ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 2 من 14
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (11) | ربيعة الرأي رحمه الله | الجزء 2
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو طالاً
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
ربيعة الرأو
0:33
رحمه الله
0:41
في ذات عشية من عشيات الصيف المقمرة
0:45
بلغ المدينة المنورة فارس في أواخر العقد السادس من عمره
0:51
ومضى في أزقتها راكباً جواده قاصداً داره
0:56
وهو لا يدري إن كانت داره ما تزال قائمةً على عهده بها
1:02
أم أن الأيام قد فعلت بها فعلها
1:06
فلقد مضى على غيابه عنها ثلاثون عاماً أو نحواً من ذلك
1:12
وكان يسائل نفسه عن زوجته الشابة التي خلفها في تلك الدار
1:18
ما فعلت
1:20
وعن جنينها الذي كانت تحمله بين جوانحها
1:24
أوضعته ذكراً أم أنثا
1:27
أحي هو أم ميت
1:29
وأيذا كان حيا فما شأنه
1:33
وعن ذلك المبلغ الكبير الذي جمعه من غنائم الجهاد
1:38
وتركه وديعةً عندها حين مضى مجاهداً في سبيل الله
1:43
مع الجيوش الإسلامية المتوجهة لفتح بخارا وسمر قند وما جاورهما
1:51
ولقد كانت أزقة المدينة وشوارعها ما تزال عامرةً بالغادين والرائحين
2:00
فالناس لم يفرغوا من صلاة العشاء إلا وشيكا
2:05
لكن أحداً من هؤلاء الناس الذين مر بهم لم يعرفه ولم يأبه له
2:12
ولم يلتفت إلى جواده المطهّم
2:15
ولا إلى سيفه المتدلّي من عاتقه
2:19
فسكان المدن الإسلامية كانوا قد ألفوا منظر المجاهدين الغادين إلى القتال في سبيل الله أو العائدين منه
2:29
لكن ذلك كان سبباً في إثارة حزن الفارس وزدياد وساوسه
2:36
وفيما كان الفارس سابحاً في أفكاره هذه
2:40
ماضياً يتلمّس طريقه في تلك الأزقة التي عراها التغيير
2:46
وجد نفسه فجأةً أمام داره وألفى بابها مشقوقا
2:52
فأعجلته الفرحة عن الاستئذان على أهلها
2:56
وولج من الباب وأوغل في صحن الدار
3:00
سمع رب الدار صرير الباب فآطل من عليةه
3:06
فرأى في ضوء القمر رجلاً متوشحاً سيفه متقلداً رمحه
3:12
يقتحم عليه في الليل داره
3:15
وكانت زوجته الشابة تقف غير بعيد عن مرما بصر الرجل الغريب
3:21
فهب مغضباً ونزل إليه حافياً وهو يقول
3:26
أتتستر بجنح الليل يا عدو الله
3:30
وتقتحم منزلي وتهجم على حريمي
3:34
واندفع نحوه كما يندفع الأسد الضاري إذا أريد عرينه بسوء
3:40
ولم يدع له فرصةً للكلام
3:44
وتواثب كل من الرجلين على صاحبه
3:47
وعلى الجلبتهما وارتفع ضجيجهما
3:51
وتدفق الجيران على البيت من كل صوب
3:55
فأحاطوا بالرجل الغريب إحاطة الغل بالعنق
3:59
وأعانوا جارهم عليه
4:02
فأمسك به صاحب الدار
4:04
وأحكم قبضته على خناقه وقال
4:08
والله لا أطلقك يا عدو الله إلا عند الوالي
4:13
فقال الرجل
4:15
ما أنا بعدو الله ولم أرتكب ذنبا
4:19
وإنما هو بيتي وملك يميني
4:22
وجدت بابه مفتوحاً فدخلته
4:25
ثم التفت إلى الناس وقال
4:28
يا قوم اسمعوا مني
4:31
هذا البيت بيتي شريته بمالي
4:35
يا قوم أنا فروخ
4:38
ألم يبق في الجيران أحد يعرف فروخا
4:42
الذي غدا منذ ثلاثين عاماً مجاهداً في سبيل الله
4:47
وكانت واردة صاحب الدار نائمة
4:50
فاستيقظت على الضجيج
4:52
وأطلت من نافذة عليةها
4:56
فرأت زوجها بشحمه ولحمه
4:59
فكادت تعقد الدهشة لسانها
5:02
لكنها ما لبثت أن قالت
5:05
دعوه دعه يا ربيعة
5:08
دعه يا ولدي إنه أبوك
5:11
انصرفوا عنه يا قوم بارك الله عليكم
5:15
حذاري يا أبا عبد الرحمن
5:18
إن هذا الذي تتصدى له
5:21
ولدك وفلذة كبدك
5:24
فما كادت كلماتها تلامس الآذان
5:27
حتى أقبل فروخ على ربيعة
5:30
وجعل يضمه ويعانقه
5:33
وأقبل ربيعة على فروخ
5:36
وطفق يقبل يديه وعنقه ورأسه
5:39
وانفض عنهما الناس
5:42
ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها
5:45
الذي ما كانت تظنظن
5:48
أنها ستلقاه على هذه الأرض
5:51
بعد أن انقطعت أخباره
5:54
مدة تقارب ثلث قرن من الزمان
5:58
جلس فروخ إلى زوجته
6:03
وطفق يحدثها عن أحواله
6:06
ويكشف لها عن أسباب قطاع أخباره
6:09
ولكنها كانت في شغل شاغل
6:12
عن كثير مما يقول
6:15
فلقد نغص عليها فرحتها بالقائه
6:18
واجتماع شمله بولده
6:21
خوفها من غضبته على إضاعة
6:24
كل ما أودعه لديها من مال
6:27
كانت تقول في نفسها
6:30
ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير
6:33
الذي تركه أمانة عندي
6:36
وأوصاني أن أنفق منه بالمعروف
6:39
ماذا سيكون منه
6:42
لو أخبرته أنه لم يبق منه شي
6:45
أيقنعه قولي له
6:48
إنني أنفقت ما تركه عندي
6:51
على تربية ابنه وتعليمه
6:55
أي صدق أن يد ابنه
6:58
أندا من السحاب
7:01
وأنه لا يبقي على دينار ولا درهم
7:04
وأن المدينة كلها
7:07
تعلم أنه أنفق على إخوانه
7:10
الآلاف المؤلفة
7:13
وفيما كانت أم ربيعة غارقة
7:16
في هواجسها هذه
7:19
التفت إليها زوجها وقال
7:23
فأخرج المال الذي أودعته
7:26
عندك لنضم هذا إليه
7:29
ونشتري بالمال كله بستانا أو عقارا
7:32
نعيش من غلته
7:35
ما امتدت بنا الحياة
7:38
فتشاغلت عنه ولم تجبه بشي
7:41
فأعاد عليها الطلب وقال
7:44
هيا أين المال
7:47
حتى أضم إليه ما معي
7:50
لقد وضعته حيث يجب أن يوضع
7:53
وسأخرجه لك بعد أيام
7:56
قليلة إن شاء الله
7:59
وقطع صوت المؤذن عليهم الحديث
8:02
فهب فروخ إلى إبريقه
8:05
ثم مضى مسرعا نحو الباب
8:08
وهو يقول أين ربيعة
8:11
فقالوا سبقك إلى المسجد
8:14
منذ النداء الأول
8:17
أنك تدرك الجماعة
8:22
بلغ فروخ المسجد
8:25
فوجد أن الإمام قد فرع وشيكا من الصلاة
8:28
فأدى المكتوبة
8:31
ثم مضى نحو الضريح الشريف
8:34
فسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
8:37
ثم انثنى نحو الرودة المطهرة
8:40
فقد كانت في فؤاده أشواق إليها
8:43
وحنين إلى الصلاة فيها
8:47
فتخير لنفسه مكانا في رحابها النظرة
8:50
ثم جعل يتنفل
8:53
فصلى ما شاء الله أن يصلي
8:56
ثم دعى بما ألهم أن يدعو
8:59
ولما هم بمغادرة المسجد
9:02
وجد باحته قد غصت على رحبها
9:05
بمجلس من مجالس العلم
9:08
لم يشهد له نظيرا من قبل
9:11
ورأى الناس قد تحلقوا حول شيخ المجلس
9:14
حلقة اثر حلقه
9:17
حتى لم يتركوا في الساحة موطئا لقدم
9:20
وأجال بصره في الناس
9:23
فإذا فيهم شيوخ معممون
9:26
ذو أسنان ورجال متوقرون
9:29
تدل هيئاتهم على أنهم ذو أقدار
9:32
وشبان كثيرون
9:35
قد جثوا على ركبهم
9:38
وأخذوا أقلامهم بأيديهم
9:41
وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ
9:44
كما تلتقط الدرر
9:47
ويحفظونه في دفاترهم
9:50
كما تحفظ الأعلاق النفيسة
9:53
وكان الناس متجهين بأبصارهم
9:56
إلى حيث يجلس الشيخ
9:59
منصتين إلى كل ما يلفظ من قول
10:02
حتى لك أن على رؤوسهم الطير
10:05
وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ
10:09
فلا يفوت أحدا شيء من كلامه
10:12
مهما كان بعيدا
10:15
وحاول فروق أن يتبين صورة الشيخ
10:18
فلم يفلح لموقعه منه
10:21
وبعده عنه
10:24
لقد راعه منه بيانه المشرق
10:27
وعلمه المتدفق
10:30
وحافظته العجيبة
10:33
وأدهشه خضوع الناس بين يديه
10:36
حتى ختم الشيخ مجلسه ونهض واقفا
10:39
فهب الناس متجهين نحوه
10:42
وتزاحموا عليه وأحاطوا به
10:45
واندفعوا وراءه يشيعونه
10:48
إلى خارج المسجد
10:51
وهنا التفت فروق إلى رجل
10:54
كان يجلس بجانبه وقال
10:57
قل لي بربك من الشيخ
11:00
فقال الرجل باستغراب
11:04
فقال فروق بلى
11:07
فقال الرجل وهل في المدينة
11:10
رجل واحد لا يعرف الشيخ
11:13
فقال فروق أعذرني
11:16
إذا كنت لا أعرفه
11:19
فلقد أمضيت نحو من ثلاثين عاما
11:22
بعيدا عن المدينة
11:25
ولم أعد إليها إلا أمس
11:28
فقال الرجل لا بأس
11:32
ثم قال إن الشيخ الذي استمعت إليه
11:35
سيد من سادات التابعين
11:38
وعلم من أعلام المسلمين
11:41
وهو محدث المدينة وفقيهها
11:44
وإمامها على الرغم من حداثة
11:47
سنه فقال فروق
11:50
ما شاء الله لا قوة إلا بالله
11:53
فأتبع الرجل يقول
11:56
وإن مجلسه يضمك ما رأيت
11:59
مالك بن أنس
12:02
وأبا حنيفة النعمان
12:05
ويحي بن سعيد الأنصاري
12:08
وسفيان الثوري
12:11
وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي
12:14
والليث بن سعد
12:17
وغيرهم وغيرهم
12:20
فقال فروق غير أنك
12:23
فلم يتح له الرجل فرصة لإتمام كلامه
12:27
موطأ الأكناف سخي اليد
12:30
فما عرف أهل المدينة أحدا
12:33
أوفر منه جودا لصديق وبن صديق
12:36
ولا أزهد منه في متاع الدنيا
12:39
ولا أرغب منه بما عند الله
12:42
فقال فروق
12:45
ولكنك لم تذكر ليسمه
12:48
فقال الرجل إنه ربيعة الرأي
12:51
فقال فروق ربيعة الرأي
12:55
فقال الرجل نعم إن اسمه ربيعة
12:58
لكن علماء المدينة وشيوخها
13:01
دعوه ربيعة الرأي
13:04
لأنهم كانوا إذا لم يجدوا
13:07
لقضية نصا في كتاب الله
13:10
أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
13:13
لجأوا إليه
13:16
فيجتهد في الأمر ويقيس ما
13:19
لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص
13:22
ويأتيهم بالحكم فيما أشكل عليهم
13:25
على وجه تركن إليه النفوس
13:28
وتطمئن له القلوب
13:31
فقال فروق في لهفة
13:34
ولكنك لم تنسبه لي
13:37
فقال الرجل إنه ربيعة بن فروق
13:40
المكنى بأبي عبد الرحمن
13:43
لقد ولد بعد أن غادر أبوه المدينة
13:46
مجاهدا في سبيل الله
13:49
فقال أمه تربيته وتنشئته
13:52
ولقد سمعت الناس قبيل الصلاة
13:55
يقولون إن أباه عاد الليلة الماضية
13:58
عند ذلك
14:01
تحدرت من عيني فروق
14:04
دمعتان كبيرتان
14:07
لم يعرف لهم الرجل سببا
14:10
ومضى يحث الخطى نحو بيته
14:13
فلما رأته أم ربيعة
14:16
ما بك يا أبا ربيعة
14:19
فقال ما بي إلا الخير
14:22
لقد رأيت ولدنا ربيعة
14:25
في مقام من العلم والشرف والمجد
14:28
ما رأيته لأحد من قبل
14:31
فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت
14:34
أي ما أحب إليك
14:37
ثلاثون ألف دينار أم هذا
14:40
الذي بلغه ولدك من العلم والشرف
14:43
فقال بل والله هذا أحب إليك
14:46
وأثر عندي من مال الدنيا
14:49
كله فقالت
14:52
لقد أنفقت ما تركته عندي عليه
14:55
فهل طابت نفسك بما فعلت
14:58
فقال نعم وجزيتي
15:01
عني وعنه وعن المسلمين
15:04
خير الجزاء
15:20
كانوا هنا
15:23
يسقون غيما حياتنا
15:26
فما مو فينا
15:29
ذكرهم يتعالى
15:32
رحلوا وألقوا في الظمير
15:35
سؤالا
15:38
هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:41
ملأوا الحياة
15:44
مفاخرا بالفعلهم
15:47
وزهت بهم دنيا الأنا