التفريغ النصي
0:01
يدخُلُ شهرُ التقوى والصوم، فتفتحُ أبوابُ الجنة، وتُغلقُ أبوابُ السعير، وتُصفَّدُ الشياطين ومردَةُ الجن، ويُنادي مُنادِ الخير أن أقبِل
0:15
فينقطِعُ جانبٌ كبيرٌ من وسوسةِ الإثم، وتزدهِرُ النفسُ في رياضِ الخير، وينتعِشُ الإيمانُ في ربوعِ القلب
0:25
ثمَّ ينقضِي هذا الموسم، والعبدُ في أحسنِ حال، وبعدَ ذلك، يا تُرى ماذا يكون
0:34
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الدَّاءُ والدَّواء
0:41
أقبلَ ملكُ الكثرةِ بجنودِهِ وعساكرِهِ، فوجدَ القلبَ في حِصنِهِ جالِسًا على كُرسيِ مملكتهِ
0:49
أمرُهُ نافذٌ في أعوانِهِ، وجندُهُ قد أحاطُو بهِ، يُقاتِلونَ عنهُ ويُدافِعونَ عن حوزتهِ
0:56
فلم يُمكِنهمُ الهُجومُ عليهِ إلا بمُخامرةِ بعضِ أمرائِهِ وجُندِهِ عليهِ
1:02
فاسألَ عن أخصِّ الجُندِ بهِ وأقربِهِ منهُ منزلَهِ
1:06
فقيلَ لهُ هي النفسِ
1:08
فقالَ الأعوانِ ادخُلوا عليها من مُرادِها، وانظُروا مواقعَ محبَّتِها وما هو محبوبُها
1:15
فعِدُوها بهِ ومنُّوها إياهِ
1:18
وانقُشوا صورةَ المحبوبِ فيها في يقضَتِها ومنامِها
1:22
فإذا اطمأنَّت إليهِ وسكنَت عندَهِ
1:25
فاطرحوا عليها كلاليبَ الشهوةِ وخطاطيفَها
1:29
ثم جُرُّوها بها إليكم
1:31
فإذا خامرت على القلبِ وصارت معكم عليه
1:35
ملكتم ثغرَ العينِ والأذنِ واللسانِ والفمِ واليدِ والرجل
1:39
فرابطوا على هذه الثُغورِ كلَ المرابطة
1:43
فمتى دخلتم منها إلى القلبِ فهو قتيلٌ أو أسير
1:47
أو جريحٌ مُثخنٌ بالجراحات
1:49
ولا تُخلُّوا هذه الثُغور
1:52
ولا تُمكنُوا سريَّةً تدخُلُ منها إلى القلبِ فتُخرِجُكم منه
1:56
وإن غُلِبتم فاجتهِدوا في إضعافِ السريَّةِ ووهنِها حتى لا تصل إلى القلب
2:02
فإن وصلت إليهِ وصلَت ضعيفةًا لا تُغني عنه شيئًا
2:06
فإذا استوليتم على هذه الثُّغور
2:09
فامنَعوا ثغرَ العينِ أن يكون نظرُه اعتبارًا
2:12
بل اجعلوا نظرَه تفرُّجًا واستحسانًا وتلهيًا
2:16
فإن استرقَّ في نظرةِ عبرةٍ فأفسِدوها عليهِ بنظرةِ الغفلةِ والاستحسانِ والشهوةِ
2:23
فإنها أقربُ إليهِ وأعلقُ بنفسِهِ وأخفُّ عليهِ
2:27
ودونكم ثغرَ العينِ فإن منه تنالون بغيتكم
2:33
فإني ما أفسدتُ بني آدم بشيءٍ مثل النظر
2:36
فإني أبذُرُ بهِ في القلبِ بذرَ الشهوة
2:39
ثم أسقيهِ بماءِ الأمنية
2:42
ثم لا أزالُ أعدُه وأمنيهِ حتى أقوِّ عزيمته
2:46
وأقودُه بزمامِ الشهوةِ إلى الانخلاعِ من العصمة
2:50
فلا تُهمِلُوا أمرَ هذا الثغر
2:52
وأفسِدوهُ بحسبِ استطاعتِكم
2:55
وهوِّنوا عليهِ أمرَه
2:56
وقولُوا له
2:58
مقدارُ نظرةٍ تدعوك إلى تسبيحِ الخالقِ والرازقِ البديع
3:02
وحسنُ هذه الصورة
3:04
إنما خُلِقت ليستدلَّ بها الناظرُ عليه
3:07
وما خلقَ اللهُ لكَ العينَينِ سُدى
3:10
وما خلقَ اللهُ هذه الصورةَ ليحجِبَها عن النظر
3:15
ثمَّ منعُوا ثغرَ الأذنِ أن يدخُلَ عليهِ ما يُفسِدُ عليكمُ الأمر
3:19
فاجتهِدوا ألا تُدخِلُوا منهُ إلا الباطل
3:22
فإنهُ خفيفٌ على النفس
3:24
تستحليهِ وتستملِحُه
3:26
وتخيَّروا لهُ أعذَبَ الألفاظِ وأسحَرَها للألباب
3:30
وامزِجوهُ بما تهوى النفسُ مزجا
3:33
وألقُوا الكلمة
3:35
فإن رأيتُم منهُ إصغاءً إليها
3:37
فزيدوهُ بأخواتها
3:39
فكلما صادفتم منهُ استحسانَ شيءٍ
3:42
فالهجُوا لهُ بذكره
3:44
وأياكم أن يدخُلَ من هذا الثغر شيءٌ من كلامِ الله
3:48
أو كلامِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم
3:51
أو كلامٍ نُصحاء
3:53
فإن غُلبتم على ذلك
3:54
ودخلَ شيءٌ من ذلك
3:56
فحُولوا بينه وبين فهمه وتدبُّره
3:59
والتفكُّر فيه والاتعاضِ به
4:02
إما بإدخارِ ضدهِ عليه
4:04
وإما بتهويل ذلك وتعظيمه
4:07
وإفهامه أن هذا أمرٌ قد حيلَ بين النفوس وبينه
4:10
فلا سبيل لها إليه
4:12
وهو حِملٌ ثقيلٌ عليها لا تستقل به ونحو ذلك
4:17
وإما بإرخاصه على النفوس
4:19
وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس
4:23
وأعزَّ عليهم وأغربَ عندهم
4:26
وزبونه أكثر
4:27
وأما الحق فهو مهجور
4:29
والقائل به معرضُ النفسه للعدوان
4:32
والربح بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك
4:36
فيدخلون الباطل عليه في كل قالبٍ يقبله ويخفُّ عليه
4:41
ويخرجون له الحق في كل قالبٍ يكرهه ويثقل عليه
4:45
وأذا شئتَ أن تعرف ذلك
4:47
فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس
4:50
كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
4:54
في قالب كثرة الفضول
4:56
وتتبع عثرات الناس
4:58
والتعرض من البلاء لما لا يطيق
5:00
وإلقاء الفتن بين الناس ونحو ذلك
5:05
ثم يقول
5:06
قوموا على ثغر اللسان
5:08
فإنه الثغر الأعظم
5:10
فأجرو عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه
5:14
وامنعوه أن يجري عليه شيءٌ مما ينفعه
5:17
من ذكر الله واستغفاره
5:19
وتلاوة كتابه ونصيحة عباده
5:22
أو التكلم بالعلم النافع
5:24
ويكون لكم في هذا الثغر أثران عظيمان
5:27
لا تبالون بأيهما ضفرتم
5:30
أحدهما التكلم بالباطل
5:33
فإنما المتكلم بالباطل أخٌ من إخوانكم
5:36
ومن أكبر جندكم وأعوانكم
5:38
الثاني السكوت عن الحق
5:41
فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس
5:44
كما أن الأول أخ لكم ناطق
5:47
وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم
5:51
أما سمعتم قولا ناصح
5:53
المتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق
5:56
والساكت عن الحق شيطانٌ أخرس
5:59
فالرباط الرباط على هذا الثغر
6:02
أن يتكلم بحقٍ أو يمسك عن باطل
6:04
وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق
6:07
وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق
6:11
وعلموا يا بني
6:13
أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم
6:16
وأكبهم منه على مناخرهم في النار
6:19
فكم لي من قتيلٍ وأسيرٍ وجريح
6:22
أخذته من هذا الثغر
6:24
وأوصيكم بوصيةٍ فاحفظوها
6:27
لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة
6:31
ويكون الآخر على لسان السامع
6:33
فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها
6:37
ويطلب من أخيه إعادتها
6:39
وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق
6:42
وادخلوا عليهم من كل باب
6:44
وقعدوا لهم كل مرصد
6:46
أما سمعتم قسم الذي أقسمت به لربهم حيث قلت
6:50
فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
6:54
ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم
6:58
وعن أيمانهم وعن شمائلهم
7:00
ولا تجد أكثرهم شاكرين
7:03
أما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها
7:07
فلا يفوتني من طريقٍ إلا قعدت له من طريقٍ غيره
7:11
حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها
7:14
وقد حذرهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:18
وقال لهم
7:19
إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها
7:23
قعد له بطريق الإسلام
7:25
فقال له أتسلم وتذر دينك ودينك
7:28
قال له أتسلم وتذر دينك ودين آبائك
7:32
فخالفه وأسلم
7:34
فقعد له بطريق الهجرة
7:36
فقال
7:37
أتهاجر وتذر أرضك وسماءك
7:40
فخالفه وهاجر
7:42
ثم قعد له بطريق الجهاد فقال
7:45
أتجاهد فتقتل ويقسم المال وتنكح الزوجة
7:49
فخالفه وجاهد
7:51
فهكذا فاقعدوا لهم بكل طرق الخير
7:54
فإذا أراد أحدهم أن يتصدق
7:56
فاقعدوا له على طريق الصدقة
7:58
وقولوا له في نفسه
8:00
أتخرج المال وتبقى مثل هذا السائل
8:03
وتصير بمنزلته أنت وهو سواء
8:06
أو ما سمعتم ما ألقيته على لسان رجل
8:09
سأله آخر أن يتصدق عليه
8:12
فقال
8:13
هي أموالنا
8:14
إذا أعطيناكموها صرنا مثلكم
8:17
وقعدوا له بطريق الحج فقولوا له
8:20
طريقه مخوفة مشقة
8:22
يتعرض سالكها لتلف النفس والمال
8:25
وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير
8:29
بالتنفير منها وذكر صعوباتها وآفاتها
8:33
ثم اقعدوا لهم على طريق المعاصي
8:36
فحسنوها في عين بني آدم وفي قلوبهم
8:39
واجعلوا أكبر أعوانكم على ذلك النساء
8:43
فمن أبوابهن فادخلوا عليهم وزينوها
8:46
فنعم العون هن لكم
8:48
ثم لزموا ثغر الأيدي والأرجل
8:51
فمنعوها أن تبطش بما يضركم أو تمشي فيه
8:54
واعلموا أن أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور
8:58
مصالحة النفس الأمارة
9:00
فآعينوها واستعينوا بها
9:02
وأمدوها واستمدوا منها
9:04
وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة
9:07
فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها
9:10
ولا سبيل إلى ذلك
9:12
إلا بقطع موادها عنها
9:14
فإنها إذا انقطعت موادها
9:16
قويت مواد النفس الأمارة
9:18
وأطاعت لكم أعوانها
9:20
فاستنزلوا القلب من حصة النفس
9:22
فاستنزلوا القلب من حصنه
9:24
وعزلوه عن مملكته
9:26
وولوا مكانه النفس الأمارة
9:28
فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه
9:32
ولا تحكم بما تكرهونه البتة
9:34
مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها
9:38
بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله
9:42
فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته
9:47
وأردتم الأمن من ذلك
9:49
فعقدوا بينه وبين النفس الأمارة عقد النكاح
9:51
فزينوها وجملوها
9:53
وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد
9:57
وقولوا له ذق حلاوة طعم هذا الوصال
10:00
والتمتع بهذه العروس
10:02
كما ذقت طعم الحرب
10:04
وباشرت مرارة الطعن والضرب
10:07
ثم وازن بين لذة هذه المسالمة
10:10
ومرارة تلك المحاربة
10:12
فدعي الحرب تضع أوزارها
10:14
فليست بيوم وينقضي
10:16
وإنما هي حرب متصلة بالموت
10:19
وقواك تضعف عن مداومة الحرب
10:22
واستعينوا يا بني بجندين عظيمين
10:25
لن تغلبوا معهما
10:27
أحدهما جند الغفلة
10:29
فأغفروا قلوب بني آدم عن الله تعالى
10:32
والدار الآخرة بكل طريق
10:34
فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك
10:38
فإن القلب إذا غفل عن الله تعالى
10:41
تمكنتم منه ومن أعوانه
10:43
الثاني جند الشهوات
10:45
فزينوها في قلوبهم
10:47
فزينوها في قلوبهم
10:49
وحسنوها في أعينهم
10:51
وصولوا عليهم بهاذين العسكرين
10:54
فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما
10:57
واستعينوا على الغفلة بالشهوات
10:59
وعلى الشهوات بالغفلة
11:01
واقرنوا بين الغافلين
11:03
وأذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم من ذكر الله
11:07
ومذاكرة أمره ونهيه ودينه
11:10
ولم تقدروا على تفريقهم
11:12
فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الإنس البطالين
11:15
فقربوهم منهم
11:17
وشوشوا عليهم بهم
11:19
وبالجملة
11:20
فاعدوا للأمور أقرانها
11:22
وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته
11:27
فساعدوه عليها
11:29
وكونوا له أعوانا على تحصيلها
11:32
وإذا كان الله قد أمرهم بالصبر
11:35
أن يصبروا لكم ويصابروكم
11:37
ويرابطوا عليكم الثغور
11:39
فاصبروا أنتم وصابروا
11:41
ورابطوا عليهم بالثغور
11:43
وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب
11:46
فلا تصطادون بني آدم في أعظم من هذه الموطنين
11:50
وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة
11:53
وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب
11:57
فبه قطعت أرحامهم
11:59
وسفكت دماؤهم
12:01
وبه قتل أحد بني آدم أخاه
12:04
وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة
12:08
فحولوا بينهم وبين ذلك
12:10
وأنسوهم إياهم
12:12
واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب
12:15
وأبلغوا أسلحتكم فيهم وأنكاها
12:18
الغفلة واتباع الهوى
12:20
وأعظم أسلحتهم فيكم وأمن حصونهم
12:23
ذكر الله ومخالفة الهوى
12:26
فإذا رأيتم الرجل مخالفاً لهواه
12:29
فهربوا من ظله ولا تدنوا منه
12:32
انتهى كلامه بتصرف يسير
12:35
والمقصود أن يعرف الإنسان مخطط أعدائه
12:38
ليكون منهم على حذر
12:40
ليكون منهم على حذر