رياض الصالح من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها قال الله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وقال تعالى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى وقال تعالى إن تبدو الصدقات فنعم ما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير وقال تعالى لن تنال البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرة معلومة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها متفق عليه وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناة الليل وآناة النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناة الليل وآناة النهار متفق عليه الآناة الساعات وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم فقال وماذاك فقالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم الدثور الأموال الكثيرة والله أعلم ذهب أي حاز واختص بالدرجات العلا أي الدرجات الرفيعة وهي القرب من الله تعالى النعيم المقيم أي نعيم الجنة الذي لا ينقضي أبدا يعتقون أي يحررون الرقاب من فوائد الحديث حرص الصحابة رضي الله عنهم على فعل الخيرات وتنافسهم في أمور الآخرة واستكثارهم من ذلك ما كان عليه السلف الصالح من إنفاق المال في سبيل الله وقيامهم بواجب شكره رجاءً لما عند الله وجوه الخير كثيرة وطرق تحصيل الأجر متعددة ومتنوعة حرص فقراء المهاجرين على التعلم حيث قالوا بلى يا رسول الله أي نريد أن نتعلم ذلك لنعمل به لنلحق من سبق ونحوز به على فضل السبق على من بعدنا من أراد أن يتعلم أمرا ينبغي عليه أن يسأل أهل العلم ليفتوه فضل الله عظيم يؤتيه من يشاء ولا يحق للمر الاعتراض عليه سبحانه فيما تفضل به على عباده لأن ذلك لا ينافي حكمته وعدله وليعلم المر أن العطاء من الله امتحان والمنع منه سبحانه ابتلا فالمؤمن يشكر عند العطاء ويصبر عند المنع ويعلم أن كل ذلك بقدر جواز مراقبة أهل الخير والعلم إن كان ذلك لا يعود عليهم بالضرر قال الله تعالى كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وإدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وقال تعالى وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت وقال تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاصرون وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون وقال تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون إلى قوله تعالى كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العددين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون أفا حسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون وقال تعالى ألم يأني للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون والآيات في الباب كثيرة معلومة وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك رواه البخاري وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه وهذا لفظ البخاري وفي رواية لمسلم يبيت ثلاث ليال قال ابن عمر ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي من فوائد الحديث استحباب المبادرة إلى كتابة الوصية لأن المرأة لا يعلم متى يأتيه الموت وكتابة الوصية لا تقتصر على المريض ينبغي للمؤمن أن يكون ذاكرا للموت ومستعدا له استجابة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يبيت ليلة إلا ووصيته مكتوبة عنده وعن أنس رضي الله عنه قال خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطا فقال هذا الإنسان وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاء الخط الأقرب رواه البخاري وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط خطا في الوسط خارجا منه وخط خطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط فقال هذا الإنسان وهذا أجله محيطا به أو قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراب فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا رواه البخاري من فوائد الحديث جواز ضرب المثل واتخاذ وسائل الإضاح عند التعليم ليكون أبلغ في التصور عند التلقي تحذير الإنسان من فجأة الموت وهو على غير استعداد له بالعمل الصالح الموت لا يأتي إلا بغته الدنيا ملأ بالمشاق فمن صبر عليها أجر أمل الإنسان أكثر من عمره فلذلك يظن أنه سيحقق آماله قبل قضاء أجله ولكن الموت قد يفاجئه على الإنسان أن يسارع للتوبة فإنه لا يعلم ماذا يكسب غدا ولا يعلم متى يموت ولا في أي أرض يموت وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنا مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر رواه الترمذي وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت رواه الترمذي هاذم اللذات أي قاطعها وقيل هادم بالدال المهملة أي مزيلها من أصلها من فوائد الحديث يسن لكل مسلم صحيح أو مريض ذكر الموت بقلبه ولسانه والإكثار منه حتى يكون نصب عينيه لأن ذلك أسجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة لأن الموت منغص للذات ذاكر الموت إن كان في ضيق والسعه عليه وإن كان في سعة ضيقها عليه ولذلك يكون دائماً مستعداً للرحيل وعن أبي بن كعب رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت الربع قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت فالنصف قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت فالثلثين قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك رواه الترمذي الراجفة أي النفخة الأولى الرادفة أي النفخة الثانية من صلاتي أي من دعائي من فوائد الحديث أفضل القيام ما كان في ثلث الليل الآخر الموت قريب من العبد ولكن أكثر الناس غافلون عنه فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر المشروع والذي تطمئن به القلوب وتذهب الهموم والأحزان رياض الصالح يا رياض الصالحين