ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 4 من 5
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (21) | طاووس بن كيسان رحمه الله (ج 1)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:30
طاووس بن كيسان
0:32
رحمه الله
0:43
بخمسين نجماً من نجوم الهداية استضاء
0:47
فغمره السنى وتدفق عليه النور
0:51
فنور في قلبه ونور في لسانه
0:54
ونور يسعى بين يديه
0:57
وعلى خمسين علماً من أعلام مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم تخرج
1:04
فإذا هو صورة لصحابة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
1:10
في رسوخ الإيمان وصدق اللهجة
1:13
والتعالي على عرض الدنيا والتفاني في مرضات الله
1:18
والجهر بكلمة الحق
1:20
مهما كان ثمن كلمة الحق غالية
1:24
فلقد علمته المدرسة المحمدية أن الدين النصيحة
1:29
النصيحة لله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم
1:35
وأئمة المسلمين وعامتهم
1:38
وهدته التجربة إلى أن الصلاح كله يبدأ عند ولي الأمر
1:44
وينتهي عنده
1:46
فإذا صلح الراعي صلحة راعية
1:49
وأيضا فسد فسدت
1:52
ذلكم هو ذكوان بن كيسان الملقب بطاووس
1:57
وهو لقب خلع عليه لأنه كان طاووس الفقهاء
2:02
والمقدم عليهم في عصره
2:05
كان طاووس بن كيسان من أهل اليمن
2:09
وكانت الولاية في اليمن إذاك
2:12
لمحمد بن يوسف الثقفي أخ الحجاج بن يوسف
2:17
فقد أرسله الحجاج واليا عليها
2:21
بعد أن عظم أمره وقويت شوكته واشتدت هيبته
2:26
اثر قضائه على حركة عبد الله بن الزبير
2:30
وكان محمد بن يوسف يجمع في ذاته كثيرا من سيئات أخيه الحجاج
2:37
ولكنه ما كان يتحلى بشيء من حسناته
2:41
وفي غداة يوم بارد من أيام الشتاء
2:46
دخل عليه طاووس بن كيسان
2:49
ومعه وهب بن منبه
2:51
فلما أخذ مجلسيهما عنده
2:54
طفق طاووس يعظه ويرغبه ويرهبه
2:58
والناس جلوس بين يديه
3:01
فقال الوالي لأحد حجابه
3:04
يا غلام أحضر طيل سانا
3:07
وألقه على كتفي أبي عبد الرحمن
3:11
فعمد الحاجب إلى طيل سان ثمين
3:14
وألقاه على كتفي طاووس
3:17
فظل طاووس متدفقا في موعظته
3:20
وجعل يحرك كتفيه في تؤدا
3:23
حتى ألقى الطيل سان عن عاتقه
3:26
وهب واقفا وانصرف
3:29
فغضب محمد بن يوسف غضبا
3:32
ظهر في حمرار عينيه وحتقان وجهه
3:35
غير أنه لم يقل شيئا
3:38
فلما صار طاووس وصاحبه
3:42
خارج المجلس
3:44
قال وهب لطاووس
3:46
والله لقد كنا في غنا
3:49
عن إثارة غضبه علينا
3:52
فماذا كان يضيرك لو أخذت الطيل سان منه
3:55
ثم بعته وتصدقت بثمنه
3:58
على الفقراء والمساكين
4:01
فقال طاووس هو ما تقول
4:04
لولا أنني خشيت أن يقول العلماء
4:07
من بعدي نأخذك ما أخذ
4:10
طاووس ثم لا يصنعون فيما
4:13
أخذوه ما تقول
4:17
لما أراد محمد بن يوسف أن يرد
4:20
لطاووس الحجر من حيث جاء
4:23
فنصب له شركا من شراكه
4:26
حيث أعد صرة فيها 700 دينار
4:29
ذهبا واختار رجلا حاذقا
4:32
من رجال حاشيته وقال له
4:35
امضي بهذه الصرة إلى طاووس
4:38
بن كيسان وحتل عليه في أخذها
4:41
فإن أخذها منك
4:44
قلت عطيتك وكسوتك وقربتك
4:47
فخرج الرجل بالصرة
4:50
حتى أتى طاووس في قرية
4:53
كان يقيم بها بالقرب من صنعاء
4:56
يقال لها الجند
4:59
فلما صار عنده حياه وآنسه
5:02
وقال له يا أبا عبد الرحمن
5:05
هذه نفقة بعث بها الأمير
5:08
إليك فقال
5:12
فحتال عليه بكل طريق
5:15
ليقبلها فأبى
5:18
وأدلى له بكل حجة فرفض
5:21
فما كان منه إلا أن اغترم
5:24
غفلة من طاووس ورمى بالصرة
5:27
في كوة كانت بجدار البيت
5:30
وعاد راجعا إلى الأمير وقال
5:33
لقد أخذ طاووسني الصرة أيها الأمير
5:36
فسر لذلك محمد بن يوسف
5:40
فلما مضت على ذلك أيام عدة
5:43
أرسل اثنين من أعوانه
5:46
ومعهما الرجل الذي حمل إليه الصرة
5:49
وأمرهما أن يقول له
5:52
إن رسول الأمير قد أخطأ
5:55
فدفع إليك المال وهو مرسل لغيرك
5:58
وقد أتينا لنسترده منك
6:01
ونحمله إلى صاحبه
6:04
فقال طاووس ما أخذت من مال الأمير
6:07
شيئا حتى أرده إليه
6:10
فقالا بل أخذته
6:13
فالتفت إلى الرجل الذي حمل إليه الصرة
6:16
وقال له هل أخذت منك شيئا
6:19
فأصاب الرجل ذعر وقال
6:22
كلا وإنما وضعت المال في
6:25
هذه الكوة في غفلة منك
6:28
فقال طاووس دونكم الكوة
6:31
فانظر فيها
6:35
فوجد فيها الصرة كما هي
6:38
وقد ضرب عليها العنكبوت بنسجه
6:41
فأخذها وعاد بها إلى الأمير
6:44
وكأنما أراد الله عز وجل
6:49
أن يقتص من محمد بن يوسف
6:52
على فعلته هذه
6:55
وأن يجعل قصاصه منه على مرء من الناس
6:58
ومشهد فكيف وقع ذلك
7:01
حدث طاووس بن كيسان قال
7:04
بينا أنا في مكة حاجة
7:07
بعث إلي الحجاج بن يوسف الثقفي
7:10
فلما دخلت عليه رحب بي
7:13
وأدنى مجلسي منه
7:16
وطرح لي وسادة ودعاني لأن أتكئ عليها
7:19
ثم راح يسألني
7:22
عما أشكل عليه من مناسك الحج
7:25
وغيرها وفيما نحن كذلك
7:28
سمع الحجاج ملبيا يلبي حول البيت
7:31
ويرفع صوته بالتلبية
7:34
وله نبرة تهز القلوب هزا
7:37
فقال علي بهذا الملب
7:40
فأتي له به
7:43
فقال له ممن الرجل
7:46
فقال من المسلمين
7:49
فقال لم أسألك عن هذا
7:52
وإنما سألتك عن البلد
7:55
فقال من أهل اليمن
7:58
كيف تركت أميركم
8:01
يعني أخاه
8:04
فقال تركته عظيما جسيما
8:07
لباسا ركابا
8:10
خراجا واللاجا
8:13
فقال ليس عن هذا سألتك
8:16
فقال عم سألتني إذا
8:19
فقال سألتك عن سيرته فيكم
8:22
فقال تركته ظلوما غشوما
8:25
مطيعا للمخلوق عاصيا للخالق
8:28
فحمر وجه الحجاج
8:31
خجلا من جلسائه
8:34
وقال للرجل
8:37
ما حملك على أن تقول فيه ما قلته
8:40
وأنت تعلم مكانه مني
8:43
فقال أتراه بمكانه منك
8:46
أعز مني بمكاني من الله عز وجل
8:49
وأنا وافد بيته
8:52
وقاضي دينه
8:55
فسكت الحجاج ولم يحر جوابا
8:58
قال طاووس
9:01
ثم ما لبث الرجل أنقام
9:04
وانصرف من غير أن يستأذن أو يؤذن له
9:07
فقمت في إثره وقلت في نفسي
9:10
إن الرجل صالح
9:13
فاتبعه وظفر به قبل أن تغيبه
9:16
عن عينيك جموع الناس
9:19
والله قد أتى البيت وتعلق بأستاره
9:22
ووضع خده على جداره
9:25
وجعل يقول
9:28
اللهم بك أعوذ وبجنابك ألوذ
9:31
اللهم اجعل لي في الإطمئنان
9:34
إلى جودك والرضى بضمانك
9:37
مندوحة عن منع الباخلين
9:40
وغنا عما في أيدي المستأثرين
9:43
اللهم إني أسألك فرجك القريب
9:46
ومعروفك القديم
9:49
وعادتك الحسنة يا رب العالمين
9:52
ثم ذهبت به موجة من الناس
9:56
وأخفته عن عيني
9:59
فأيقنت أنه لا سبيل إلى لقائه بعد ذلك
10:02
فلما كانت عشية عرفة
10:05
رأيته وقد أفاض مع الناس
10:08
فدنوت منه فإذا هو يقول
10:11
اللهم إن كنت لم تقبل حجي
10:14
وتعبي ونصبي
10:17
فلا تحرمني الأجر على مصيبتي
10:20
بتركك القبول مني
10:23
ثم ذهب في الناس
10:26
وستره الظلام عني
10:29
فلما يعيست من لقائه قلت
10:32
اللهم قبل دعائي ودعاءه
10:35
واستجب رجائي ورجاءه
10:38
وثبت قدمي وقدميه يوم تزل الأقدام
10:41
معه على حوض الكوثري
10:44
يا أكرم الأكرمين
10:48
وأي لا لقاء آخر مع التابعي الجليل
10:51
ذكوان بن كيسان الملقب بطاووس
10:54
رضي الله عنه وأرضاه
10:57
وجعل جنات الخلد مثواه
11:04
ما رأيت أحدا قط
11:08
مثل طاووس بن كيسان
11:11
عمر بن دينار
11:19
يقول إذا سعى أو قال
11:22
كانوا هنا
11:25
يسقون غيما حياتنا
11:28
فمو وفينا
11:31
ذكرهم يتعالى
11:34
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
11:37
هل مثلهم
11:40
نجم سما وتلالا
11:43
ملأوا الحياة مفاخرا
11:46
بالفعلهم
11:49
وزهت بهم دنيا الأنا