بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالاً جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله رجاء ابن حيوة رحمه الله كان في قرن التابعين ثلاثة رجال ما عرف أهل زمانهم لهم مثيلاً ولا رأوا لهم بريباً كأنهم التقوا على ميعاد فتواصوا بالحق والصبر وتعاهدوا على الخير والبر ووقفوا حياتهم على التقى والعلم وجعلوا أنفسهم في خدمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعامة المؤمنين وخاصتهم هم محمد بن سيرين بالعراق والقاصم بن محمد بن أبي بكر بالحجاز ورجاء ابن حيوة بالشام فتعالوا نقضي هذه اللحظات المباركات في رحاب ثالث هؤلاء الأخيار الأبرار رجاء ابن حيوة ولد رجاء ابن حيوة في بيسان من أرض فلسطين وكانت ولادته في آخر خلافة عثمان بن عفان أو نحو من ذلك وكان ينتمي إلى قبيلة كندة العربية وعلى هذا فرجاء فلسطيني الوطن عربي الأرومة كندي العشيرة وقد نشأ الفتا الكندي في طاعة الله منذ حداثة سنه فأحبه الله وحببه إلى خلقه وأقبل على طلب العلم من نعومة أظفاره فوجد العلم فؤاده غضا طريا خاليا فتمكن منه واستقر فيه وجعل همه الأكبر التضلع من كتاب الله واتزود من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستضاء فكره بنور القرآن واستنارت بصيرته بهدي النبوة وامتلأ صدره بالموعظة والحكمة ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وقد أتيح له أن يأخذ عن طائفة كبيرة من جلة الصحابة من أمثال أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي أمامة وعبادة ابن الصامت ومعاوية ابن أبي سفيان وعبد الله بن عمر بن العاص والنواس بن سمعان وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين فكانوا له مصابيح هداية ومشاعل عرفان وقد وضع الفتا المحظوظ لنفسه دستورا ظل يلتزم به ويردده ما امتدت به الحياة حيث كان يقول ما أحسن الإسلام يزينه الإيمان وما أحسن الإيمان يزينه التقى وما أحسن التقى يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق وقد وزر رجاء بن حيوة لطائفة من خلفاء بني أمية ابتداءً من عبد الملك بن مروان وانتهاءً بعمر بن عبد العزيز لكن نصلته بسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز فاقد صلاته بمن سبقهما من الخلفاء وقد أدناه من قلوب خلفاء بن أمية رجاحة في رأيه وصدق في لهجته وإخلاص في نيته وحكمة في معالجته الأمور ثم توج ذلك كله بزهده بما في أيديهم من عرض الدنيا مما كان يتزاحم عليه المتزاحمون وقد كان اتصاله بخلفاء بن أمية من عظيم رحمة الله بهم وجزيل إكرامه لهم فلقد دعاهم إلى الخير ودلهم على طرقه وثناهم عن الشر وأوصد دونهم أبوابه وأراهم الحق وزين لهم اتباعه وبصرهم بالباطل وكره إليهم إتيانه فنصح لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم ولقد وقعت لرجاء قصة أنارت له طريقه في مخالطة الخلفاء وحددت له مهمته معهم رواها بنفسه فقال إني لواقف مع سليمان بن عبد الملك في جموع من الناس إذ رأيت رجلا يتجه نحونا وسط الزحام وكان حسن الصورة جليلة الهيئة فما زال يشق الصفوف وأنا ما أشك أنه يروم الخليفة حتى حاذاني ووقف إلى جانبي ثم حياني وقال يا رجاء إنك قد ابتليت بهذا الرجل وأشار إلى الخليفة وإن في القرب منه الخير الكثير أو الشر الكثير فاجعل قربك منه خيرا لك وله ولناس وعلم يا رجاء أنه من كانت له منزلة من السلطان فرفع إليه حاجة مرئ ضعيف لا يستطيع رفعها لقي الله جل وعز يوم يلقاه وقد ثبت قدميه للحساب واذكر يا رجاء أن من كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته وعلم يا رجاء أن من أحب الأعمال إلى الله جل وعز إدخال الفرح على قلب مرئ مسلم وفيما كنت أتأمل كلامه وأترقب أن يزيدني منه ناد الخليفة قائلا أين رجاء بن حيوة فانعطفت نحوه وقلت ها أنا ذا يا أمير المؤمنين فسألني عن شيء فما كنت أفرغ من جوابه حتى التفدت إلى صاحبي فلم أجده فنفضت المكان عنه نفضا فلم أقع له على أثر بين الناس ولقد كانت لرجاء بن حيوة مع خلفاء بني أمية مواقف صدق ما زال يكنها التاريخ في أزهى صفحاته ويرويها الخلف عن السلف من ذلك أنه كان ذات يوم في مجلس عبد الملك بن مروان فوصف للخليفة رجل بسوء طويته على بني أمية وقيل له إنه يشايع بن الزبير وينتصر له وذكر الواشي له من أفعاله وأقواله ما أثار حفيظته فقال والله لإن أمكنني الله منه لأفعلن ولأفعلن ولأضعن السيف في عنقه ولم يمضي طويل وقت حتى أمكنه الله من الرجل وسيق إليه سوقا فلما وقعت عيناه عليه كاد يتميز من الغيظ وهم بأن ينفذ وعيده به فقام إليه رجاء بن حيوة وقال يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز قد صنع لك ما تحبه من القدرة فاصنع لله ما يحبه من العفو فسكنت نفس الخليفة وسكت عنه غضبه وعفا عن الرجل وأطلق سراحه وأحسن إليه وفي سنة 91 حج الوليد بن عبد الملك وبصحبته رجاء بن حيوة فلما بلغ المدينة زارا مسجدها النبوي الشريف يرافقهما عمر بن عبد العزيز وقد رغب الخليفة في أن ينظر إلى الحرم النبوي نظرة آناة وروية إذ كان قد عقد العزم على توسعته حتى يكون مئتي ذراع فأخرج الناس من المسجد ليتمكن الخليفة من تأمله ولم يبق فيه غير سعيد بن المسيب إذ لم يجرؤ الحرس على إخراجه فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز وكان يومئذ واليا على المدينة رسولا يقول له لو خرجت من المسجد كما خرج الناس فقال سعيد بن المسيب لا أغادر المسجد إلا في الوقت الذي اعتدت أن أغادره فيه كل يوم فقيل له لو قمت فسلمت على أمير المؤمنين فقال إنما جئت إلى هنا لأقوم لرب العالمين فلما عرف عمر بن عبد العزيز فقال بين رسوله وسعيد بن المسيب جعل يعدل بالخليفة عن المكان الذي فيه سعيد وأخذ رجاء بن حيوة يشاغله بالكلام لما كانا يعلمان من شدة عنفوان الخليفة فقال لهم الوليد من ذلك الشيخ أليس هو سعيد بن المسيب فقال بلى يا أمير المؤمنين وفقا يصفان من دينه وعلمه وفضله وتقواه الشيء الكثير ثم قال ولو علم الشيخ بمكان أمير المؤمنين لقام إليه وسلم عليه ولكنه ضعيف البصر فقال الوليد إني لأعلم من حاله مثل ما تذكران وهو أحق أن نأتيه ونسلم عليه ثم دار في المسجد حتى أتاه ووقف عليه وحياه وقال كيف الشيخ فلم ينهض من مكانه وقال بنعمة من الله وله الحمد والمنة فكيف أمير المؤمنين وفقه الله لما يحبه ويرضاه فانصرف الوليد وهو يقول هذا بقية الناس هذا بقية سلف هذه الأمة ولما أفضت الخلافة إلى سليمان بن عبد الملك كان لرجاء بن حيوة عنده شأن يفوق شأنه عند سابقه فقد كان سليمان عظيم الثقة به شديد لاعتماد عليه حريصا على أن يأخذ برأيه في صغير الأمور وكبيرها ومواقف رجاء بن حيوة مع سليمان بن عبد الملك كثيرة مثيرة بيد أن أكبرها شأنا وأعظمها على الإسلام والمسلمين خطرا موقفه من أمر ولاية العهد وأثره في البيعة لعمر بن عبد العزيز حدث رجاء بن حيوة قال لما كان أول يوم جمعة من شهر صفر سنة 99 كنا مع أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك بدابق وكان قد أرسل جيشا لجبا إلى القسطنطينية بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك ومعه ابنه داوود وطائفة كبيرة من آل بيته وقد آلى على أن لا يبرح مرج دابق حتى يفتح الله عليه القسطنطينية أو يموت فلما اقترب موعد صلاة الجمعة توضأ الخليفة فأحسن الوضو ثم لبس حلة خضراء واعتم بعمامة خضراء ونظر في المرآة نظرة معجب بنفسه مزهو بشبابه وكان في نحو الأربعين من عمره ثم خرج ليصلي بالناس الجمعة فلم يرجع من المسجد إلا وهو موعوك ثم أخذ يثقل عليه المرض يوما بعد يوم وقد سألني أن أظل قريبا منه فدخلت عليه ذات مرة فوجدته يكتب كتابا فقلت ما تصنع يا أمير المؤمنين فقال أكتب كتابا أعهد به إلى ابني أيوب فقلت يا أمير المؤمنين إن مما يحفظ الخليفة في قبره ويبرئ ذمته عند ربه أن يستخلف على الناس الرجل الصالح غلام لم يبلغ الحلم بعد ولم يتبيل لك صلاحه من طلاحه فتراجع وقال إنه كتاب كتبته وأنا أريد أن أستخير الله فيه ولم أعزم عليه ثم مزق الكتاب ومكث بعد ذلك يوما أو يومين ثم دعاني وقال ما رأيك في ولدي داوود يا أبا المقدام فقلت هو غائب مع جيوش المسلمين في القستنطينية وأنت لا تدري الآن أحي هو أميت فقال فمن ترى إذا يا رجاء فقلت أرأي لك يا أمير المؤمنين وكنت أريد أن أنظر في من يذكرهم لكي أستبعدهم واحدا واحدا حتى أصل إلى عمر بن عبد العزيز فقال كيف ترى عمر بن عبد العزيز فقلت ما علمته والله إلا فاضلا كاملا عاقلا دينا فقال صدقت إنه والله لكذلك ولكنني إن وليته وأغفلت أولاد عبد الملك لتكون النفتنة ولا يتركونه يلي عليهم أبدا فقلت أشرك واحدا منهم واجعله بعده فقال أصبت فإن ذلك مما يسكنهم ويجعلهم يرضونه ثم أخذ الكتاب وكتب بيده بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز إني وليته الخلافة من بعدي وجعلتها من بعده ليزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع الطامعون فيكم ثم ختم الكتاب وناولني إياه ثم أرسل إلى كعب بن حامز صاحب الشرطة وقال له أدعو آل بيتي فليجتمعوا وأعلمهم أن الكتاب الذي في يد رجاء بن حيوة هو كتابي ومرهم بأن يبايعوا لمن فيه قال رجاء فلما اجتمعوا قلت لهم هذا كتاب أمير المؤمنين قد عهد فيه للخليفة من بعده وقد أمرني أن آخذ منكم البيعة لمن والله فقالوا سمعا لأمر أمير المؤمنين وطاعة لخليفته من بعده وطلبوا أن أستأذن لهم على أمير المؤمنين للسلام عليه فقلت نعم فلما دخلوا عليه قال لهم إن هذا الكتاب الذي في يد رجاء بن حيوة هو كتابي وفيه عهدي للخليفة من بعدي فاسمعوا وأطيعوا لمن وليت وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب فطفقوا يبايعون رجلا رجلا ثم خرجت بالكتاب مختوما لا يعلم أحد من الخلق ما فيه غيري وغير أمير المؤمنين فلما تفرق الناس جاءني عمر بن عبد العزيز فقال يا أبى المقدام إن أمير المؤمنين رجل حسن الظن بي وكان يوليني من كريم بره وصاف وداده الشيء الكثير وأنا أخشى أن يكون قد أسند إلي من هذا الأمر شيئا فأنشدك الله وأسألك بحرمتي وما ودتي أن تعلمني إن كان في كتاب أمير المؤمنين شيء يخصني حتى أستعفيه من ذلك قبل فوات الفرصة فقلت له لا والله ما أنا بمخبرك حرفا واحدا مما سألت عنه فتولى عني وهو غضبان ثم ما لبث أن جاءنيه شام بن عبد الملك وقال يا أبى المقدام إن لي عندك حرمة ومودة قديمة وإن لك عندي شكرا جزيلا فأعلمني بما في كتاب أمير المؤمنين فإن كان هذا الأمر إلي سكت وإن كان لغيري تكلمت فليس مثلي من ينحى عن هذا الأمر ولك عهد الله ألا أذكر اسمك أبدا فقلت له لا والله لا أخبرك بحرف واحد مما أسر به إلي أمير المؤمنين فانصرف وهو يضرب كفا بكف ويقول لمن يكون هذا الأمر إذا أنا نحيت عنه أتخرج الخلافة من بني عبد الملك والله إني لعين أولاد عبد الملك ثم دخلت على سليمان بن عبد الملك فإذا هو يجود بروحه فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت أحرفه نحو القبلة فكان يقول لي وهو يشهق لم يأني ذلك بعد يا رجاء حتى فعلت ذلك مرتين فلما كانت الثالثة قال الآن يا رجاء إن كنت تريد أن تفعل شيئا ففعل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فحرفته نحو القبلة فما لبث أن أسلم روحه عند ذلك أغمضت عيني وسجيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب عليه وخرجت فأرسلت إلي زوجته تسألني عنه وتطلب أن تنظر إليه فشققت عنه الباب وقلت لرسولها أنظر إليه لقد نام الساعة بعد سهر طويل فدعوه فرجع فأخبرها فقبلت ذلك وأيقنت أنه نائم ثم أحكمت إغلاق الباب وأجلست عنده حارسا أثق به وأوصيته ألا يتزحزح عن مكانه حتى أعود وألا يدخل على الخليفة أحدا أبدا كائنا من كان ومضيت فلقيني الناس وقالوا كيف أمير المؤمنين فقلت لم يكن منذ مرض أسكن منه الآن ولا أهدأ فقالوا الحمد لله ثم أرسلت إلى كعب بن حامز صاحب الشرطة فجمع أهل بيت أمير المؤمنين جميعا في مسجد دابق فقلت بايعوا لمن في كتاب أمير المؤمنين فقالوا قد بايعنا مرة ونبايع أخرى فقلت هذا أمر أمير المؤمنين بايعوا على ما أمر به ولمن سما في هذا الكتاب المخطوم فبايعوا رجلا رجلا لما رأيت أني قد أحكمت الأمر قلت إن صاحبكم قد مات وإنا لله وإنا إليه راجعون وقرأت عليهم الكتاب فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز ناداه شام بن عبد الملك لا نبايعه أبدا فقلت إذا والله أضرب عنقك قم فبايع فقام يجر رجلي فلما انتهى إلى عمر قال إنا لله وإنا إليه راجعون وهو يسترجع لمصير الخلافة إلى عمر دونه ودون إخوته من أولاد عبد الملك وقال عمر إنا لله وإنا إليه راجعون وكان يسترجع لمصير الخلافة إليه على كره منه فكانت بيعة جدد الله فيها للإسلام شبابة ورفع للدين مناره فطوبا لخليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك فقد أبرأ ذمته أمام الله بتوليته الرجل الصالح وهنيئا لوزير الصدق رجاء بن حيوة فقد نصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وجزى الله البطانة الصالحة الخير ولقاها الأجر فبسنا رأيها يهتد الأخيار المحظوظون الموفقون من ذوي السلطان إن في كندة لثلاثة رجال ينزل الله بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء أحدهم رجاء بن حيوة مسلمة بن عبد الملك رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا