رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد قال الله تعالى وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا وقال تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وأيذا وعد أخلف وأيذا أتو من خان واتفق عليه زاد في رواية لمسلم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاقي حتى يدعها إذا أتو من خان وأيذا حدث كذب وأيذا عاهد غدر وأيذا خاص ما فجر متفق عليه خصلة أي صفة غدر أي نقض ماتفق عليه فجر أي بالغ في الخصام ومال عن الحق من فوائد الحديث في الحديث السابق ذكر ثلاث خصال وفي هذه أربع فالعدد لا يفيد الحصر فلا منافات بينهما من صفات المنافق الفجور في الخصومة وعن جابر رضي الله عنه قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر رضي الله عنه فنادا من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا فأتيته وقلت له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي كذا وكذا فحثى لي حثية فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال لي خذ مثليها متفق عليه هكذا وهكذا وهكذا إشارة إلى كيفية الأخذ ثلاثا قبض أي توفي عدة أي شيء وعده به فحثى لي حثية أي غرف لي من المال بيديه من فوائد الحديث استحباب الوفاء بالوعد وإنفاذ العهد كما فعل أبو بكر رضي الله عنه لما قام مقام النبي صلى الله عليه وسلم تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع لذا وفى جميع ما عليه صلى الله عليه وسلم من دين أو عدة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الوفاء بالوعد وإنجاز العهد خبر الواحد حجة بنفسه ولذلك بادر الصديق إلى إعطاء جابر اعتمادا على خبره وتصديقا له باب المحافظة على ما اعتاده من الخير قال الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم وقال تعالى ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا والأنكاث جمع نكث وهو الغزل المنقوظ وقال تعالى ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وقال تعالى فما رعوها حق رعايتها عن عبد الله بن عمر بن العاصر رضي الله عنهما قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل متفق عليه باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء قال الله تعالى واخفض جناحك للمؤمنين وقال تعالى ولو كنت فضا غليض القلب لن فضوا من حولك عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والكلمة الطيبة صدقه متفق عليه وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق رواه مسلم باب استحباب بيان الكلام وإضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا رواه البخاري من فوائد الحديث تكرار السلام والكلام عند خشة عدم السماع أو الفهم أمر مستحب التكرار ثلاث مرات غالبا ما يقع فيه البيان بيان أسلوب الخطاب والكلام في التعليم والوعض وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه رواه أبو داوود فصلا أي بينا ظاهرا من فوائد الحديث وجوب وضوح الكلام وعدم الغموض فيه وبيان مقصد الحديث وعدم التردد في بيان الحق الذي يتكلم به ينبغي على المتحدث أن يفهم السامعين حديثة حتى لا يخفى على بعضهم بعضه إسماع وإيصال الصوت قدر الاستطاعة لكل مستمع لتحصل الفائدة من الحضور ينبغي على الداعي إلى الله أن يبذل كل جهده ليصل كلامه إلى كل من أحب سماعة ينبغي على الداعي أن يكون رحيما بالمدعوين في إيصال الحق لهم حريصا عليهم ومهتما بأمرهم أكثر من أمره باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع استنصت الناس ثم قال لا ترجعوا بعد كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض متفق عليه من فوائد الحديث جواز طلب العالم من الناس لاستماع له وتوكيل من يبلغهم ذلك أو من يقدر على إسكاتهم الإنصات للعلماء لازم للمتعلمين لأن العلماء ورثة الأنبياء أول العلم لاستماع ثم الإنصات ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر نهي النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الرجوع إلى ما كانت عليه في جاهليتها من استباحة دماء بعضها بعضا قتال أهل الإسلام بعضهم البعض مشابهة لأهل الكفر الذين أمرنا الله أن نتنزه عن مشابهتهم في أي أمر من الأمور وأن نتميز عنهم في كل شي حتى نكون خير أمة أخرجت للناس الحديث من دلائل النبوة ففيه إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستضع السيف على عاتقها وتبيد خضراءها بنفسها فنهاهم عن ذلك باب الوعض والاقتصاد فيه قال الله تعالى أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظات الحسنة عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم فقال أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا متفق عليه يتخولنا يتعهدنا السآمة أي الملل والضجر من فوائد الحديث استحباب التخول في الوعض خشية الملال بيان أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل يستحب أن يجعل الوعض موعظته مشوقة حتى يقبل الناس على استماعها ولا يكون ذلك إلا بالعلم المصاحب للعمل عدم استجابة الوعض لكل ما يطلب منه بل يقدر بنفسه مقدار ما يصلح في كل أمر من الأمور لأنه ينظر من بصيرة علمه والناس يتعاملون باندفاع عواطفهم وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقه فأعطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة رواه مسلم مئنة أي علامة دالة على فقه من فوائد الحديث صلاة الجمعة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة لا يكون التطويل بما يدخل المشقة على المصلين وينفر الضعيفة وذلحاجة إعطاء الأمور حقها ووضعها في نصابها وإتيانها من بابها الذي شرعه الله لا يتأتى إلا بالفقه في الدين وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرمان القوم بأبصارهم فقلت وا ثكل أميا ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكنني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم قلت ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم ولا يصدنهم رواه مسلم الثكل المصيبة والفجيع ما كهرني أي ما نهرني من فوائد الحديث جواز الفعل القليل في الصلاة لحاجة وأن بطلان الصلاة بالحركة لا يقيد بثلاث حركات بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شهد الله تعالى له به رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالجاهل ورأفته بأمته وشفقته عليهم تحريم الكلام في الصلاة سواء أكان لحاجة أو لغيرها وسواء أكان لمصلحة الصلاة أو غيرها كلام الجاهل لحاجة في الصلاة لا يبطلها إن كان قليلا ولم يخرجها عن كونها صلاة بكلامه أنهي عن تشميط العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عالما عامدا تحريم إتيان الكهان وذلك لأنهم يتكلمون في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل الذهاب إلى الكهان محرم بالإجماع ومن ذهب إليهم لم تقبل له صلاة أربعين يوما ومن سألهم فصدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الطيرة ينبغي ألا تمنع المسلم من فعل العمل الذي أقدم عليه وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وذكر الحديث وقد سبق بكماله في باب الأمر بالمحافظة على السنة رياض الصالحين