ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 14 من 14
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (37) | أبو حنيفة النعمان رحمه الله | ج (2)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:28
أبو حنيفة النعمان
0:33
رحمه الله
0:43
دخل أبو حنيفة النعمان على الإمام مالك
0:47
وعنده ثلة من أصحابه
0:50
فلما خرج من عنده
0:52
التفت مالك إلى جلسائه وقال
0:55
أتدرون من هذا
0:58
فقالوا لا
1:00
فقال هذا النعمان ابن ثابت
1:04
هذا الذي لو قال عن هذه السارية
1:07
إنها ذهب لحتج لما قال
1:11
ولخرجت كذلك
1:13
لم يكن الإمام مالك مبالغاً فيما وصف به أبا حنيفة من قوة الحجة
1:20
وسرعة البديهة
1:22
وتوقّد الذهن وحدة الخاطر
1:25
قطّفحت كتب التاريخ والسير بأخبار مواقفه مع خصومه في الرأي
1:31
ومناوئيه في العقيدة
1:33
وكلها شواهد على صحة ما نعته به الإمام مالك
1:38
من أنه لو زعم لك أن التراب الذي بين يديك ذهب
1:43
لما وسعك إلا أن تذعن لحجته وأن تسلم لدعواه
1:49
فكيف إذا كان يناضل عن الحق
1:52
ويجادل من أجله
1:54
من ذلك أن رجلا من أهل الكوفة أضله الله
2:01
وكان ذا قدر في عيون بعض الناس
2:04
وصاحب كلمة مسموعة لديهم
2:08
وكان الرجل يزعم للناس فيما يزعمه لهم
2:12
أن عثمان بن عفان كان يهوديا في أصله
2:16
وأنه ظل على يهوديته بعد الإسلام أيضا
2:21
فلما سمع أبو حنيفة مقالته هذه
2:25
مضى إليه وقال
2:27
لقد جئتك خاطبا ابنتك فلانة لأحد أصحابي
2:32
فقال أهلا بك ومرحبا
2:36
إن مثلك لا ترد له حاجة يا أبا حنيفة
2:40
ولكن من الخاطب
2:43
فقال رجل موسوم بين قومه بالشرف والغنى
2:48
سخي اليد مبسوط الكف
2:51
حافظ لكتاب الله عز وجل
2:54
يقوم الليل كله في ركعة
2:57
كثير البكاء من خوف الله تعالى
3:01
فقال الرجل بخ بخ حسبك يا أبا حنيفة
3:06
إن بعض ما ذكرته من صفات الخاطب
3:09
يجعله كفأ لبنت أمير المؤمنين
3:13
فقال أبو حنيفة
3:15
غير أن فيه خصلة لا بد من أن تقف عليها
3:20
قال وما هي
3:22
قال إنه يهودي
3:25
فانتفض الرجل وقال يهودي
3:28
أتريد مني أن أزوج ابنتي من يهودي يا أبا حنيفة
3:33
والله لا أزوجها منه
3:36
ولو جمع خصال الأولين والآخرين
3:40
فقال أبو حنيفة
3:42
تأبى أن تزوج ابنتك من يهودي
3:45
وتنكر ذلك أشد الإنكار
3:48
ثم تزعم للناس
3:50
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:53
زوج ابنتيه كلتيهما من يهودي
3:57
فعرت الرجل رعدة وقال
4:00
أستغفر الله من قول سوء قلته
4:03
وأتوب إليه من فرية افتريتها
4:07
ومن ذلك أيضا
4:11
أن أحد الخوارج
4:13
وهو الضحاك الشاري
4:15
جاء إلى أبي حنيفة ذات يوم وقال
4:19
تب يا أبا حنيفة
4:21
فقال مم أتوب
4:24
فقال الخارجي
4:26
من قولك بجواز التحكيم
4:28
الذي جرى بين علي ومعاوية
4:31
فقال له أبو حنيفة
4:34
ألا تقبل أن تناظرني في هذا الأمر
4:37
فقال الخارجي يبلى
4:40
فقال أبو حنيفة
4:42
فإن اختلفنا في شيء مما نتناظر فيه
4:45
فمن يحكم بيننا
4:48
فقال الخارجي
4:50
حكم من تشاء
4:52
فالتفت أبو حنيفة إلى رجل من أصحاب الخارجي
4:56
كان معه وقال
4:58
أحكم بيننا فيما نختلف فيه
5:01
ثم قال للخارجي
5:03
أنا رضيت بصاحبك
5:05
فهل ترضى به أنت
5:08
فسر الخارجي وقال نعم
5:11
فقال أبو حنيفة
5:13
ويحك
5:15
تجوز التحكيم فيما يشجر بيني وبينك
5:18
وتنكره على اثنين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
5:24
فبهت الخارجي
5:26
ولم يحر جوابا
5:28
ومن ذلك أيضا
5:32
أن جهم ابن صفوان
5:34
رأس الفرقة الجهمية الضالة المبتدعة
5:38
وزارع الشر في أرض الإسلام
5:41
جاء مرة أبو حنيفة وقال
5:44
لقد أتيتك لأكلمك في أشياء هيأتها لك
5:49
فقال أبو حنيفة
5:51
الكلام معك عار
5:53
والخوض فيما تذهب إليه نار تلضى
5:57
فقال جهم
5:59
كيف حكمت علي بما حكمت
6:02
وأنت لم تلقني من قبل
6:04
ولم تسمع كلامي
6:06
فقال أبو حنيفة
6:08
لقد بلغتني عنك أقاويل لا تصدر عن رجل من أهل القبلة
6:14
فقال جهم
6:16
أتحكم علي بالغيب
6:18
فقال أبو حنيفة
6:20
لقد شهر ذلك عنك واستفاد
6:23
وعرفته العامة والخاصة
6:26
فجاز لي أن أثبته عليك بما تواتر عنك
6:31
فقال جهم
6:33
أنا لا أريد أن أسألك إلا عن الإيمان
6:37
فقال أبو حنيفة
6:39
أولم تعرف الإيمان إلى هذه الساعة حتى تسألني عنه
6:44
فقال جهم
6:46
بلى ولكني شككت في نوع منه
6:50
فقال أبو حنيفة
6:52
الشك في الإيمان كفر
6:55
فقال جهم
6:57
لا يحل لك أن تصمني بالكفر
7:00
إلا إذا سمعت مني ما يكفر
7:03
فقال أبو حنيفة
7:06
فقال جهم
7:08
أخبرني عن رجل عرف الله بقلبه
7:12
وعلم أنه واحد لا شريك له ولا ند
7:16
وعرفه بصفاته
7:18
وأنه ليس كمثله شيء
7:21
ثم مات ولم يعلن الإيمان بلسانه
7:25
أفيموت مؤمنا أم كافرا
7:28
فقال أبو حنيفة
7:30
يموت كافرا
7:32
ويكون من أهل النار
7:34
إذا لم يصرح بلسانه عما عرفه بجنانه
7:38
ما لم يمنعه من التصريح باللسان مانع
7:42
فقال جهم
7:44
كيف لا يكون مؤمنا
7:46
وقد عرف الله حق معرفته
7:49
فقال أبو حنيفة
7:51
إن كنت تؤمن بالقرآن
7:53
وتجعله حجة
7:55
كلمتك به
7:57
وإن كنت لا تؤمن بالقرآن
8:00
ولا تراه حجة
8:02
كلمتك بما نكلم به من خالف الإسلام
8:06
فقال جهم
8:08
بل أؤمن بالقرآن
8:10
وأجعله حجة
8:12
فقال أبو حنيفة
8:14
إن الله تبارك وتعالى
8:16
جعل الإيمان بجارحتين اثنتين
8:19
بالقلب واللسان
8:21
لا بواحدة منهما
8:24
وكتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:29
طافحان بتقرير ذلك
8:31
قال تعالى
8:33
فهم عرفوا الحق بجنانهم
8:37
ونطقوا به بلسانهم
8:39
فأدخلهم الله بما قالوا
8:42
جنات تجري من تحتها الأنهار
8:45
وقال تعالى
8:47
قولوا
8:49
فأمرهم بالقول
8:51
ولم يكتف منهم بالمعرفة والعلم
8:54
وقال عليه الصلاة والسلام
8:57
قولوا لا إله إلا الله تفلح
9:01
فلم يجعل الفلاح بالمعرفة وحدها
9:04
وإنما ضم إليها القول
9:07
وقال عليه الصلاة والسلام
9:10
يخرج من النار من قال لا إله إلا الله
9:15
فلم يقل يخرج من النار من عرف الله
9:18
ولو كان القول لا يحتاج إليه
9:21
ويكتف بالمعرفة من دونه
9:24
لكان إبليس مؤمنا
9:26
لأنه عارف بربه
9:29
فهو يعلم أنه هو الذي خلقه
9:32
وهو الذي يميته
9:34
وهو الذي يبعثه
9:36
وهو الذي أغواه
9:38
قال تعالى على لسانه
9:41
خلقتني من نار وخلقته من طين
9:45
وقال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون
9:50
وقال فبما أغويتني
9:53
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
9:57
ولو كان ما تزعمه صحيحا
10:00
لكان كثير من الكفار مؤمنين
10:03
بمعرفتهم لربهم
10:05
مع إنكارهم له بلسانهم
10:08
قال تعالى
10:10
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم
10:14
فلم يجعلهم مؤمنين باستيقانهم
10:17
وإنما عدهم كافرين لجحود ألسنتهم
10:22
ومضى أبو حنيفة يتدفق على هذا النسق
10:26
تارة بالقرآن وأخرى بالحديث
10:29
حتى بدل انبهار والخذلان على وجه جهم
10:34
وانسل من بين يدي أبي حنيفة وهو يقول
10:38
لقد أذكرتني شيئا كنت ناسيه وسأرجع إليك
10:43
ثم مضى إلى غير عودة
10:46
ومن ذلك أيضا
10:50
أن أبا حنيفة لقي طائفة من الملحدين
10:54
الذين ينكرون وجود الخالق جل وعز
10:58
فقال لهم
11:00
ما تقولون في سفينة مشحونة بالأثقال
11:04
مملؤة بالأمتعة والأحمال
11:07
قد أحاطت بها في لجة البحر أمواج متلاطمة
11:12
وعصفت بها رياح عاتية
11:15
غير أنها ظلت تجري هادئة في طريقها المرسومة
11:20
وتمضي مطمئنة إلى غايتها المعلومة
11:24
من غير الطراب ولا خلل ولا انحراف
11:28
وليس على ظهرها ملاح يحكم سيرها
11:32
أو موجه ينظم خطوها
11:35
أفيصح ذلك في الفكر؟
11:38
فقالوا لا إن هذا شيء لا يقبله العقل
11:42
ولا يجيزه الوهم أيها الشيخ
11:46
فقال يا سبحان الله
11:49
تنكرون أن تجري سفينة في البحر جريا محكما
11:53
من غير أن يكون لها ربان يتعهدها
11:57
وتقرون قيام هذا الكون
12:00
ببحاره الزاخرة وأفلاكه السائرة
12:03
وطيره السابح وحيوانه السارح
12:07
من غير صانع يحكم صنعته
12:10
ومدبر يحسن تدبيره
12:13
تبا لكم ولما تأفكون
12:16
وبعد فقد قطع أبو حنيفة رحلة الحياة كلها
12:23
ينافح عن دين الله
12:26
بما وهبه الخالق من حجة بالغة
12:29
ويجادل عن شرعه بما حباه الله من منطق فذ
12:34
فلما أتاه اليقين
12:37
وجدوا في وصيته أنه عزم على أهله
12:41
أن يدفنوه في أرض طيبة
12:44
من يجنبوه كل مكان فيه شبهة غصب
12:48
فلما بلغت وصيته المنصور
12:51
قال من يعذرنا من أبي حنيفة
12:55
حيا وميتا
12:57
ولقد أوصى أبو حنيفة بأن يتولى
13:00
غسله الحسن بن عمارة
13:03
فلما غسله قال
13:06
رحمك الله يا أبا حنيفة
13:09
وغفر لك جزاء ما قدمت
13:12
إنك لم تفطر منذ ثلاثين سنة
13:15
ولم تتوسد بالليل يمينك منذ أربعين سنة
13:20
ولقد أتعبت الفقهاء من بعدك
13:24
كان أبو حنيفة نعمان
13:30
شديد الذب عن حرمات الله
13:33
طويل الصمت
13:35
دائم الفكر
13:38
الإمام أبو يوتيف
13:48
يقول إذا سعى أو قال
13:52
كانوا هنا يسقون غيما حياتنا
13:57
فمو وفينا ذكرهم يتعالى
14:02
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
14:07
هل مثلهم نجم سما وتلالا
14:12
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
14:17
وزهت بهم دنيا الأنا