ضمن سلسلة حدث في رمضان (اكتملت السلسلة)
· درس 1 من 3
حدث في رمضان | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (7) | سقوط المسجد الأقصى بايدي الصليبيين
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:04
جمعية مودة تقدم
0:09
حدث في رمان
0:12
لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:15
سقوط المسجد الأقصى بأيد الصليبي
0:22
سنة أربعمائة واثنتين وتسعين للهجرة
0:27
روع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه
0:31
باحتلال الصليبيين لأول القبلتين
0:34
وثالث الحرمين
0:36
ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم
0:40
فكان يوما حزينا من أيام المسلمين
0:43
لا تذهب الأيام بمرارته
0:46
ولا تمح الأحداث الجسام ذكرا
0:50
أرأيت إلى قصر شامخ البنيان
0:53
ثابت الأركان
0:55
منيع الحما عامر بالأنس طافح بالحياة
0:59
ثم دارت عليه الدوائر
1:01
ونزلت به الأحداث
1:03
فأقفر من ساكنيه وخلى من حماته
1:07
فأصبح موحشا بعد إيناس
1:09
قاتما بعد بشر
1:11
تعول الريح في جنباته
1:13
ويعشش البوم في شرفاته
1:16
وتفح الأفاعي في أبهائه وحجراته
1:20
هكذا كان حال العالم الإسلامي
1:23
في أواخر القرن الرابع الهجري
1:26
فقد أوصد خليفة بغداد على نفسه الأبواب
1:31
قانعا بما يلقي إليه المتسلطون من عرض الحياة
1:35
وانشغل خليفة القاهرة بالخرافات
1:39
يثبت بها ملكة ويصون بها عرشة
1:42
وغرق المسلمون في الخلافات
1:45
ونسي الناس الله فنسيهم
1:49
وتخلوا عنه
1:51
فوكلهم إلى عدوه وعدوهم
1:54
كانت حالة العالم الإسلامي هذه
1:57
أكبر محرض للبابا
2:00
وإمبراطور القسطنطينية على غزو بلاد المسلمين
2:04
وأثارة الحروب الصليبية
2:07
التي لم تنقطع لحظة واحدة منذ وجد الإسلام على ظهر الأرض
2:12
وإنما كانت كالنار تكمن في الرماد
2:16
فإذا هبت عليها ريح مواتية
2:19
شبت واشتعلت
2:21
إن دفعت جموع الصليبيين نحو المشرق
2:24
تغلي في صدورها الأحقاد
2:27
ويشحن قلوبها الكيد
2:29
فاجتاحت حصون أنطاقية الممنعة
2:32
ثم انقضت من بعدها على معرة النعمان
2:36
بلدة أبي العلا
2:38
لقد قاوم سكان المعرة البسلاء جموع الصليبيين
2:42
مقاومة أكبر من حجمهم
2:45
لكن الغزاة ما لبثوا أن احتلوا المدينة عند العشاء
2:49
فأسكتوا أصوات المؤذنين من فوق المنائر
2:53
وأعملوا في رقاب الناس السيف
2:56
فقتلوا كل رجل وكل امرأة وكل طفل
3:00
وجعلوا يطأون بنعالهم جثث القتلى
3:03
بعد أن ملأت الدروب وسدت المسالك
3:07
تابع الجيش الصليبي سيره
3:10
يحصد المدن والقرى حصدا
3:13
ثم يمم الصليبيون وجوههم شطر بيت المقدس
3:17
وكان في يد الفاطميين
3:20
ثم ما لبث أن روع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه
3:25
باحتلال الصليبيين لأول القبلتين
3:28
وثالث الحرمين
3:30
ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:33
دون مقاومة تذكر
3:36
لقد أباح الصليبيون مدينة السلام سبعة أيام
3:41
كل يوم منها كمائة سنة مما نعد
3:45
فأعملوا السيوف في الرقاب
3:48
وأجروا الدماء في الشوارع
3:50
ورفعوا من جثث القتلات لالا
3:53
وصنعوا منها ماتهم قبابا
3:56
لقد دخلوا الدور
3:58
فسبوا من فيها
4:00
واحتلوا القصور
4:02
فبقروا بطون سكانها بحثا عن الدنانير المخبوئة في الأمعاء
4:07
ثم داهموا المسجد الأقصى
4:10
دخلوا في رحابه الأمنة
4:12
سبعين ألفا مما لا ذوبه
4:15
فيهم العالم العابد
4:17
والتقي الزاهد
4:19
والمرأة والرضيع
4:22
ودخلوا بخيلهم إلى الحرم القدسي
4:25
فداست سنابكها على الأشلا
4:28
وتخضبت قوائمها بالدماء
4:31
ثم نهبوا ما في الأقصى من النفائس
4:34
وكان في جملة ما نهبوه
4:37
رئات القناديل المصنوعة من صاف الفضة وخالص الذهب
4:42
ثم تركوا حامية في المدينة الحزينة
4:46
وانطلقوا يفتحون المدن ويدكون الحصون
4:50
التفت المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها
4:54
إلى خليفة مصر الفاطمي
4:56
صاحب بيت المقدس
4:58
عله يستنقذه من أيدي محتليه
5:01
ويطهره من دنس غاصبيه
5:04
فوجدوه خاضعا لوزيره
5:06
ووزيره محل ريبة
5:08
وأرسلوا وفدا منهم فيه القاضي أبو سعيد الهروي
5:13
إلى خليفة بغداد
5:15
فنزل الوفد في الديوان الخليفي
5:18
وروا من الأخبار ما أبكى العيون
5:21
وقرح الجفون وأوجع القلوب
5:24
وقاموا بالجامع يوم الجمعة
5:27
فاستغاثوا وبكوا وأبكوا
5:30
وذكروا للناس ما دهم المسلمين الصائمين في رمضان
5:35
من قتل الرجال وسبي النساء ونهب الأموال
5:39
لكن خليفة بغداد
5:42
كان مغلوبا على أمره محبوسا في قصره
5:46
عند ذلك
5:48
صرف المسلمون أنظارهم عن الخليفتين
5:51
القابعين على فرش الديباج في القاهرة وبغداد
5:55
وجعلوا يرمون بأبصارهم إلى آفاق بلاد المسلمين
6:00
لعلها تطلع لهم نجما يهتدون به في ظلمات ليلهم الحالك
6:05
فكان أن أطلع الله لهم صلاح الدين
6:09
ابن نجم الدين أيوب
6:11
ولصلاح الدين
6:13
سيرة مشرقة كالسنا
6:15
مضيئة كالبدر
6:17
تنير الطريق لمن أراد سلوك الطريق
6:21
أدرك صلاح الدين
6:23
أن الخير كامن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم
6:28
كمون الحياة في حبات البذور
6:31
فهي تبتغي الماء النمير
6:34
والتربة الصالحة والضوء المشرق
6:37
لتستيقظ من ثباتها
6:39
وتملأ الأرض بالنماء والعطاء
6:42
عرف صلاح الدين المفتاح الذي يفتح به قلوب أمته
6:47
فوضع يده عليه
6:49
وأداره في قلوبها بمهارة
6:52
ففتحها ودخل إليها من أوسع أبوابها
6:57
ذلكم المفتاح إنما هو مفتاح الدين
7:01
وأمن بمبدأ الملك القدوة
7:04
فعظم شريعة الله
7:06
وامتثل لأوامره واجتنب نواهية
7:09
فلم تفته جماعة في صلاته إلا نادرا
7:14
ولم يفته صيام إلا قضاه
7:17
أما الزكاه فلم يجتمع لديه طول حياته نصابها
7:22
لم يعلق صلاح الدين قلبه بالنشب والتلاد
7:26
وإنما ناطه بالنضال والجهاد
7:29
فقد أمضى ربع قرن من حياته
7:32
لم يغل له سقف إلا قليلا
7:35
وإنما كان مسكنه الدائم إما صهوة جواد
7:39
وإما خيمة تضرب له في العراء
7:42
ولقد استطاع أن يؤثر في قومه أعظم تأثير
7:46
فحارب معه الفقهاء والعلماء
7:49
والأدباء والشعراء والمعلمون
7:52
ثم الصبية والنساء
7:55
لقد ساق الله الناس لصلاح الدين زمرًا يؤيدونه ويفدونه
8:01
وكان إذا دعا إلى الجهاد
8:03
أقبل إليه المتطوعون بمحض إرادتهم
8:07
ومطلق حريتهم
8:09
وقد حمل كل منهم كفايته من الزاد
8:13
فكانت كثرة جنوده من المتطوعين
8:16
الذين جاءوا طلبًا لما عند الله من الأجر ومن الشهادة
8:21
وكان ذلك سببًا كبيرًا من أسباب انتصاراته
8:26
أدرك صلاح الدين قيمة الثروة البشرية في إشادة الممالك وكسب المعارك
8:33
فبحث في كل بلد
8:35
في مصر
8:36
في الشام
8:37
في الحجاز
8:39
في اليمن
8:40
في بغداد
8:41
في كل رقعة من بلاد المسلمين
8:44
عن ذوي الكفاية في السياسة
8:47
في العلوم
8:48
في الحروب
8:49
في الفنون
8:50
في الآداب
8:52
وجمعهم من كل قطر
8:54
فكان له من كل بلد معين
8:57
ومن كل مصر عضد وصديق
9:00
وتلك إحدى فرائد صلاح الدين
9:03
لقد اختار صلاح الدين من العلماء أعلمهم وأصدقهم
9:09
ومن الدعاء أفقههم بالدين
9:12
ومن المهندسين أحكمهم فنًا وأوفرهم نشاطًا
9:17
ومن الرسل أخبرهم بالأمور وأكتمهم للأسرار
9:22
ثم إنه تحلى بصفات البطولة
9:26
فلم تفارقه في حالي صحته ومرضه
9:30
ويومي نصره وهزيمته
9:32
وأمري عسره ويسره
9:35
كان إذا حمي الوطيس
9:37
واشتدت الكريهة
9:39
وطوقه الموت من كل جانب
9:42
يطوف بصفوف جنده
9:44
ويمد يده لمصافحة الموت
9:47
فيرتد عنه الموت
9:49
بهذه الصفات
9:51
قاد صلاح الدين جند المسلمين من نصر إلى نصر إلى نصر
9:57
وبهذه الخلال
9:59
استطاع أن يمحو العار الذي لحق بالمسلمين
10:03
منذ احتل الصليبيون بيت المقدس
10:06
ففي منتصف رجب
10:08
سنة 583 للهجرة
10:12
أحاطت جيوش المسلمين بقيادة صلاح الدين بالقدس
10:16
حاطة القيد بالمعصم
10:18
ونصبوا منجنيقاتهم حول أسوارها من كل جانب
10:22
وسلوا سيوف الله
10:24
لترتوي من دماء أعداء الله
10:27
فارتاع الفرنجة من هول ما رأوا
10:30
وقذف الله في قلوبهم الرعب
10:33
فما هي إلا جولة صادقة
10:36
حتى برز البطر يرك يطلب لنفسه ولقومه الأمان
10:40
فلبى صلاح الدين طلبه
10:43
قطع الفرنجة على أنفسهم
10:45
أن يدفعوا عن كل رجل عشرة دنانير
10:48
وعن كل امرأة خمسة
10:51
وعن كل طفل دينارين
10:53
ذلك لمن أراد افتداء نفسه
10:56
ومن لم يقدر على الفدية وقع أسيرا
10:59
وفي صباح يوم الجمعة
11:02
السابع والعشرين من رجب
11:04
سنة 583 للهجرة
11:08
دخل المسلمون إلى بيت المقدس مهللين مكبرين
11:12
تضج ألسنتهم بالدعاء
11:15
وتعلو أصواتهم لله بالشكر والثناء
11:19
وأنزل الصليب الأكبر
11:21
الذي كان منصوبا على قبة الصخرة
11:24
ومحيت التصاوير التي كانت منقوشة على جدران المسجد
11:29
وأزيلت النواقيث من فوق مناراته
11:33
وانطلقت من فوق المنائر أصوات الأذان
11:36
وامتزجت أصوات المؤذنين بتلاوة القرآن
11:41
واجتلب من حلب المنبر الذي صنعه الملك العادل نور الدين زينكي
11:48
ونذره للقدس حين تفتح
11:51
وأوقيمت أول جمعة في القدس
11:54
بعد أن عطلت فيها الجمع نيفا وتسعين عاما
11:58
وخطب الجمعة القاضي محي الدين بن الزكي
12:02
ودعيت خطبته بخطبة الفتح
12:05
وقد جمع فيها الخطيب الأديب
12:08
سائر تحميدات القرآن
12:12
ولما قضيت الصلاة
12:14
جلس صلاح الدين يتقبل تهنئات المسلمين بالفتح المبين
12:20
هنيئا للمسلمين بصلاح الدين
12:23
وهنيئا لصلاح الدين بالفتح المبين
12:27
وضراعة لله أن يكرم المسلمين بيوم آخر كيوم الفتح
12:33
يمحون فيه العار ويزيلون الشنار
12:37
يستردون القدس المسلوب ويستنقذون الحرم المغصوب
12:42
وبذلك تقر عين الفاتح الأول عمر بن الخطاب
12:47
وتبر روح الفاتح الثاني صلاح الدين