صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (11) | ربيعة الرأي رحمه الله | الجزء 2

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:57 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو طالاً
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 ربيعة الرأو
0:33 رحمه الله
0:41 في ذات عشية من عشيات الصيف المقمرة
0:45 بلغ المدينة المنورة فارس في أواخر العقد السادس من عمره
0:51 ومضى في أزقتها راكباً جواده قاصداً داره
0:56 وهو لا يدري إن كانت داره ما تزال قائمةً على عهده بها
1:02 أم أن الأيام قد فعلت بها فعلها
1:06 فلقد مضى على غيابه عنها ثلاثون عاماً أو نحواً من ذلك
1:12 وكان يسائل نفسه عن زوجته الشابة التي خلفها في تلك الدار
1:18 ما فعلت
1:20 وعن جنينها الذي كانت تحمله بين جوانحها
1:24 أوضعته ذكراً أم أنثا
1:27 أحي هو أم ميت
1:29 وأيذا كان حيا فما شأنه
1:33 وعن ذلك المبلغ الكبير الذي جمعه من غنائم الجهاد
1:38 وتركه وديعةً عندها حين مضى مجاهداً في سبيل الله
1:43 مع الجيوش الإسلامية المتوجهة لفتح بخارا وسمر قند وما جاورهما
1:51 ولقد كانت أزقة المدينة وشوارعها ما تزال عامرةً بالغادين والرائحين
2:00 فالناس لم يفرغوا من صلاة العشاء إلا وشيكا
2:05 لكن أحداً من هؤلاء الناس الذين مر بهم لم يعرفه ولم يأبه له
2:12 ولم يلتفت إلى جواده المطهّم
2:15 ولا إلى سيفه المتدلّي من عاتقه
2:19 فسكان المدن الإسلامية كانوا قد ألفوا منظر المجاهدين الغادين إلى القتال في سبيل الله أو العائدين منه
2:29 لكن ذلك كان سبباً في إثارة حزن الفارس وزدياد وساوسه
2:36 وفيما كان الفارس سابحاً في أفكاره هذه
2:40 ماضياً يتلمّس طريقه في تلك الأزقة التي عراها التغيير
2:46 وجد نفسه فجأةً أمام داره وألفى بابها مشقوقا
2:52 فأعجلته الفرحة عن الاستئذان على أهلها
2:56 وولج من الباب وأوغل في صحن الدار
3:00 سمع رب الدار صرير الباب فآطل من عليةه
3:06 فرأى في ضوء القمر رجلاً متوشحاً سيفه متقلداً رمحه
3:12 يقتحم عليه في الليل داره
3:15 وكانت زوجته الشابة تقف غير بعيد عن مرما بصر الرجل الغريب
3:21 فهب مغضباً ونزل إليه حافياً وهو يقول
3:26 أتتستر بجنح الليل يا عدو الله
3:30 وتقتحم منزلي وتهجم على حريمي
3:34 واندفع نحوه كما يندفع الأسد الضاري إذا أريد عرينه بسوء
3:40 ولم يدع له فرصةً للكلام
3:44 وتواثب كل من الرجلين على صاحبه
3:47 وعلى الجلبتهما وارتفع ضجيجهما
3:51 وتدفق الجيران على البيت من كل صوب
3:55 فأحاطوا بالرجل الغريب إحاطة الغل بالعنق
3:59 وأعانوا جارهم عليه
4:02 فأمسك به صاحب الدار
4:04 وأحكم قبضته على خناقه وقال
4:08 والله لا أطلقك يا عدو الله إلا عند الوالي
4:13 فقال الرجل
4:15 ما أنا بعدو الله ولم أرتكب ذنبا
4:19 وإنما هو بيتي وملك يميني
4:22 وجدت بابه مفتوحاً فدخلته
4:25 ثم التفت إلى الناس وقال
4:28 يا قوم اسمعوا مني
4:31 هذا البيت بيتي شريته بمالي
4:35 يا قوم أنا فروخ
4:38 ألم يبق في الجيران أحد يعرف فروخا
4:42 الذي غدا منذ ثلاثين عاماً مجاهداً في سبيل الله
4:47 وكانت واردة صاحب الدار نائمة
4:50 فاستيقظت على الضجيج
4:52 وأطلت من نافذة عليةها
4:56 فرأت زوجها بشحمه ولحمه
4:59 فكادت تعقد الدهشة لسانها
5:02 لكنها ما لبثت أن قالت
5:05 دعوه دعه يا ربيعة
5:08 دعه يا ولدي إنه أبوك
5:11 انصرفوا عنه يا قوم بارك الله عليكم
5:15 حذاري يا أبا عبد الرحمن
5:18 إن هذا الذي تتصدى له
5:21 ولدك وفلذة كبدك
5:24 فما كادت كلماتها تلامس الآذان
5:27 حتى أقبل فروخ على ربيعة
5:30 وجعل يضمه ويعانقه
5:33 وأقبل ربيعة على فروخ
5:36 وطفق يقبل يديه وعنقه ورأسه
5:39 وانفض عنهما الناس
5:42 ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها
5:45 الذي ما كانت تظنظن
5:48 أنها ستلقاه على هذه الأرض
5:51 بعد أن انقطعت أخباره
5:54 مدة تقارب ثلث قرن من الزمان
5:58 جلس فروخ إلى زوجته
6:03 وطفق يحدثها عن أحواله
6:06 ويكشف لها عن أسباب قطاع أخباره
6:09 ولكنها كانت في شغل شاغل
6:12 عن كثير مما يقول
6:15 فلقد نغص عليها فرحتها بالقائه
6:18 واجتماع شمله بولده
6:21 خوفها من غضبته على إضاعة
6:24 كل ما أودعه لديها من مال
6:27 كانت تقول في نفسها
6:30 ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير
6:33 الذي تركه أمانة عندي
6:36 وأوصاني أن أنفق منه بالمعروف
6:39 ماذا سيكون منه
6:42 لو أخبرته أنه لم يبق منه شي
6:45 أيقنعه قولي له
6:48 إنني أنفقت ما تركه عندي
6:51 على تربية ابنه وتعليمه
6:55 أي صدق أن يد ابنه
6:58 أندا من السحاب
7:01 وأنه لا يبقي على دينار ولا درهم
7:04 وأن المدينة كلها
7:07 تعلم أنه أنفق على إخوانه
7:10 الآلاف المؤلفة
7:13 وفيما كانت أم ربيعة غارقة
7:16 في هواجسها هذه
7:19 التفت إليها زوجها وقال
7:23 فأخرج المال الذي أودعته
7:26 عندك لنضم هذا إليه
7:29 ونشتري بالمال كله بستانا أو عقارا
7:32 نعيش من غلته
7:35 ما امتدت بنا الحياة
7:38 فتشاغلت عنه ولم تجبه بشي
7:41 فأعاد عليها الطلب وقال
7:44 هيا أين المال
7:47 حتى أضم إليه ما معي
7:50 لقد وضعته حيث يجب أن يوضع
7:53 وسأخرجه لك بعد أيام
7:56 قليلة إن شاء الله
7:59 وقطع صوت المؤذن عليهم الحديث
8:02 فهب فروخ إلى إبريقه
8:05 ثم مضى مسرعا نحو الباب
8:08 وهو يقول أين ربيعة
8:11 فقالوا سبقك إلى المسجد
8:14 منذ النداء الأول
8:17 أنك تدرك الجماعة
8:22 بلغ فروخ المسجد
8:25 فوجد أن الإمام قد فرع وشيكا من الصلاة
8:28 فأدى المكتوبة
8:31 ثم مضى نحو الضريح الشريف
8:34 فسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
8:37 ثم انثنى نحو الرودة المطهرة
8:40 فقد كانت في فؤاده أشواق إليها
8:43 وحنين إلى الصلاة فيها
8:47 فتخير لنفسه مكانا في رحابها النظرة
8:50 ثم جعل يتنفل
8:53 فصلى ما شاء الله أن يصلي
8:56 ثم دعى بما ألهم أن يدعو
8:59 ولما هم بمغادرة المسجد
9:02 وجد باحته قد غصت على رحبها
9:05 بمجلس من مجالس العلم
9:08 لم يشهد له نظيرا من قبل
9:11 ورأى الناس قد تحلقوا حول شيخ المجلس
9:14 حلقة اثر حلقه
9:17 حتى لم يتركوا في الساحة موطئا لقدم
9:20 وأجال بصره في الناس
9:23 فإذا فيهم شيوخ معممون
9:26 ذو أسنان ورجال متوقرون
9:29 تدل هيئاتهم على أنهم ذو أقدار
9:32 وشبان كثيرون
9:35 قد جثوا على ركبهم
9:38 وأخذوا أقلامهم بأيديهم
9:41 وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ
9:44 كما تلتقط الدرر
9:47 ويحفظونه في دفاترهم
9:50 كما تحفظ الأعلاق النفيسة
9:53 وكان الناس متجهين بأبصارهم
9:56 إلى حيث يجلس الشيخ
9:59 منصتين إلى كل ما يلفظ من قول
10:02 حتى لك أن على رؤوسهم الطير
10:05 وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ
10:09 فلا يفوت أحدا شيء من كلامه
10:12 مهما كان بعيدا
10:15 وحاول فروق أن يتبين صورة الشيخ
10:18 فلم يفلح لموقعه منه
10:21 وبعده عنه
10:24 لقد راعه منه بيانه المشرق
10:27 وعلمه المتدفق
10:30 وحافظته العجيبة
10:33 وأدهشه خضوع الناس بين يديه
10:36 حتى ختم الشيخ مجلسه ونهض واقفا
10:39 فهب الناس متجهين نحوه
10:42 وتزاحموا عليه وأحاطوا به
10:45 واندفعوا وراءه يشيعونه
10:48 إلى خارج المسجد
10:51 وهنا التفت فروق إلى رجل
10:54 كان يجلس بجانبه وقال
10:57 قل لي بربك من الشيخ
11:00 فقال الرجل باستغراب
11:04 فقال فروق بلى
11:07 فقال الرجل وهل في المدينة
11:10 رجل واحد لا يعرف الشيخ
11:13 فقال فروق أعذرني
11:16 إذا كنت لا أعرفه
11:19 فلقد أمضيت نحو من ثلاثين عاما
11:22 بعيدا عن المدينة
11:25 ولم أعد إليها إلا أمس
11:28 فقال الرجل لا بأس
11:32 ثم قال إن الشيخ الذي استمعت إليه
11:35 سيد من سادات التابعين
11:38 وعلم من أعلام المسلمين
11:41 وهو محدث المدينة وفقيهها
11:44 وإمامها على الرغم من حداثة
11:47 سنه فقال فروق
11:50 ما شاء الله لا قوة إلا بالله
11:53 فأتبع الرجل يقول
11:56 وإن مجلسه يضمك ما رأيت
11:59 مالك بن أنس
12:02 وأبا حنيفة النعمان
12:05 ويحي بن سعيد الأنصاري
12:08 وسفيان الثوري
12:11 وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي
12:14 والليث بن سعد
12:17 وغيرهم وغيرهم
12:20 فقال فروق غير أنك
12:23 فلم يتح له الرجل فرصة لإتمام كلامه
12:27 موطأ الأكناف سخي اليد
12:30 فما عرف أهل المدينة أحدا
12:33 أوفر منه جودا لصديق وبن صديق
12:36 ولا أزهد منه في متاع الدنيا
12:39 ولا أرغب منه بما عند الله
12:42 فقال فروق
12:45 ولكنك لم تذكر ليسمه
12:48 فقال الرجل إنه ربيعة الرأي
12:51 فقال فروق ربيعة الرأي
12:55 فقال الرجل نعم إن اسمه ربيعة
12:58 لكن علماء المدينة وشيوخها
13:01 دعوه ربيعة الرأي
13:04 لأنهم كانوا إذا لم يجدوا
13:07 لقضية نصا في كتاب الله
13:10 أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
13:13 لجأوا إليه
13:16 فيجتهد في الأمر ويقيس ما
13:19 لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص
13:22 ويأتيهم بالحكم فيما أشكل عليهم
13:25 على وجه تركن إليه النفوس
13:28 وتطمئن له القلوب
13:31 فقال فروق في لهفة
13:34 ولكنك لم تنسبه لي
13:37 فقال الرجل إنه ربيعة بن فروق
13:40 المكنى بأبي عبد الرحمن
13:43 لقد ولد بعد أن غادر أبوه المدينة
13:46 مجاهدا في سبيل الله
13:49 فقال أمه تربيته وتنشئته
13:52 ولقد سمعت الناس قبيل الصلاة
13:55 يقولون إن أباه عاد الليلة الماضية
13:58 عند ذلك
14:01 تحدرت من عيني فروق
14:04 دمعتان كبيرتان
14:07 لم يعرف لهم الرجل سببا
14:10 ومضى يحث الخطى نحو بيته
14:13 فلما رأته أم ربيعة
14:16 ما بك يا أبا ربيعة
14:19 فقال ما بي إلا الخير
14:22 لقد رأيت ولدنا ربيعة
14:25 في مقام من العلم والشرف والمجد
14:28 ما رأيته لأحد من قبل
14:31 فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت
14:34 أي ما أحب إليك
14:37 ثلاثون ألف دينار أم هذا
14:40 الذي بلغه ولدك من العلم والشرف
14:43 فقال بل والله هذا أحب إليك
14:46 وأثر عندي من مال الدنيا
14:49 كله فقالت
14:52 لقد أنفقت ما تركته عندي عليه
14:55 فهل طابت نفسك بما فعلت
14:58 فقال نعم وجزيتي
15:01 عني وعنه وعن المسلمين
15:04 خير الجزاء
15:20 كانوا هنا
15:23 يسقون غيما حياتنا
15:26 فما مو فينا
15:29 ذكرهم يتعالى
15:32 رحلوا وألقوا في الظمير
15:35 سؤالا
15:38 هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:41 ملأوا الحياة
15:44 مفاخرا بالفعلهم
15:47 وزهت بهم دنيا الأنا