ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 11 من 14
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (29) | سالم بن عبدالله بن عمر رحمه الله | ج (2)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو طالاً
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
سالم بن عبد الله بن عمر
0:33
رحمه الله
0:43
كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب
0:46
طائفة من الأبناء
0:48
لكن ابنه عبد الله
0:50
كان أشدهم شبهاً به
0:52
وكان لعبد الله بن عمر
0:54
عدد من الأبناء
0:56
أكثر مما كان لأبيه
0:58
لكن ابنه سالم
1:00
كان أشدهم شبهاً به
1:03
فتعالوا نتابع قصة حياة سالم بن عبد الله
1:07
حفيد الفاروق
1:09
وأشبه الناس به خلقاً وخلقاً
1:12
وديناً وسمتا
1:14
عاش سالم بن عبد الله في رحاب طيبة المطيبة
1:21
وكان الطيبة إذاك
1:23
ترفل في أثواب من الغنى والنعمة
1:26
لم تشهد لها مثيلاً من قبل
1:29
فقد كان رزقها يأتيها رغداً من كل مكان
1:33
وكان خلفاء بني أمية يتيحون لها من أسباب الثراء
1:38
ما لم يخطر ببال
1:40
لكن سالم بن عبد الله
1:43
لم يقبل على الدنيا كما أقبل عليها غيره
1:47
ولم يحفل بعرضها الفاني
1:49
كما حفل به سواه
1:51
وإنما زهد بما في أيدي الناس رغبة بما عند الله
1:56
وأعرض عن العاجلة
1:58
رجاء الفوز بالآجلة
2:01
ولقد جرب خلفاء بني أمية أن يغدقوا عليه الخير
2:06
كما أغدقوه على غيره
2:08
فوجدوه زاهداً بما في أيديهم
2:12
مستصغراً للدنيا وما فيها
2:15
ففي ذات سنة
2:18
قدم سليمان بن عبد الملك مكة حاجة
2:22
فلما أخذ يطوف طواف القدوم
2:25
أبصر سالم بن عبد الله يجلس قبالة الكعبة في خضوع
2:30
ويحرك لسانه بالقرآن في تبتل وخشوع
2:35
وعبراته تسح على خديه سحى
2:39
حتى لك أن وراء عينيه بحر من الدموع
2:43
فلما فرغ الخليفة من طوافه
2:46
وصلى ركعتين سنة الطواف
2:49
توجه إلى حيث يجلس سالم بن عبد الله
2:53
فأفسح الناس له الطريق
2:55
حتى أخذ مكانه بجانبه
2:58
وكاد يمس بركبته ركبته
3:01
فلم يتنبه له سالم ولم يلتفت إليه
3:05
لأنه كان مستغرقاً بما هو فيه
3:08
مشغولاً بذكر الله عن كل شيء
3:12
وطفق الخليفة يرقب سالماً بطرف خفي
3:16
ويلتمس فرصة يتوقف فيها عن التلاوة
3:20
ويكف عن النحيب حتى يكلمه
3:24
فلما واتته الفرصة مال عليه وقال
3:28
السلام عليك يا أبا عمر ورحمة الله
3:32
فقال وعليك السلام ورحمة الله تعالى
3:37
وبركاته فقال الخليفة بصوت خفيض
3:41
سلني حاجة أقضها لك يا أبا عمر
3:45
فلم يجبه سالم بشيء
3:48
فظن الخليفة أنه لم يسمعه
3:51
فمال عليه أكثر من ذي قبل وقال
3:55
رغبت بأن تسألني حاجة لأقضيها لك
4:00
فقال سالم والله إني لأستحي
4:04
أن أكون في بيت الله جل وعز
4:07
ثم أسأل أحداً غيره
4:10
فخجل الخليفة وسكت
4:13
لكنه ظل جالساً في مكانه
4:17
نهض سالم يريد المضي إلى رحله
4:21
فلحقت به جموع الناس
4:24
هذا يسأله عن حديث من أحاديث
4:27
رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
4:30
وذاك يستفتيه في أمر من أمور الدين
4:34
وثالث يستنصحه في شأن من شؤون الدنيا
4:38
ورابع يطلب منه الدعاء
4:41
وكان في جملة من لحق به
4:44
خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك
4:47
فلما رآه الناس
4:50
وسعوا له حتى هذا منكبه
4:53
منكب سالم بن عبد الله
4:56
فمال عليه وهمس في أذنه قائلا
4:59
ها نحن أولئي قد غدونا
5:02
خارج المسجد فسلني حاجة
5:05
أقضها لك فقال سالم
5:08
من حوائج الدنيا أم من حوائج
5:12
فارتبك الخليفة وقال
5:15
بل من حوائج الدنيا
5:18
فقال له سالم إنني لم أطلب
5:21
حوائج الدنيا ممن يملكها
5:24
فكيف أطلبها ممن لا يملكها
5:27
فخجل الخليفة منه
5:30
وحياه وانصرف عنه وهو يقول
5:33
ما أعزكم آل الخطاب
5:36
بالزهادة والتقى
5:39
بارك الله جل وعز
5:42
بارك الله عليكم من آل بيت
5:46
وفي السنة التي قبلها
5:49
حج الوليد بن عبد الملك
5:52
فلما أفاض الناس من عرفات
5:55
لقي الخليفة سالم بن عبد الله
5:58
في المزدلفة وهو محرم
6:01
فحياه وبياه
6:04
ثم نظر إلى جسده المكشوف
6:08
كأنه بناء مبني
6:11
فقال له إنك لحسن الجسم يا أبا عمر
6:14
فما أكثر طعامك
6:17
فقال الخبز والزيت
6:20
واذا وجدت اللحم أحيانا أكلته
6:23
فقال الخبز والزيت
6:26
فقال نعم
6:29
فقال أوتشتهيه
6:32
فقال إذا لم أشتهيه أتركه
6:35
إذا أجوع فأشتهيه
6:40
وكما أشبه سالم جده الفاروق
6:43
في الإعراض عن الدنيا
6:46
والزهادة بعرضها الفاني
6:49
فقد أشبهه أيضا في الجهر
6:52
بكلمة الحق
6:55
مهما كانت ثقيلة الوطأة
6:58
شديدة التبعات
7:01
من ذلك أنه دخل على الحجاج
7:04
حب به الحجاج وأدنى مجلسه
7:07
وبالغ في إكرامه
7:10
وفيما هما كذلك
7:13
إذ أتي الحجاج بطائفة من الرجال
7:16
شعث الشعور غبر الأجسام
7:19
صفر الوجوه مقرنين في الأصفاد
7:22
فالتفت الحجاج إلى سالم
7:25
وقال هؤلاء بغات
7:28
مفسدون في الأرض
7:32
ثم أعطاه سيفة
7:35
وأشار إلى أولهم وقال
7:38
عليك به فقم إليه وضرب عنقه
7:41
فأخذ سالمون السيفة من يد الحجاج
7:44
ومضى نحو الرجل
7:47
وقد شخصت أبصار القوم نحوه
7:50
تنظر ماذا يفعل
7:53
فلما وقف على الرجل قال له
7:56
أمسلم أنت؟ فقال نعم
7:59
وهذا السؤال
8:02
امضي لإنفاذ ما أمرت به
8:06
فقال له سالم وهل صليت الصبح
8:09
فقال الرجل
8:12
قلت لك إني مسلم
8:15
ثم تسألني إن كنت صليت الصبح
8:18
وهل تظن أن هناك مسلما لا يصلي
8:21
فقال سالم
8:24
أسألك أصليت صبح هذا اليوم
8:27
هداك الله
8:30
قلت لك نعم
8:33
وسألتك أن تنفذ ما أمرك به هذا الظالم
8:36
وإلا عرضت نفسك لسخطه
8:39
فرجع سالم إلى الحجاج
8:42
ورمى السيف بين يديه وقال
8:45
إن الرجل يقر بأنه مسلم
8:48
ويقول إنه صلى صبح هذا اليوم
8:51
وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:54
فقال من صلى صلاة الصبح
8:57
فهو في ذمة الله
9:00
وإني لا أقتل رجلا دخل في ذمة الله عز وجل
9:03
فقال له الحجاج
9:06
مغضبا إننا لا نقتله
9:09
على تركي صلاة الصبح
9:12
وإنما نقتله لأنه ممن أعان على
9:15
قتل الخليفة عثمان بن عفان
9:18
فقال له سالم
9:21
من هو أولى مني ومنك بدم عثمان
9:24
فسكت الحجاج
9:27
ولم يحر جوابا
9:30
ثم إن أحد شهود المجلس قدم على المدينة
9:33
وأخبر عبدالله بن عمر
9:36
بما طلبه الحجاج من ابنه سالم
9:39
فلم يتريث حتى يسمع بقية الخبر
9:42
وإنما بادر محدثه قائلا
9:45
وما صنع سالم بأمر الحجاج
9:48
فقال له صنع كذا وكذا
9:51
فسري عنه وقال
9:54
كيس كيس عاقل عاقل
9:57
ولما آلت الخلافة
10:02
إلى عمر بن عبد العزيز
10:05
كتب إلى سالم بن عبد الله يقول
10:08
أما بعد فإن الله عز وجل
10:11
ابتلاني بما ابتلاني به من ولاية
10:14
أمر المسلمين عن غير مشورة
10:18
فأسأل الله الذي ابتلاني بهذا الأمر
10:21
أن يعينني عليه
10:24
فإذا جاءك كتابي هذا
10:27
فابعث لي بكتب عمر بن الخطاب
10:30
وأقضيته وسيرته
10:33
فإني عازم على أن أتبع سيرته
10:36
وأسير على نهجه إن أعانني الله
10:39
على ذلك والسلام
10:42
فكتب إليه سالم يقول أما بعد
10:45
فقد جاءني كتابك الذي تذكر فيه
10:48
أن الله عز وجل ابتلاك
10:51
بإمرة المسلمين من غير طلب منك
10:54
ولا مشورة وأنك تريد أن تسير
10:57
بسيرة عمر فلا يفتك
11:00
أنك في زمان غير زمان عمر
11:03
وأنه ليس في رجالك من يماثل
11:06
رجال عمر ولكن
11:09
اعلم أنك إن ويت الحق وأردته
11:12
أعانك الله عليه وأتاح لك
11:15
عمالا يقومون لك به
11:18
وأتاك بهم من حيث لا تحتسب
11:21
فإن عون الله للعبد على قدر
11:24
نيته فمن تمت نيته
11:27
في الخير تم عون الله له
11:30
ومن قصرت نيته نقص من عون
11:33
الله له بقدر نقص نيته
11:36
وإذا نازعتك نفسك إلى
11:39
لا يرضي الله جل وعز
11:42
فاذكر من كان قبلك من ذوي السلطان
11:45
الذين سبقوك إلى الرحيل عن هذه الدنيا
11:48
وسأل نفسك
11:51
كيف تفقأت عيونهم التي كانوا
11:54
يشاهدون بها اللذات
11:57
وكيف تمزقت بطونهم التي كانوا
12:00
لا يشبعون بها من الشهوات
12:03
وكيف صاروا جيفا
12:06
ولم توارها آكام الأرض
12:09
لضججنا من ريحها
12:12
ولمسنا الضر من نتنها
12:15
والسلام عليك ورحمة الله تعالى
12:18
وبركاته
12:22
وبعد فقد عاش سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
12:25
عمرا مديدا
12:28
حافلا بالتقا عامرا بالهدى
12:31
أعرض فيه عن زينة الدنيا وزخرفها
12:34
وأقبل خلاله على ما يرضي الله
12:37
فأكل من الطعام ما غلم
12:40
ولبس من الثياب ما خشن
12:43
وغزى الروم مع جيوش المسلمين جنديا
12:46
وقضى حوائج المسلمين
12:49
وحنى عليهم حنو والأمهات
12:52
فلما أتاه اليقين
12:56
سنة ست ومائة للهجرة
12:59
ارتجت المدينة حزنا عليه
13:02
وكنعيه في كل قلب لوعة
13:05
وعلى كل خد دمعة
13:08
وهب الناس كل الناس يشيعون
13:11
جنازته ويشهدون دفنه
13:14
وكان هشام بن عبد الملك
13:17
يومئذ موجودا في المدينة
13:20
فخرج للصلاة عليه وتشيعه
13:23
فلما رأى تزاحم الناس وتدفقهم
13:26
هالته كثرتهم
13:29
واثارت في صدره شيئا من الحسد
13:32
فساءل نفسه قائلا
13:35
ترى كم يخرج من هؤلاء الناس
13:38
لو أن خليفة المسلمين مات في
13:41
بلدهم هذا
13:44
ثم قال لإبراهيم بن هشام المخزومي
13:47
واليه على المدينة
13:50
افرض على أهل المدينة أن يبعثوا
13:53
أربعة آلاف رجل إلى الثغور
13:56
عام عام أربعة الآلاف
14:03
لم يكن أحد في زمان سالم
14:06
بن عبد الله أشبه منه
14:09
بمن مضى من الصالحين
14:12
في الزهد والفضل والعيش
14:15
الإمام مالك
14:32
رحلوا وألقوا
14:35
في الظمير سؤالا
14:38
هل مثلهم نجم
14:41
سما وتلالا
14:44
ملأوا الحياة
14:47
مفاخرا بالفعلهم
14:50
وزهت بهم دنيا الأناه