صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (29) | سالم بن عبدالله بن عمر رحمه الله | ج (2)

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:02 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو طالاً
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 سالم بن عبد الله بن عمر
0:33 رحمه الله
0:43 كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب
0:46 طائفة من الأبناء
0:48 لكن ابنه عبد الله
0:50 كان أشدهم شبهاً به
0:52 وكان لعبد الله بن عمر
0:54 عدد من الأبناء
0:56 أكثر مما كان لأبيه
0:58 لكن ابنه سالم
1:00 كان أشدهم شبهاً به
1:03 فتعالوا نتابع قصة حياة سالم بن عبد الله
1:07 حفيد الفاروق
1:09 وأشبه الناس به خلقاً وخلقاً
1:12 وديناً وسمتا
1:14 عاش سالم بن عبد الله في رحاب طيبة المطيبة
1:21 وكان الطيبة إذاك
1:23 ترفل في أثواب من الغنى والنعمة
1:26 لم تشهد لها مثيلاً من قبل
1:29 فقد كان رزقها يأتيها رغداً من كل مكان
1:33 وكان خلفاء بني أمية يتيحون لها من أسباب الثراء
1:38 ما لم يخطر ببال
1:40 لكن سالم بن عبد الله
1:43 لم يقبل على الدنيا كما أقبل عليها غيره
1:47 ولم يحفل بعرضها الفاني
1:49 كما حفل به سواه
1:51 وإنما زهد بما في أيدي الناس رغبة بما عند الله
1:56 وأعرض عن العاجلة
1:58 رجاء الفوز بالآجلة
2:01 ولقد جرب خلفاء بني أمية أن يغدقوا عليه الخير
2:06 كما أغدقوه على غيره
2:08 فوجدوه زاهداً بما في أيديهم
2:12 مستصغراً للدنيا وما فيها
2:15 ففي ذات سنة
2:18 قدم سليمان بن عبد الملك مكة حاجة
2:22 فلما أخذ يطوف طواف القدوم
2:25 أبصر سالم بن عبد الله يجلس قبالة الكعبة في خضوع
2:30 ويحرك لسانه بالقرآن في تبتل وخشوع
2:35 وعبراته تسح على خديه سحى
2:39 حتى لك أن وراء عينيه بحر من الدموع
2:43 فلما فرغ الخليفة من طوافه
2:46 وصلى ركعتين سنة الطواف
2:49 توجه إلى حيث يجلس سالم بن عبد الله
2:53 فأفسح الناس له الطريق
2:55 حتى أخذ مكانه بجانبه
2:58 وكاد يمس بركبته ركبته
3:01 فلم يتنبه له سالم ولم يلتفت إليه
3:05 لأنه كان مستغرقاً بما هو فيه
3:08 مشغولاً بذكر الله عن كل شيء
3:12 وطفق الخليفة يرقب سالماً بطرف خفي
3:16 ويلتمس فرصة يتوقف فيها عن التلاوة
3:20 ويكف عن النحيب حتى يكلمه
3:24 فلما واتته الفرصة مال عليه وقال
3:28 السلام عليك يا أبا عمر ورحمة الله
3:32 فقال وعليك السلام ورحمة الله تعالى
3:37 وبركاته فقال الخليفة بصوت خفيض
3:41 سلني حاجة أقضها لك يا أبا عمر
3:45 فلم يجبه سالم بشيء
3:48 فظن الخليفة أنه لم يسمعه
3:51 فمال عليه أكثر من ذي قبل وقال
3:55 رغبت بأن تسألني حاجة لأقضيها لك
4:00 فقال سالم والله إني لأستحي
4:04 أن أكون في بيت الله جل وعز
4:07 ثم أسأل أحداً غيره
4:10 فخجل الخليفة وسكت
4:13 لكنه ظل جالساً في مكانه
4:17 نهض سالم يريد المضي إلى رحله
4:21 فلحقت به جموع الناس
4:24 هذا يسأله عن حديث من أحاديث
4:27 رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
4:30 وذاك يستفتيه في أمر من أمور الدين
4:34 وثالث يستنصحه في شأن من شؤون الدنيا
4:38 ورابع يطلب منه الدعاء
4:41 وكان في جملة من لحق به
4:44 خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك
4:47 فلما رآه الناس
4:50 وسعوا له حتى هذا منكبه
4:53 منكب سالم بن عبد الله
4:56 فمال عليه وهمس في أذنه قائلا
4:59 ها نحن أولئي قد غدونا
5:02 خارج المسجد فسلني حاجة
5:05 أقضها لك فقال سالم
5:08 من حوائج الدنيا أم من حوائج
5:12 فارتبك الخليفة وقال
5:15 بل من حوائج الدنيا
5:18 فقال له سالم إنني لم أطلب
5:21 حوائج الدنيا ممن يملكها
5:24 فكيف أطلبها ممن لا يملكها
5:27 فخجل الخليفة منه
5:30 وحياه وانصرف عنه وهو يقول
5:33 ما أعزكم آل الخطاب
5:36 بالزهادة والتقى
5:39 بارك الله جل وعز
5:42 بارك الله عليكم من آل بيت
5:46 وفي السنة التي قبلها
5:49 حج الوليد بن عبد الملك
5:52 فلما أفاض الناس من عرفات
5:55 لقي الخليفة سالم بن عبد الله
5:58 في المزدلفة وهو محرم
6:01 فحياه وبياه
6:04 ثم نظر إلى جسده المكشوف
6:08 كأنه بناء مبني
6:11 فقال له إنك لحسن الجسم يا أبا عمر
6:14 فما أكثر طعامك
6:17 فقال الخبز والزيت
6:20 واذا وجدت اللحم أحيانا أكلته
6:23 فقال الخبز والزيت
6:26 فقال نعم
6:29 فقال أوتشتهيه
6:32 فقال إذا لم أشتهيه أتركه
6:35 إذا أجوع فأشتهيه
6:40 وكما أشبه سالم جده الفاروق
6:43 في الإعراض عن الدنيا
6:46 والزهادة بعرضها الفاني
6:49 فقد أشبهه أيضا في الجهر
6:52 بكلمة الحق
6:55 مهما كانت ثقيلة الوطأة
6:58 شديدة التبعات
7:01 من ذلك أنه دخل على الحجاج
7:04 حب به الحجاج وأدنى مجلسه
7:07 وبالغ في إكرامه
7:10 وفيما هما كذلك
7:13 إذ أتي الحجاج بطائفة من الرجال
7:16 شعث الشعور غبر الأجسام
7:19 صفر الوجوه مقرنين في الأصفاد
7:22 فالتفت الحجاج إلى سالم
7:25 وقال هؤلاء بغات
7:28 مفسدون في الأرض
7:32 ثم أعطاه سيفة
7:35 وأشار إلى أولهم وقال
7:38 عليك به فقم إليه وضرب عنقه
7:41 فأخذ سالمون السيفة من يد الحجاج
7:44 ومضى نحو الرجل
7:47 وقد شخصت أبصار القوم نحوه
7:50 تنظر ماذا يفعل
7:53 فلما وقف على الرجل قال له
7:56 أمسلم أنت؟ فقال نعم
7:59 وهذا السؤال
8:02 امضي لإنفاذ ما أمرت به
8:06 فقال له سالم وهل صليت الصبح
8:09 فقال الرجل
8:12 قلت لك إني مسلم
8:15 ثم تسألني إن كنت صليت الصبح
8:18 وهل تظن أن هناك مسلما لا يصلي
8:21 فقال سالم
8:24 أسألك أصليت صبح هذا اليوم
8:27 هداك الله
8:30 قلت لك نعم
8:33 وسألتك أن تنفذ ما أمرك به هذا الظالم
8:36 وإلا عرضت نفسك لسخطه
8:39 فرجع سالم إلى الحجاج
8:42 ورمى السيف بين يديه وقال
8:45 إن الرجل يقر بأنه مسلم
8:48 ويقول إنه صلى صبح هذا اليوم
8:51 وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:54 فقال من صلى صلاة الصبح
8:57 فهو في ذمة الله
9:00 وإني لا أقتل رجلا دخل في ذمة الله عز وجل
9:03 فقال له الحجاج
9:06 مغضبا إننا لا نقتله
9:09 على تركي صلاة الصبح
9:12 وإنما نقتله لأنه ممن أعان على
9:15 قتل الخليفة عثمان بن عفان
9:18 فقال له سالم
9:21 من هو أولى مني ومنك بدم عثمان
9:24 فسكت الحجاج
9:27 ولم يحر جوابا
9:30 ثم إن أحد شهود المجلس قدم على المدينة
9:33 وأخبر عبدالله بن عمر
9:36 بما طلبه الحجاج من ابنه سالم
9:39 فلم يتريث حتى يسمع بقية الخبر
9:42 وإنما بادر محدثه قائلا
9:45 وما صنع سالم بأمر الحجاج
9:48 فقال له صنع كذا وكذا
9:51 فسري عنه وقال
9:54 كيس كيس عاقل عاقل
9:57 ولما آلت الخلافة
10:02 إلى عمر بن عبد العزيز
10:05 كتب إلى سالم بن عبد الله يقول
10:08 أما بعد فإن الله عز وجل
10:11 ابتلاني بما ابتلاني به من ولاية
10:14 أمر المسلمين عن غير مشورة
10:18 فأسأل الله الذي ابتلاني بهذا الأمر
10:21 أن يعينني عليه
10:24 فإذا جاءك كتابي هذا
10:27 فابعث لي بكتب عمر بن الخطاب
10:30 وأقضيته وسيرته
10:33 فإني عازم على أن أتبع سيرته
10:36 وأسير على نهجه إن أعانني الله
10:39 على ذلك والسلام
10:42 فكتب إليه سالم يقول أما بعد
10:45 فقد جاءني كتابك الذي تذكر فيه
10:48 أن الله عز وجل ابتلاك
10:51 بإمرة المسلمين من غير طلب منك
10:54 ولا مشورة وأنك تريد أن تسير
10:57 بسيرة عمر فلا يفتك
11:00 أنك في زمان غير زمان عمر
11:03 وأنه ليس في رجالك من يماثل
11:06 رجال عمر ولكن
11:09 اعلم أنك إن ويت الحق وأردته
11:12 أعانك الله عليه وأتاح لك
11:15 عمالا يقومون لك به
11:18 وأتاك بهم من حيث لا تحتسب
11:21 فإن عون الله للعبد على قدر
11:24 نيته فمن تمت نيته
11:27 في الخير تم عون الله له
11:30 ومن قصرت نيته نقص من عون
11:33 الله له بقدر نقص نيته
11:36 وإذا نازعتك نفسك إلى
11:39 لا يرضي الله جل وعز
11:42 فاذكر من كان قبلك من ذوي السلطان
11:45 الذين سبقوك إلى الرحيل عن هذه الدنيا
11:48 وسأل نفسك
11:51 كيف تفقأت عيونهم التي كانوا
11:54 يشاهدون بها اللذات
11:57 وكيف تمزقت بطونهم التي كانوا
12:00 لا يشبعون بها من الشهوات
12:03 وكيف صاروا جيفا
12:06 ولم توارها آكام الأرض
12:09 لضججنا من ريحها
12:12 ولمسنا الضر من نتنها
12:15 والسلام عليك ورحمة الله تعالى
12:18 وبركاته
12:22 وبعد فقد عاش سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
12:25 عمرا مديدا
12:28 حافلا بالتقا عامرا بالهدى
12:31 أعرض فيه عن زينة الدنيا وزخرفها
12:34 وأقبل خلاله على ما يرضي الله
12:37 فأكل من الطعام ما غلم
12:40 ولبس من الثياب ما خشن
12:43 وغزى الروم مع جيوش المسلمين جنديا
12:46 وقضى حوائج المسلمين
12:49 وحنى عليهم حنو والأمهات
12:52 فلما أتاه اليقين
12:56 سنة ست ومائة للهجرة
12:59 ارتجت المدينة حزنا عليه
13:02 وكنعيه في كل قلب لوعة
13:05 وعلى كل خد دمعة
13:08 وهب الناس كل الناس يشيعون
13:11 جنازته ويشهدون دفنه
13:14 وكان هشام بن عبد الملك
13:17 يومئذ موجودا في المدينة
13:20 فخرج للصلاة عليه وتشيعه
13:23 فلما رأى تزاحم الناس وتدفقهم
13:26 هالته كثرتهم
13:29 واثارت في صدره شيئا من الحسد
13:32 فساءل نفسه قائلا
13:35 ترى كم يخرج من هؤلاء الناس
13:38 لو أن خليفة المسلمين مات في
13:41 بلدهم هذا
13:44 ثم قال لإبراهيم بن هشام المخزومي
13:47 واليه على المدينة
13:50 افرض على أهل المدينة أن يبعثوا
13:53 أربعة آلاف رجل إلى الثغور
13:56 عام عام أربعة الآلاف
14:03 لم يكن أحد في زمان سالم
14:06 بن عبد الله أشبه منه
14:09 بمن مضى من الصالحين
14:12 في الزهد والفضل والعيش
14:15 الإمام مالك
14:32 رحلوا وألقوا
14:35 في الظمير سؤالا
14:38 هل مثلهم نجم
14:41 سما وتلالا
14:44 ملأوا الحياة
14:47 مفاخرا بالفعلهم
14:50 وزهت بهم دنيا الأناه