ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 1 من 3
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (10) | ربيعة الرأي رحمه الله | الجزء 1
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
ربيعة الرأم
0:33
رحمه الله
0:41
ها نحن أولاء في سنة 51 للهجرة
0:45
وها هي ذيك تائب المسلمين تضرب في فجاج الأرض مشرقة مغربة
0:51
تحمل للبشرية العقيدة البانية
0:54
وتمد إليها اليد المصلحة الحانية
0:58
وتنشر في ربوعها الشرعة التي تحرر الإنسان من عبودية الإنسان
1:04
وتجعل ولاأه لله وحده لا شريك له
1:08
وهذا الصحابي الجليل
1:10
الربيع بن زياد الحارثي
1:13
أمير خراسان
1:15
وفاتح سجستان
1:17
والقائد المظفر
1:19
يمضي على رأس جيشه الغازي في سبيل الله
1:23
ومعه غلامه الشجاع فروخ
1:26
فلقد عزم بعد أن أكرمه الله بفتح سجستان وغيرها من الأسقاع
1:32
على أن يختم حياته الحافلة
1:35
بعبور نهر سيحون
1:37
ورفع رايات التوحيد فوق ذرى تلك الأسقاع
1:41
التي كانت تدعى ببلاد ما وراء النهر
1:45
أعد الربيع بن زياد للمعركة الموعودة عدتها
1:52
واتخذ لها أهبتها
1:55
وفرض على عدو الله زمانها ومكانها فرضا
2:00
ولما نشب القتال
2:02
أبلى فيه الربيع وجنده المغاوير بلاء
2:06
ما يزال يذكره التاريخ بلسان ندي بالحمد
2:11
رطيب بالإكبار
2:13
وأظهر غلامه فروخ
2:15
في ساحات الوغى من ضروب البسالة وصنوف الإقدام
2:20
ما زاد الربيع إعجابا به وإكبارا له
2:24
وتقديرا لمزاياه
2:26
وانجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين
2:30
فزلزلوا أقدام عدوهم
2:33
ومزقوا صفوفه وفرقوا جموعه
2:37
ثم عبر النهر الذي كان يحول دونهم ودون الانسياح في بلاد الترك
2:43
ويمنعهم من الاندفاع نحو أرض الصين
2:46
والإيغال في مملكة الصغد
2:49
والصغد هي منطقة في أواسط آسيا
2:53
وما إن عبر القائد العظيم النهر
2:56
واستقرت قدماه على ضفته الثانية
3:00
حتى بادر فتوضأه وجنوده من مائه
3:04
فأحسن الوضوع
3:06
واستقبل القبلة
3:08
وصلوا ركعتين شكرا لله واهب النصر
3:12
ثم كافأ القائد الكبير غلامه فروخا على حسن بلائه
3:17
فأعتق رقبة
3:20
وقسم له نصيبه من الغنائم الكثيرة الوفيرة
3:24
ثم زاده من عنده شيئا كثيرا
3:28
لم تطل الحياة بعد ذلك اليوم الأبلج الأغر
3:32
بالربيع بن زياد الحارثي
3:35
حيث وافاه الأجل المحتوم بعد سنتين اثنتين من تحقيق حنمه الكبير
3:42
فمضى إلى ربه راضيا مرضيا
3:46
أما الفت الباسر الشجاع فروخ
3:50
فقد عاد إلى المدينة المنورة
3:53
يحمل معه سهمه الكبير من الغنائم
3:56
والهبة السخية التي وهبها له قائده العظيم
4:01
ويحمل فوق ذلك حريته الغالية
4:05
وذكرياته الغنية بروائع البطولات
4:09
المكللة بغبار الوقائع
4:14
كان فروخ حين هبط مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:19
شابا موفور الشباب
4:22
دفاق الحيوية
4:24
ممتلئا فتوة وفروسية
4:27
وكان يخطو نحو الثلاثين من عمره
4:30
وقد عزم فروخ على أن يتخذ لنفسه منزلا يستقر فيه
4:36
وزوجة يسكن اليها
4:38
فابتاع دارا من أوسط دور المدينة
4:42
واختار امرأة راجحة العقل
4:45
كاملة الفضل صحيحة الدين
4:48
تقاربه في السن
4:50
واقترن بها
4:52
نعم فروخ بداره التي أكرمه الله بها
4:56
ولقي في صحبة زوجته من هناءة العيش وطيب العشرة ونظارة الحياة
5:03
فوق ما كان يرجو ويأمل
5:06
لكن تلك الدار العامرة
5:08
على كل ما توافر لها من المزايا
5:11
وتلك الزوجة الصالحة
5:14
على كل ما حباها الله من كريم الشمائل وجليل الخصائل
5:19
لم يستطيع أن يتغلب على حنين الفارس المؤمن إلى خوض المعارك
5:25
وشوقه إلى سماع وقع النصال على النصال
5:29
وولعه باستئناف الجهاد في سبيل الله
5:33
فكان كلما ترددت في المدينة أخبار انتصارات الجيوش الإسلامية
5:39
الغازية في سبيل الله
5:42
تأججت أشواقه إلى الجهاد
5:45
واشتد حنينه إلى الاستشهاد
5:48
وفي ذات يوم من أيام الجمع
5:53
سمع فروخ خطيب المسجد النبوي
5:57
يزفر المسلمين بشر انتصارات الجيوش الإسلامية في أكثر من ميدان
6:03
ويحض الناس على الجهاد في سبيل الله
6:06
ويرغبهم في الاستشهاد إعزازا لدينه
6:10
وابتغاء لمرضاته
6:13
فعاد إلى بيته
6:15
وقد عقد العزم على الانضواء تحت راية من رايات المسلمين
6:20
المنتشرة تحت كل نجم
6:23
وأعلن عزمه هذا لزوجته
6:26
فقالت له
6:28
يا أبا عبد الرحمن
6:30
لمن تتركني وتترك هذا الجنين الذي أحمله بين جوانحي
6:36
فأنت رجل غريب عن المدينة
6:39
لا أهل لك فيها ولا عشيرة
6:42
فقال
6:44
أتركك لله ورسوله
6:47
ثم إني خلفت لك ثلاثين ألف دينار
6:50
جمعتها من غنائم الحرب
6:53
فصونيها وثمريها
6:56
وأنفقي منها على نفسك ووليدك بالمعروف
7:00
حتى أعود إليك سالما غانما
7:04
أو يرزقني الله الشهادة التي أتمناها
7:08
ثم ودعها ومضى إلى غايته
7:12
وضعت السيدة الرزان حملها بعد رحيل زوجها ببضعة أشهر
7:18
فإذا هو غلام مشرق الوجه
7:21
حلو القسمات
7:23
رائع المجتلى
7:25
ففرحت به فرحا عظيما
7:27
كاد ينسيها فراق أبي
7:30
وأطلقت عليه اسم ربيعة
7:35
بدت على الغلام الصغير علامات النجابة منذ نعومة أظفاره
7:40
وظهرت أمارات الذكاء في أفعاله وأقواله
7:45
فأسلمته أمه إلى المعلمين
7:48
وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه
7:51
واستدعت له المؤدبين
7:53
وحضتهم على أن يحكموا تأديبه
7:56
فما لبث كثيرا حتى أتقن الكتابة والقراءة
8:01
ثم حفظ كتاب الله عز وجل
8:04
وجعل يرتله نديا طريا
8:07
كما أنزل على فؤاد محمد صلوات الله وسلامه عليه
8:13
ووعى ما تيسر له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:19
واستظهر من كلام العرب
8:21
ما يحسن بمثله أن يستظهر
8:24
وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف
8:28
وقد أغدقت أم ربيعة على معلم ولدها
8:32
ومؤدبيه المال والجوائز إغداقا
8:36
فكانت كلما رأته يزداد علما
8:39
تزيدهم برا وإكراما
8:42
وكانت تترقب عودة أبيه الغائب
8:45
وتجتهد في أن تجعله قرة عين لها وله
8:50
لكن فاروخا طالت غيبته
8:53
ثم تضاربت الأقوال فيه
8:56
فقال بعضهم إنه وقع أسيرا في أيدي الأعداء
9:01
وقال آخرون إنه ما زال طليقا يواصل الجهاد
9:07
وقال فريق ثالث عائد من ساحات القتال
9:11
إنه نال الشهادة التي تمناها
9:15
فترجح هذا القول الأخير عند أم ربيعة لانقطاع أخباره
9:21
فحزنت عليه حزنا أمضف آدها
9:25
ثم احتسبته عند الله
9:28
كان ربيعة يومئذ قد أيفع وكاد يدخل فيما داخل الشباب
9:35
فقال الناصحون لأمه
9:38
ها هو ذا ربيعة
9:40
قد استكمل ما ينبغي لفتا مثله أن يستكمله من القراءة والكتابة
9:46
وزاد على أقرانه
9:48
فحفظ القرآن وروى الحديث
9:51
فلو تخيرت له حرفة من الحرف
9:54
فإنه لا يلبث أن يتقنها
9:57
وينفق عليك وعلى نفسه مما تدره من خير
10:02
فقالت
10:03
أسأل الله أن يخير له ما فيه صلاح معاشه ومعاده
10:10
إن ربيعة قد اختار لنفسه العلم
10:13
وعزم على أن يعيش متعلما ومعلما
10:17
ما امتدت به الحياة
10:21
مضى ربيعة في الطريق التي اختطها لنفسه غير وان ولا مقصر
10:27
وأقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد المدينة
10:32
كما يقبل الظماء على الموارد العذاب
10:36
ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام
10:40
وعلى رأسهم أنس بن مالك
10:43
خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:47
وأخذ عن الرعيل الأول من التابعين
10:50
وفي مقدمتهم سعيد بن المسيب
10:54
ومكحول الشامي وسلمة بن دينار
10:58
وواصل كلال ليله بكلال نهاره حتى أنهكه الجهد
11:04
فإذا كللمه أحد في ذلك ودعاه إلى الرفق بنفسه
11:09
قال
11:10
سمعنا أشياخنا يقولون
11:13
إن العلم لا يعطيك بعضه
11:16
إلا إذا أعطيته نفسك كلها
11:20
ثم ما لبث كثيرا حتى ارتفع ذكره
11:24
وبزغ نجمه وكثر إخوانه
11:27
وأولع به تلاميذه وسوده قومه
11:31
ولقد سارت حياة عالم المدينة هادئة وادعة
11:36
فشطر من يومه في داره لأهله وإخوانه
11:41
وآخر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:45
لمجالس العلم وحلقاته
11:48
ولقد مضت حياته متشابهة
11:51
حتى وقع فيها ما لم يكن في الحسبان
11:55
ما رأيت أحدا أحفظ للسنة من ربيعة
12:04
ابن الماجشون
12:22
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
12:26
هل مثلهم نجم سما وتلالا
12:31
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
12:36
وزهت بهم دوأنا