بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطِّر حظوفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدين باب ما جاء في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن وقال ربقني عذابك يوم تبعث عبادك وفي رواية يوم تجمع عبادك في هذا الحديث ثلاثة آداب تستحب للمسلم عندما يأوي إلى فراشه الأول الاطجاع على الشق الأيمن والثاني وضع الكف اليمنى تحت الخد الأيمن والثالث أن يقول ربقني عذابك يوم تبعث عبادك أي أسألك يا ربي أن تجيرني من عذابك يوم تبعث عبادك للحساب يقول ذلك صلى الله عليه وسلم مع أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر تواضع لله سبحانه وتعالى وإجلالا له وتعليما لأمته أن يقول ذلك عند النوم لاحتمال أن يكون هذا آخر العمر فيكون خاتمة عملهم ذكر الله تعالى مع التوبة والاعتراف بالتقصير وعن حذيفة رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال اللهم باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه أي اتجع عليه لينام قال اللهم باسمك أموت وأحيا أي بذكر اسمك أحيا ما حييت وعليه أموت وقوله وإذا استيقظ أي إذا انتبه من نومه قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا أي رد علينا أنفسنا بعد قبضها عن التصرف بالنوم وأطلق الموت على النوم لأنه يزول معه العقل والحركة ومن ثم قالوا النوم أخ الموت وقوله وإليه النشور النشور هو الإحيا أو للبعث فنبه صلى الله عليه وسلم بإعادة اليقظة بعد النوم الذي هو كالموت على إثبات البعث بعد الموت وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفي فنفث فيهما وقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجه وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع إلى فراشه ودخل فيه يذكر الله تعالى على صفة معينة سنأتي على ذكرها وقولها كل ليلة هذا يدل على مواضبته التأمة على هذا الذكر حتى إنه صلى الله عليه وسلم في مرض موته لما أثقل واشتد به الإعياء كان يأمر عائشة رضي الله عنها أن تفعل ذلك به عناية بهذا الذكر المبارك وهذا الذكر المقصود هو جمع كفيه بأن يضم إحد الكفين إلى الأخرى مع إلصاقهما وإلصاق أصابعهما ثم يقرأ فيهما وينفث قل هو الله أحد والمعوذتين ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده وما أدبر ويحاول أن يعمم بمسح الكفين على كامل الجسد ففي لفظ للحديث في الصحيح وما بلغت يداه من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات وهذا المسح فيه بركة على البدن ففيه حفظ من الشيطان فلا يستطيع أن يأتيه من أي جهة لأنه محصن بهذه الآيات وفيه أيضا حفظ من الهوام والحشرات المؤذية وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ فأتاه بلال فآذنه بالصلاة فقام وصلى ولم يتوضى وفي الحديث قصة في هذا الحديث يذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ والنفخ هنا صوت يصدر من النائم ويعلم به أنه مستغرق في النوم وقوله فأتاه بلال فآذنه بالصلاة أي أعلمه ودعاه للصلاة وقوله فقام وصلى ولم يتوضى قال العلماء هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم فكان عليه الصلاة والسلام تنام عيناه ولا ينام قلبه فيكون كاليقظان فلو خرج منه شيء لشعر به وقوله وفي الحديث قصة يقصد ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال بت عند ميمونه فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتى حاجته فغسل وجهه ويديه ثم نام ثم قام فأتى القربة فأطلق شناقها ثم توضأ وضوء بين وضوءين فصلى فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أتقيه فتوضأت فقام يصلي فقمت عن يساره فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة ثم اطجع فنام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم مما لا كافي له ولا مؤوي هذا الحديث ذكر الدعاء عند النوم وهو قول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا أي الحمد لله الذي من علينا بالطعام الذي يحصل به غذاء الجسم ومن علينا بالشراب الذي يحصل به الري وذهاب العطش وإنما ذكرهما عند النوم لأن الحياة لا تتم إلا بهما وقوله وكفانا من الكفاية أي دفع عنا شر خلقه ووقانا أذى الغوائل والعاديات وكفانا الأمور التي نحن مهتمون لها وساعون في حصولها وقوله وأوانا أي من علينا بالمأوى في مسكن نسكن فيه يقينا الحر والبرد ونحجب به عيالنا وقوله فكم مما لا كافي له ولا مؤوي أي كثير من خلق الله لا يكفيهم الله شر الأشرار ولا يجعل لهم مسكنا بل تركهم يتأذون في الصحاري بالبرد والحر ولم يكن حالنا كحال الدواب بأيضا التي تنام منتشرة في العراء أي كثير منهم كذلك وفي هذا الدعاء عند النوم ثناء على الله عز وجل وحمده سبحانه على سوابغ نعمائه وتوالي فضله وعطائه وجزيل مواهبه وسعة إحسانه وهو سبحانه أهل الحمد والثناء وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عرس بليل اضطجع على شقه الأيمن وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عرس بليل اضطجع على شقه الأيمن التعريس هو نزول المسافر والمراد أنه صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه بليل وكان في الوقت متسع كافل للراحة فإنه ينام على شقه الأيمن وقوله وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه أي أنه إذا احتاج إلى النوم قبيل الصبح والوقت ضيق أقام صلى الله عليه وسلم ساعده لتكون منتصب ووضع رأسه على كفه اهتماما منه صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر ورعاية لها لأن الإنسان إذا نام على هذه الصفة لا يستغرق في نومه قال ابن الجوزي رحمه الله وإنما كان يفعل في آخر الليل خوفا أن يغلبه النوم وقال القاري رحمه الله ولعل حكمته تعليم أمته بذلك لأن لا يثقل بهم النوم فيفوتهم صلاة الصبح عن وقتها وفي الحديث جواز النوم قبيل دخول وقت الصلاة وذلك لمن يعلم من نفسه أنه يستيقظ أو يوجد من يوقظه فائدة قال ابن القيم رحمه الله من تدبر نومه ويقظته صلى الله عليه وسلم وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى فإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ في أول النصف الثاني فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له فيأخذ البدن والأعضاء والقوى وحظها من النوم والراحة وحظها من الرياضة مع وفور الأجر وهذا غاية صلاح القلب والبدن والدنيا والآخرة ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه وكان يفعله على أكمل الوجوه فينام إذا دعته الحاجة ويضع يده على شقه الأيمن ذاكرا لله حتى تغلبه عيناه غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب ولا مباشر بجنبه الأرض ولا متخذ للفرش المرتفعة بل له ضجاع من أدم حشوه ليف وكان يضطجع على الوسادة ويضع يده تحت خده أحيانا وانتهى كلامه فجاء الهدي النبوي في النوم هديا كاملا شاملا يعين على سمو الروح وصحة البدن للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين