ضمن سلسلة حدث في رمضان (اكتملت السلسلة) · درس 2 من 3

حدث في رمضان | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (8) | هدم مدينة عسقلان

◉ 0 مشاهدة ⏱ 12:18 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:04 جمعية مودة تقدم
0:09 حدث في رمضان
0:13 لعد الرحمن رأفة الباشا
0:16 هدم مدينة عسقلان
0:21 في غرة شهر رمضان سنة 587
0:26 كان بطل من أبطال المسلمين
0:29 يمسك معولا كبيرا بكلتا يديه القويتين
0:33 ويهوي به على حصون مدينة من مدن أمته
0:37 ودرة ثمينة من درر مملكته
0:41 وكان معه أبناؤه وإخوته
0:44 وقواته وأجناده
0:46 وجموع غفيرة من أبناء شعبه
0:49 وفي يد كل منهم معول ينهال به على جانب من جوانب المدينة
0:55 أما صاحب المعول الكبير
0:58 فهو البطل العظيم صلاح الدين
1:02 وأما المدينة المنكوبة فهي عسقلان
1:06 لم تكن عسقلان آنئذ كفرا من الكفور النائية نزح عنه أصحابه
1:12 وتركوه لعوامل الطبيعة فهدمته وخربته
1:17 ولم تكن قرية من القرى الصغيرة المتداعية
1:21 التي يهون على النفوس أن تخرج عنها
1:24 وعلى الأيدي أن تمتد إليها بالهدم
1:28 وإنما كانت مدينة من كبريات مدن فلسطين
1:32 تقع بين غزة وبيت جبرين
1:35 وتربض على ساحر البحر الأبيض المتوسط
1:39 شامخة الذرى منيعة الحصون
1:42 وتقفك المارد في وسط الطريق بين مصر والشام
1:46 وتطلك الديدبان الحذر على مشارف البحر
1:51 وكانت عسقلان تجمع إلى الجلال الجمال
1:55 فهي تمتلك بالإضافة إلى حصونها الممردة
1:59 وبروجها المشيدة آيات بينات من البهاء والحسن
2:05 حتى دعاها المؤرخون بعروس الشام
2:09 وهو لقب ضنو به فلم يخلعوه إلا عليها وعلى دمشق
2:15 و لهدم عسقلان بيد صلاح الدين قصة طويلة مثيرة
2:21 تبدأ منذ عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
2:26 وتستمر إلى يومنا هذا
2:29 فتح المسلمون مدينة عسقلان في عهد الفاروق رضي الله عنه
2:34 وذلك حين أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان
2:38 يأمره بفتح عسقلان وما جاورها من مدن الساحل
2:43 فصدع معاوية بالأمر وفتح المدينة الحصينة
2:47 وأقام عليها حفظة يحرسونها من هجماة الروم
2:52 ثم طفقت أم عسقلان جماعات إثر جماعات من الصحابة الكرام والتابعين العظام
3:00 حتى غدت حاضرة من حواضر العلم والدين
3:04 وموئلا للحفاظ والمحدثين
3:07 وظلت عسقلان الحصينة في أيدي المسلمين
3:11 قال خمسة قرون وربع القرن
3:14 تمسك بزمام الطريق بين مصر والشام
3:17 وتسد منافذ البحر في وجه كل عدوان
3:21 وفي سنة خمسمائة وثمان وأربعين
3:25 جرفها الغزو الصليبي في جملة ما جرفه من بلاد المسلمين
3:30 فكان سقوطها وسقوط أختها عكا في يد الفرنجة
3:35 شجا في حلوق المسلمين وقذا في عيون المجاهدين
3:40 ذلك لأن من ملك عكا وعسقلان ملك بيت المقدس
3:45 وقطع الطريق بين مصر والشام
3:48 ظلت عسقلان وعكا في يد الصليبيين زهاء خمسة وثلاثين عاما
3:55 حتى كتب الله لهما أن تفتحى على يدي بطل الإسلام والمسلمين صلاح الدين
4:02 ويوم فتح صلاح الدين مدينة عسقلان
4:06 ضحكت الأمال في صدره
4:08 وتملكه من السرور ما لم يتملكه بفتح قبله
4:13 ولا غرو فعسقلان ستدنيه من الأمنية العظمى
4:18 وهي أمنية فتح بيت المقدس
4:21 وقد أرسل صلاح الدين رسالة إلى أهله في مصر
4:25 اثر فتح عسقلان
4:27 قال فيها بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله
4:32 ونازلنا عسقلان
4:35 وهي المعقل المنيع والحصن الحصين والجبل الرفيع
4:40 وفيها من القوة ما تتقاصر الأمال عن نيل مثله
4:44 فافتتحناها بعد أربعة عشر يوما من نزولنا عليها
4:49 فنصبت أعلام التوحيد على أسوارها
4:52 وعمرت بالمسلمين ديارها
4:55 وكبر المؤذنون في سائر أقطارها
4:59 والعزم معقود على التوجه إلى القدس
5:02 فإذا فتح الله ونصر ملنا إلى مدينة صور
5:07 والسلام عليكم
5:09 أدرك صلاح الدين بعد فتح عسقلان
5:12 أن بابا من أبواب الخير قد فتح له
5:16 وأن عليه أن يلجه
5:18 وكان يردد قول الرسول عليه الصلاة والسلام
5:22 من فتح له باب إلى الخير فلينتهزه
5:26 فإنه لا يدري متى يغلق دونه
5:31 عند ذلك كمع ساكره المتفرقة
5:34 وضم قواه المشتتة
5:37 وجمع صفوة أجناده وخيرة قواده
5:40 ونهد إلى الفتح الكبير
5:43 وفي يوم الأحد الخامس عشر من رجب
5:46 سنة 583 للهجرة
5:50 نزل صلاح الدين على الصليبيين في القدس نزول المنون
5:55 وفي السابع والعشرين منه
5:57 حرر البطل المدينة من أيدي الصليبيين
6:01 وأنزل الصليب الأكبر من فوق الصخرة المشرفة
6:05 بعد أن ظل في قبضة الصليبيين نيفا وتسعين عاما
6:10 أثار سقوط القدس ثائرة أوروبا
6:13 فقامت ولم تقعد
6:15 وهز الحادث الكبير كرسيا البابا
6:18 فهب ينذر بالويل والثبور
6:21 ويدعو إلى الجهاد المقدس
6:23 فاندفع الرجال من كل صوب
6:26 وتدفقت الأموال من كل جيب
6:29 وانهال السلاح من كل درب
6:32 وكان الطريق إلى القدس
6:34 إنما هو عكا وعسقلان
6:37 هاجم الصليبيون عكا هجوما لم يشهد له التاريخ مثيلا
6:42 ودافع عنها المسلمون دفاعا لم يشهد له التاريخ مثيلا
6:47 وقف صلاح الدين وحده في وجه أوروبا كلها
6:51 فناله ونال عسكره من الجهد
6:54 ما لا قبل لهم بمثله
6:56 وأدرك أنه منهزم لا محالة
6:59 إذا لم تمتد إليه يد العون من خليفة المسلمين
7:03 فبعث رسالة من ميادين الجهاد
7:06 إلى الخليفة الوادع المطمئن في بغداد
7:10 قال فيها
7:12 لقد أثرت فينا وفي جندنا
7:14 المدة الطويلة والنفقة الثقيلة
7:17 والكفار يمدهم البحر
7:19 يمدهم البحر بمراكب أكثر من أمواجه
7:22 وجنود أوفر من أجاجه
7:25 فإذا قتل المسلمون واحدا منهم في البر
7:29 بعث البحر بدلا منه ألفا
7:32 وأذا أبيد منهم صف أتوا بعشرين صفا
7:36 ثم قال
7:38 لقد خرج إلينا عاهل الألمان
7:41 وملوك الصلبان
7:43 وجموع ما وراء البحر
7:45 وحشود أجناس الكفر
7:47 وقد حرم باباهم عليهم كل مباح
7:50 واستخرج من صناديقهم كل مذخور
7:53 وألبسهم أثواب الحداد
7:56 وألزمهم خطة الجهاد
7:58 حتى يستخلصوا من أيدينا مقبرة المسيح
8:02 ويستنقذوا منا كنيسة القيامة
8:05 ثم أتبع يقول
8:07 وإن هذا يقضي علينا أن نستفرغ عزائم الرجال
8:11 ونستنفذ خزائنا الأموال
8:14 ويوجب على خليفة المسلمين
8:17 أن يحفظ على رعيته قبلتهم
8:20 وأن يزيح عنهم علتهم
8:22 ثم قال
8:24 رب إني لا أملك إلا نفسي وآخي
8:28 وهو ذا أخي قد لحق بجوارك
8:31 وهاهم أولاء أولادي
8:33 وقد أبرزت صفحات وجوههم لعدوك
8:37 وهان علي حبا بك أن أرى المكروه فيهم
8:41 ثم استصرخ الخليفة قائلا
8:44 يا عصبة محمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم
8:49 أخلفه في أمته
8:51 ووفه الحق فيهم
8:53 ولا تؤخر عنا النجدة
8:55 فإن منفعة الغوث إنما تكون قبل العقب
9:00 ثم ختم رسالته الحزينة قائلا
9:04 وبعد
9:06 فإن فينا وإن عض الزمان بقي
9:10 وإننا لنعاهد الله على أن نبقى قائمين
9:14 حتى ننصر أو نعذر
9:16 وعلى ألا يصل أحد إلى ذرية أحمد
9:20 ما بقي في ذرية بني أيوب واحد يذكر
9:24 لم تجد رسالة صلاح الدين عند الخليفة ورجاله أذنا صاغية
9:30 ولم تلق منهم أفئدة واعية
9:33 وظل المسلمون ينافحون عن عكا
9:36 حتى سقطت في أيدي الصليبيين
9:39 بعد أن فلت السيوف وكلت السواعد وخارت العزائم
9:44 وكان يوما على المسلمين عظيمة
9:48 لم يضع الصليبيون الفرصة
9:50 فوجه جيوشهم وجهة عسقلان
9:53 وما بعد عسقلان القدس
9:56 ووجد صلاح الدين نفسه عاجزا عن صد الصليبيين عن عسقلان
10:02 وأن عليه أن يتخذ القرار الحازمة في الموقف الحاسم
10:07 واتخاذ القرارات الحازمة في المواقف الحاسمة
10:11 أمر لا يقوى عليه إلا عظماء الرجال
10:15 فلقد اتخذ عمر بن الخطاب القرار الحازمة في الموقف الحاسم
10:20 يوم بايع أبا بكر في السقيفة
10:23 فحسم الشر وأقر الأمر
10:26 واتخذ أبو بكر القرار الحاسمة في الموقف الحاسم
10:30 حين عقد العزم على محاربة مانع الزكاه
10:34 فصان الإسلام وحفظ الدين
10:37 واتخذ صلاح الدين القرار الحازم في الموقف الحاسم
10:41 فقرر هدم عسقلان
10:43 وإزالتها من الوجود
10:46 حتى لا يتخذها العدو حصناً وسكناً ومنطلقاً
10:50 لقد كان صعباً على صلاح الدين أن يتخذ قراره
10:55 لو لم يكن في مستوى القائد المفوض المطاع
10:59 وكان صعباً على المسلمين أن ينفذوه
11:02 لو لم يكونوا في مستوى القائد
11:05 لقد قال صلاح الدين يوم أصدر قراره
11:09 والله لأن أفقد أولادي جميعاً
11:12 أحب إلي من أن أهدم حجراً واحداً من عسقلان
11:16 ولكن في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين
11:21 وفي أواخر شعبان
11:24 أرسل صلاح الدين جيشه ليعوق زحف الصليبيين نحو عسقلان
11:29 وفي غرة رمضان
11:31 رفع معاوله ليهدم المدينة الكبيرة العريقة
11:36 ومعه جموع غفيرة من المسلمين
11:40 ثم دار الزمان دورته
11:42 فدفعت سيوف المسلمين فلول الصليبيين إلى البحر
11:47 وأعاد أبناء صلاح الدين بناء عسقلان
11:51 وأسكنوها أبناءهم وذراريهم
11:54 وظلت في أيدي المسلمين إلى أن أخذها منهم اليهود
11:59 وأطلقوا عليها اسم أسدود
12:02 والمدينة المنكوبة بغزاتها الجدد
12:06 تنتظر اليوم القائد المحرر والبطل المنقذ
12:10 فهنيئاً لمن سيكون على يديه الخلاص