ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 25 من 37
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (25) | عمر بن عبدالعزيز رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
عمر بن عبد العزي
0:32
رحمه الله
0:34
ملأ الحياة مفاخراً بالفعلهم
0:39
وزهت بهم دنيا الأنام
0:43
الحديث عن الخليفة التابعي عمر بن عبد العزيز
0:47
حديث ذو شجون
0:49
فأنت لا تكاد تلم بصورة من صور حياته الفذة
0:54
حتى تسلمك إلى أخرى أكثر بهاء
0:58
وأغنى رواء وأبعد تأثيرا
1:01
ولقد كنا رأينا في الكتاب السابق
1:04
ثلاثاً من صور حياة خامس الراشدين
1:08
فتعال ننعم الآن بثلاث أخر
1:11
لا تقل عن سابقاتها تألقاً ووضاءه
1:18
أما الصورة الأولى
1:20
فيرويها لك دكين بن سعيد الدارمي
1:24
أحد الشعراء الرجاز البدات فيقول
1:28
إمتدحت عمر بن عبد العزيز يوم كان والياً على المدينة
1:33
فأمر لي بخمس عشرة ناقة من كرائم الإبل
1:37
فلما صرن في يدي تأملتهم
1:41
فراعني منظرهم
1:43
وكرهت أن أمضي بهم وحدي في فجاج الأرض خوفاً عليهم
1:48
ولم تطب نفسي ببيعهم
1:51
وفيما أنا كذلك
1:54
قدمت علينا رفقة تبتغي السفر نحو ديارنا في نجد
1:59
فسألتهم الصحبة
2:01
فقالوا مرحباً بك
2:03
ونحن نخرج الليلة
2:05
فأعد نفسك للخروج معنا
2:08
فمضيت إلى عمر بن عبد العزيز مودعا
2:12
فألفيت في مجلسه شيخين لا أعرفهما
2:16
فلما هممت بالانصراف
2:19
التفت إلي عمر وقال
2:21
يا دكين
2:23
إن لي نفساً ثواقة
2:25
فإن عرفت أنني بلغت أكثر مما أنا فيه الآن
2:30
فأتني ولك مني البر والإحسان
2:34
فقلت أشهد لي بذلك أيها الأمير
2:38
فقال أشهد الله تعالى على ذلك
2:42
فقلت ومن خلقه
2:45
فقال هاذين الشيخين
2:48
فأقبلت على أحدهما وقلت
2:51
بأبي أنت وأمي
2:53
قل لي مسمك حتى أعرفك
2:56
فقال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
3:01
فالتفت إلى الأمير وقلت
3:04
لقد استسمنت الشاهد
3:06
أي ضفرت بشاهد مسموع الكلمة
3:10
ثم نظرت إلى الشيخ الآخر وقلت
3:13
ومن أن تجعلت في ذاك
3:16
قال أبو يحيا مولى الأمير
3:20
فقلت وهذا شاهد من أهله
3:24
ثم حييت وانصرفت بالنوق إلى ديار قومي في نجد
3:29
فرم الله فيهن البركة
3:32
حتى اقتنيت من نتاجهن الإبل والعبيد
3:36
ثم دارت الأيام دورتها
3:39
فبينا أنا بصحراء فلج من أرض اليمامة في نجد
3:44
إذا ناع ينعى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك
3:48
فقلت للناعي ومن الخليفة الذي قام بعده
3:53
فقال عمر بن عبد العزيز
3:57
فما إن سمعتم قالته
3:59
حتى شددت رحالي نحو بلاد الشام
4:03
فلما بلغت دمشق
4:05
لقيت جريرا منصرفا من عند الخليفة
4:09
فحييته وقلت
4:11
من أين يا أبا حزرة
4:13
فقال من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء
4:19
ارجع من حيث أتيت
4:21
فذلك خير لك
4:23
فقلت إن لي شأنا غير شأنكم
4:28
فقال أنت وما تريد
4:31
فانطلقت حتى بلقت دار الخليفة
4:35
فإذا هو في باحة الدار
4:38
وقد أحاط به اليتام والأرامل وأصحاب الظلامات
4:43
فلم أجد سبيلا إليه من تزاحمهم عليه
4:47
فرفعت صوتي قائلا
4:49
يا عمر الخيرات والمكارم
4:52
وعمر الدسائع العظائم
4:55
إن مرء من قطن من دارم
4:58
طلبت ديني من أخ المكارم
5:01
فنظر إلي مولاه أبو يحيا نظرة طويلة
5:06
ثم التفت إليه وقال
5:08
يا أمير المؤمنين
5:10
إن عندي لهذا البدوي شهادة عليك
5:14
فقال عمر أعرفها
5:17
ثم التفت إلي وقال
5:19
أدن مني يا دكين
5:22
فلما صرت بين يديه
5:24
مال علي وقال
5:26
أتذكر ما قلته لك في المدينة
5:29
من أن نفسي ما نالت شيئا قط
5:33
إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه
5:36
فقلت نعم يا أمير المؤمنين
5:39
فقال وهنذا قد نلت غاية ما في الدنيا
5:44
وهو الملك
5:46
فنفسي تتوق إلى غاية ما في الآخرة
5:49
وهو الجنة
5:51
وتسعى إلى الفوز برضوان الله عز وجل
5:55
ولئن كان الملوك يجعلون الملك
5:58
سبيلا لبلوغ عز الدنيا
6:01
فلأجعلنه سبيلا إلى بلوغ عز الآخرة
6:05
ثم قال يا دكين
6:08
إني والله ما رزأت المسلمين
6:11
في أموالهم درهما ولا دي نارا
6:14
منذ وليت هذا الأمر
6:17
وإنني لا أملك إلا ألف درهم
6:20
فخذ نصفها وترك لي نصفها
6:23
فآخذت المال الذي أعطاني
6:26
فوالله ما رأيت أعظم منه بركة
6:30
أما صورة الثانية
6:34
فيرويها قاضي الموصل
6:36
يحيى بن يحيى الغساني
6:39
فيقول
6:41
بينما عمر بن عبد العزيز يطوف ذات يوم
6:44
في أسواق حمص
6:46
ليتفقد الباعة ويتعرف على الأسعار
6:50
إذ قام إليه رجل عليه بردان
6:53
أحمران قطريان
6:55
وقال يا أمير المؤمنين
6:58
لقد سمعت أنك أمرت
7:00
من كان مظلوما أن يأتيك
7:03
فقال نعم
7:05
فقال وها قد أتاك
7:07
فقال رجل مظلوم بعيد الدار
7:10
فقال عمر
7:12
وأين أهلك
7:13
فقال الرجل
7:15
في عدن
7:16
فقال عمر
7:18
والله إن مكانك من مكان عمر لبعيد
7:22
ثم نزل عن دابته
7:24
ووقف أمامه وقال
7:26
ما ظلامتك
7:28
فقال ضيعة لي
7:31
وثب عليها رجل ممن يلوذون بك
7:34
وانتزعها مني
7:36
فكتب عمر كتابا إلى عروة ابن محمد
7:39
واليه على عدن
7:41
يقول فيه
7:43
أما بعد
7:44
فإذا جاءك كتابي هذا
7:47
فاسمع بينة حامله
7:49
فإن ثبت له حق
7:51
فادفع إليه حقه
7:53
ثم ختم الكتاب
7:55
وناوله للرجل
7:57
فلما هم الرجل بالانصراف
8:00
قال له عمر
8:02
على رسلك
8:03
إنك قد أتيتنا من بلد بعيد
8:06
ولا ريب في أنك استنفدت في رحلتك هذه زادا كثيرا
8:11
وأخلقت ثيابا جديدة
8:14
ولعله نفقت لك دابة
8:17
ثم حسب ذلك كله
8:19
فبلغ أحد عشر دينارا
8:22
فدفعها إليه وقال
8:24
أشع ذلك في الناس
8:27
حتى لا يتثاقل مظلوم
8:29
عن رفع ظلامته بعد اليوم
8:32
مهما كان بعيد الدار
8:35
وأما الصورة الثالثة
8:39
فيرويها لنا العابد الزاهد
8:42
زياد بن ميسرة المخزومي بالولاء
8:46
فيقول
8:47
أرسلني مولاي عبدالله بن عياش
8:50
من المدينة إلى دمشق
8:52
للقاء أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
8:56
في حوائج له
8:58
وكانت بيني وبين عمر صلة قديمة
9:01
ترجع إلى عهد ولايته على المدينة
9:05
فدخلت عليه
9:07
فإذا عنده كاتب يكتب له
9:10
فلما صرت في عتبة الحجرة
9:13
قلت السلام عليكم
9:15
فقال
9:16
وعليكم السلام ورحمة الله يا زياد
9:20
ثم مضيت نحوه خجلا
9:23
لأنني لم أسلم عليه بإمرة المؤمنين
9:27
فلما انتهيت إليه قلت
9:29
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى
9:34
وبركاته
9:35
فقال
9:36
يا زياد
9:37
إننا لم ننكر عليك السلام الأول
9:41
فما الحاجة إلى الثاني
9:44
وكان كاتبه إذاك
9:46
يقرأ عليهم ظالم جاءته من البصرة مع البريد
9:51
فقال لي
9:52
اجلس يا زياد حتى نفرغلك
9:56
فجلست على خشبة الباب
9:58
والكاتب يقرأ عليه
10:00
وعمر يتنفس الصعداء من الهم
10:04
فلما فرغ كاتبه من قراءة الرقاع التي معه
10:08
وانطلق إلى شأنه
10:10
قام عمر من مجلسه
10:12
ومشى إلي حتى جلس بين يدي عند الباب
10:17
ووضع يديه على ركبتي
10:19
ثم قال
10:20
هنيئا لك يا زياد
10:23
لقد استدفأت بمدرعتك
10:25
واسترحت مما نحن فيه
10:28
وكانت علي مدرعة صوف
10:31
ثم طفق يسألني عن صلحاء أهل المدينة
10:35
رجالهم ونسائهم واحدا واحدا
10:39
فما ترك منهم أحدا إلا سألني عنه
10:43
ثم سألني عن أشياء كان أمر بها بالمدينة حين كان واليا عليها
10:49
فأخبرته عن كل ما سأل
10:53
ثم تنهد وقال
10:55
يا زياد
10:57
ألا ترى إلى ما وقع فيه عمر
11:00
فقلت
11:01
إني لأرجو لك في ذلك خيرا وأجرا
11:05
فقال
11:06
هيهات
11:07
ثم بكى حتى رثيت له وقلت
11:11
إرفق بنفسك يا أمير المؤمنين
11:14
فإني لأرجو لك خيرا
11:17
فقال
11:18
ما أبعد ما ترجوه يا زياد
11:21
لقد أصبح في وسعي أن أشتم ولا أشتم
11:25
وأن أضرب ولا أضرب
11:27
وأن أوذي الناس ولا يؤذيني أحد
11:31
ثم بكى كرة أخرى حتى جعلت أرثي له
11:36
ولقد أقمت عنده أياما ثلاثة
11:40
حتى قضى ما أرسلني به مولاي
11:43
فلما هممت بالانصراف
11:46
زودني بكتاب إلى سيدي يسأله فيه أن يبيعني منه
11:51
ثم أخرج من تحت فراشه عشرين دينارا وقال
11:56
استعن بهذا المال على دنياك
11:59
ولو كان لك حق في الفي
12:02
لأعطيناك حقك
12:04
فأبيت أن آخذ المال منه
12:07
فقال
12:08
خذ
12:09
فما هو من مال المسلمين
12:11
وإنما هو من نفقتي
12:14
فامتنعت عن أخذه
12:16
ولكنه ما زال بي حتى أخذته منه ومضيت
12:22
فلما بلغت المدينة
12:24
دفعت بكتاب أمير المؤمنين إلى مولاي
12:28
ففضه وقال
12:30
إنما سألني أن أبيعك له ليعتقك
12:34
فلم لا أكون أنا المعتق لك
12:37
ثم أعتقني
12:39
كان عمر بن عبد العزيز
12:45
حسن الخلق والخلق
12:48
وافر العلم
12:50
فقيها النفس أوهاها منيب الذهب
12:56
عقفا ومثالا
13:01
تبع الرسول إذا سعى أو قال
13:06
كانوا هنا يسقون غيما حياتنا
13:11
فأمو فينا ذكرهم يتعالى
13:16
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
13:21
هل مثلهم نجم سما وتلالا
13:26
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
13:31
وزهت بهم دنيا الأناه