 --> 00:11:46.899
فهدم جدرانه الأربعة

00:11:46.899 --> 00:11:51.899
وأدخل فيه حجر زوجات النبي عليه الصلاة والسلام

00:11:51.899 --> 00:11:54.899
واشتر ما في نواحيه من البيوت

00:11:54.899 --> 00:11:57.899
وقدم القبلة إن قدرت

00:11:57.899 --> 00:12:02.899
وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب

00:12:02.899 --> 00:12:05.970
ومنزلتهم في قلوب الناس

00:12:05.970 --> 00:12:08.970
فإذا أبى عليك أهل المدينة ذلك

00:12:08.970 --> 00:12:13.970
فاستعن بالقاصم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر

00:12:13.970 --> 00:12:16.970
وأشركهما معك في الأمر

00:12:16.970 --> 00:12:20.970
وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء

00:12:20.970 --> 00:12:23.970
وإن لك في ذلك سلفي صدق

00:12:23.970 --> 00:12:28.259
هما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان

00:12:28.259 --> 00:12:34.259
فدعى عمر بن عبد العزيز القاصم بن محمد وسالم بن عبد الله

00:12:34.259 --> 00:12:37.259
وطائفة من وجوه أهل المدينة

00:12:37.259 --> 00:12:40.259
وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين

00:12:40.259 --> 00:12:45.320
فسروا بما عزم عليه الخليفة وهبوا لإنفاذه

00:12:45.320 --> 00:12:49.320
فلما رأى الناس عالمي المدينة وإماميها الكبيرين

00:12:49.320 --> 00:12:53.320
يباشران هدم المسجد بأيديهما

00:12:53.320 --> 00:12:56.320
قاموا معهما قومة رجل واحد

00:12:56.320 --> 00:13:00.379
وأنفذوا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين

00:13:00.379 --> 00:13:03.379
وكانت جيوش المسلمين المظفرة

00:13:03.379 --> 00:13:09.379
تدق آنئذ أبواب الحصون المفضية إلى مدينة القستنطينية

00:13:09.379 --> 00:13:12.379
وتستولي عليها واحدا بعد آخر

00:13:12.379 --> 00:13:17.379
بقيادة الأمير الباسل مسلمة بن عبد الملك بن مروان

00:13:17.379 --> 00:13:21.379
وذلك تمهيدا لفتح القستنطينية نفسها

00:13:21.379 --> 00:13:25.480
فلما علم ملك الروم بعزم أمير المؤمنين

00:13:25.480 --> 00:13:28.480
على توسعة المسجد النبوي الشريف

00:13:28.480 --> 00:13:32.480
أحب أن يصانعه ويتقرب إليه بما يسره

00:13:32.480 --> 00:13:36.480
فبعث إليه بمائة ألف مثقال من الذهب

00:13:36.480 --> 00:13:42.480
وأرسل معها مائة عامل من أمهر البنائين في بلاد الروم

00:13:42.480 --> 00:13:46.480
وزود العمال بأربعين حملا من الفسيفساء

00:13:46.480 --> 00:13:51.610
فأرسل الوليد ذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز

00:13:51.610 --> 00:13:54.610
ليستعين به على بناء المسجد

00:13:54.610 --> 00:13:59.610
فأنفقه عمر بمشورة القاسم بن محمد وصاحبه

00:13:59.610 --> 00:14:04.240
ولقد كان القاسم بن محمد

00:14:04.240 --> 00:14:09.240
أشد الناس تأسيا بجده الصديق رضوان الله عليه

00:14:09.240 --> 00:14:11.240
حتى قال الناس

00:14:11.240 --> 00:14:15.240
لم يلد أبو بكر ولدا أشبه به من هذا الفتا

00:14:15.240 --> 00:14:20.240
فلقد أشبهه في كرم شمائله ونبل خصائله

00:14:20.240 --> 00:14:23.240
وصلابة إيمانه وشدة ورعه

00:14:23.240 --> 00:14:26.240
وسماحة نفسه وسخاء يده

00:14:26.240 --> 00:14:32.269
وقد أثر عنه كثير من الأقوال والأفعال تشهد له بهذا

00:14:33.269 --> 00:14:37.269
من ذلك أن أعرابيا جاءه إلى المسجد فقال

00:14:37.269 --> 00:14:42.269
أي ما أعلم أنت أم سالم بن عبد الله

00:14:42.269 --> 00:14:46.269
فتشاغل عنه فآعادها عليه

00:14:46.269 --> 00:14:51.269
فقال سبحان الله فآعادها كرة ثالثة

00:14:51.269 --> 00:14:56.269
فقال له ذاك سالم يبن أخي يجلس هناك

00:14:56.269 --> 00:15:00.299
فقال من في المجلس لله أبوه

00:15:00.299 --> 00:15:05.299
لقد كره أن يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه

00:15:05.299 --> 00:15:09.299
وكره أن يقول هو أعلم مني فيكذب

00:15:09.299 --> 00:15:11.299
وكان أعلم من سالم

00:15:11.299 --> 00:15:15.809
ولقد رؤي ذات مرة بمنى

00:15:15.809 --> 00:15:21.809
وأهل الأمصار من حجاج بيت الله يطبقون عليه من كل جانب

00:15:21.809 --> 00:15:23.809
وهم يسألونه

00:15:23.809 --> 00:15:26.809
فكان يجيبهم بما يعلم

00:15:26.809 --> 00:15:29.809
ويقول لهم فيما لا يعلمه

00:15:29.809 --> 00:15:33.840
لا أدري لا أعلم لا أدري

00:15:33.840 --> 00:15:35.840
فأخذهم منه العجب

00:15:35.840 --> 00:15:39.840
فقال لهم ما نعلم كل ما تسألون عنه

00:15:39.840 --> 00:15:42.840
ولو علمناه ما كتمناه

00:15:42.840 --> 00:15:45.840
ولا يحل لنا أن نكتمه

00:15:45.840 --> 00:15:50.840
ولأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعرف حق الله عليه

00:15:50.840 --> 00:15:56.570
خير له من أن يقول ما لا يعلم

00:15:56.570 --> 00:15:58.570
وفي ذات مرة

00:15:58.570 --> 00:16:02.570
فجهد إليه بقسمة الصدقات بين مستحقيها

00:16:02.570 --> 00:16:06.570
فاجتهد في ذلك ما وسعه لاجتهاد

00:16:06.570 --> 00:16:09.629
وأعطاك الذي حق حقه

00:16:09.629 --> 00:16:13.629
غير أن أحدهم لم يرضى عن نصيبه الذي أعطي له

00:16:13.629 --> 00:16:17.730
فآتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي

00:16:17.730 --> 00:16:20.730
وجعل يتكلم في أمر الصدقة

00:16:20.730 --> 00:16:22.730
فقال له ابنه

00:16:22.730 --> 00:16:25.730
والله إنك لتتكلم في رجل

00:16:25.730 --> 00:16:29.730
ما نال من صدقتكم درهما ولا دانقا

00:16:29.730 --> 00:16:32.730
ولا أصاب منها تمرة واحدة

00:16:32.730 --> 00:16:34.759
فأوجز القاسم صلاته

00:16:34.759 --> 00:16:37.759
والتفت إلى ابنه وقال

00:16:37.759 --> 00:16:42.759
يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم

00:16:42.759 --> 00:16:45.759
فقال الناس صدق ابنه

00:16:45.759 --> 00:16:48.759
ولكنه أراد أن يربية

00:16:48.759 --> 00:16:52.759
وأن يحفظ لسانه من التوسع في الكلام

00:16:52.759 --> 00:16:57.419
وقد عمر القاسم ابن محمد

00:16:57.419 --> 00:17:00.419
حتى نيف على الثانية والسبعين

00:17:00.419 --> 00:17:04.420
لكنه كف بصره وهو شيخ كبير

00:17:04.420 --> 00:17:07.490
وفي آخر سنة من حياته

00:17:07.490 --> 00:17:10.490
قصد مكة يريد الحج

00:17:10.490 --> 00:17:14.490
وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقين

00:17:14.490 --> 00:17:17.619
فلما أحس بالأجل

00:17:17.619 --> 00:17:19.619
التفت إلى ابنه وقال

00:17:19.619 --> 00:17:21.650
إذا أنامت

00:17:21.650 --> 00:17:25.650
فكفني بثياب التي كنت أصلي فيها

00:17:25.650 --> 00:17:28.650
قميصي وأزاري وردائي

00:17:28.650 --> 00:17:32.680
فذلك كان كفن جدك أبي بكر

00:17:32.680 --> 00:17:34.680
ثم سوي علي لحدي

00:17:34.680 --> 00:17:36.680
والحق بأهلك

00:17:36.680 --> 00:17:39.710
وأياكم أن تقفوا على قبري

00:17:39.710 --> 00:17:42.710
وتقولوا كان وكان

00:17:42.710 --> 00:17:44.710
فما كنت شيئا

00:17:44.710 --> 00:17:53.980
لو كان لي من الأمر شيء

00:17:53.980 --> 00:17:56.980
لوليت القاسم ابن محمد للخلافة

00:17:56.980 --> 00:17:59.980
عمر بن عبد العزيز

00:18:30.769 --> 00:18:32.769
ملأوا الحياة

00:18:32.769 --> 00:18:35.769
مفاخرا بالفعلهم

00:18:35.769 --> 00:18:39.799
وزهت بهم دنيا الأنا
