ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 13 من 37
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (13) | عامر بن شراحبيل (الشعبي) رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
عامر بن شرحبي
0:33
رحمه الله
0:43
لست سنوات خلت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه
0:48
ولد للمسلمين مولود نحيل الجسم ضأيل الجرم
0:53
ذلك لأن أخاه زاحمه على رحم أمه
0:58
فلم يدع له مجالاً للنمو
1:01
لكنه لم يستطع بعد ذلك
1:04
أن يزاحمه لا هو ولا غيره في مجالات العلم والحلم
1:09
والحفظ والفهم والعبقرية
1:12
ذلك هو عامر بن شرحبيل الحميري
1:16
المعروف بالشعبي
1:18
نابغة المسلمين في عصره
1:22
ولد الشعبي في الكوفة وفيها نشأ
1:25
لكن المدينة المنورة
1:28
كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه
1:31
فكان يأمها من حين لآخر
1:34
ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
1:38
وليأخذ عنهم
1:40
كما كان الصحابة الكرام يأمون الكوفة
1:44
ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله
1:48
أو داراً لإيقامتهم
1:50
فأوتيح له أن يلقى نحو من خمسمائة من الصحابة الكرام
1:56
وأن يروي عن عدد كبير من جلتهم
1:59
من أمثال علي بن أبي طالب
2:02
وسعد بن أبي وقاص
2:04
وزيد بن ثابت
2:06
وعبادة بن الصامت
2:08
وأبي موسى الأشعري
2:10
وأبي سعيد الخدري
2:12
والنعمان بن بشير
2:14
وعبد الله بن عمر
2:16
وعبد الله بن عباس
2:18
وعدي بن حاتم
2:20
وأبي هريرة
2:22
وعائشة أم المؤمنين
2:24
وغيرهم وغيرهم
2:26
رضي الله عنهم أجمعين
2:28
وقد كان الشعبي فتاً متوقد الذكاء يقظ الفؤاد
2:35
مرهف الذهن دقيق الفهم
2:38
آية في قوة الحافظة والذاكرة
2:41
فقد روي عنه أنه قال
2:44
ما كتبت سوداء في بيضاء قط
2:48
ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته
2:52
ولا سمعت من امرئ كلاماً
2:55
ثم أحببت أن يعيده علي
2:58
وقد كان الفتا مولعاً بالعلم مشغوفاً بالمعرفة
3:02
يبذل في سبيلهم النفس والنفيس
3:05
ويستسهل من أجلهم المصاعب
3:08
إذ كان يقول
3:10
لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن
3:15
فحفظ كلمة واحدة تنفعه فيما يستقبل من عمره
3:20
لرأيت أن سفره لم يضع
3:23
وقد بلغ من علمه أنه كان يقول
3:26
أقل شيء تعلمته الشعر
3:29
ولو شئت لأن شدتكم منه شهراً
3:32
دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته
3:36
وكانت تعقد له حلقة في جامع الكوفة
3:40
فيلتف الناس حوله زمراً زمراً
3:43
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيا
3:48
يروحون ويغدون بين أظهر الناس
3:51
بل إن عبدالله بن عمر رضي الله عنه
3:55
سمعه ذات مرة يقص على الناس أخبار المغازي
4:00
بخفاياها ودقائقها
4:03
فأرهف إليه سمعه وقال
4:06
لقد شهدت بعض ما يقصه بعيني
4:09
وسمعته بأذني
4:11
ومع ذلك فهو أروا له مني
4:15
وشواهد سعة علم الشعبي
4:17
وحضور ذهنه غزيرة وفيرة
4:20
من ذلك ما رواه عن نفسه
4:23
قال أتاني رجلان يتفاخران
4:27
أحدهما من بني عامر
4:29
والآخر من بني أسد
4:31
وقد غلب العامري صاحبه وعلى عليه
4:35
وأخذه من ثوبه وجعل يجره نحوي جرا
4:39
والأسدي مخذول أمامه يقول له
4:43
دعني دعني
4:45
والعامري يقول له
4:47
والله لا أدعك حتى يحكم الشعبي لي عليك
4:52
فالتفدت إلى العامري وقلت له
4:55
دع صاحبك حتى أحكم بينكما
4:58
ثم نظرت إلى الأسدي وقلت
5:01
ما لي أراك تتخاذل له
5:04
ولقد كانت لكم مفاخر ست
5:07
لم تكن لأحد من العرب
5:09
أولها
5:11
أنه كانت منكم امرأة خطبها سيد الخلق
5:15
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
5:19
فزوجه الله إياها من فوق سبع سماوات
5:23
وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام
5:27
إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش
5:31
فكانت هذه المأثرة لقومك
5:34
ولم تكن لأحد من العرب غيركم
5:38
والثانية
5:39
أنه كان منكم رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض
5:44
هو عكاشة بن محصن
5:47
كانت هذه لكم يا بني أسد
5:50
ولم تكن لسواكم من الناس
5:53
والثالثة
5:55
أن أول لواء عقد في الإسلام
5:58
كان لرجل منكم
6:00
هو عبد الله بن جحش
6:02
والرابعة
6:04
أن أول مغنم قسم في الإسلام كان مغنمه
6:08
والخامسة
6:10
أن أول من بايع بيعة الرضوان كان منكم
6:14
فقد جاء صاحبكم أبو سنان بن وهب
6:17
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:20
وقال يا رسول الله
6:23
أبسط يدك أو بايعك
6:26
قال صلى الله عليه وسلم
6:28
على ماذا
6:30
قال على ما في نفسك
6:32
قال عليه الصلاة والسلام
6:34
وما في نفسي
6:36
قال فتح أو شهادة
6:39
قال نعم
6:41
فبايعه
6:42
فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان
6:46
والسادسة
6:48
أن قومك بني أسد
6:50
كانوا سبع المهاجرين يوم بدر
6:53
فبهت العامري وسكت
6:56
ولا ريب في أن الشعبي
6:59
أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب
7:03
ولو كان العامري هو المخذول
7:06
لذكر له من مآثر قومه ما لم يحط به خبرى
7:11
ولما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان
7:17
كتب إلى الحجاج عامله على العراق
7:20
أن يبعث إلي رجلا يصلح للدين والدنيا
7:24
أتخذه سميرا وجليسا
7:27
فبعث إليه بالشعبي
7:30
فجعله من خاصته
7:32
وأخذ يفزع إلى علمه في المعضلات
7:35
ويعول على رأيه في الملمات
7:38
ويبعثه سفيرا بينه وبين الملوك
7:42
أرسله مرة في مهمة إلى جستنيان ملك الروم
7:47
فلما وفد عليه واستمع إليه
7:50
أخذ بذكائه ودهش من دهائه
7:54
وأعجب بسعة الطلاعه وقوة عارضته
7:58
فاستبقاه عنده أياما كثيرة على غير عادته مع السفراء
8:04
فلما ألح عليه بأن يأذن له بالعودة إلى دمشق
8:09
سأله الملك الرومي
8:11
أمن أهل بيت الملك أنت
8:14
فقال لا
8:15
وإنما أنا رجل من جملة المسلمين
8:19
فلما أذن له بالرحيل
8:22
قال له
8:23
إذا رجعت إلى صاحبك
8:25
يعني عبد الملك بن مروان
8:28
وأبلغته جميع ما يريد معرفته
8:31
فادفع إليه هذه الرقعة
8:34
فلما عاد الشعبي إلى دمشق
8:37
بادر إلى لقاء عبد الملك
8:40
وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه
8:43
وأجابه عن جميع ما سأله عنه
8:47
ولما نهض لينصرف
8:49
قال يا أمير المؤمنين
8:51
إن ملك الرومي حملني لك هذه الرقعة
8:55
ودفعها إليه وانصرف
8:58
فلما قرآها عبد الملك
9:01
قال لغلمانه
9:02
ردوه علي
9:04
فردوه
9:05
فقال عبد الملك للشعبي
9:08
أعلمت ما في هذه الرقعة
9:11
فقال
9:12
لا يا أمير المؤمنين
9:14
فقال عبد الملك
9:16
لقد كتب إلي ملك الرومي يقول
9:19
عجبت للعرب
9:21
كيف ملكت عليها رجلا غير هذا الفتا
9:25
فبادره الشعبي قائلا
9:28
إنما قال هذا لأنه لم يرك
9:31
ولو رآك يا أمير المؤمنين
9:34
لما قاله
9:36
فقال عبد الملك
9:38
أفتدري لم كتب إلي ملك الرومي بهذا
9:42
فقال الشعبي
9:44
لا يا أمير المؤمنين
9:46
فقال عبد الملك
9:48
إنما كتب إلي بذلك
9:51
لأنه حسدني عليك
9:53
فأراد أن يغريني بقتلك والتخلص منك
9:57
فبلغ ذلك ملك الروم
10:00
فقال
10:01
لله أبوه
10:03
والله ما أردت غير ذلك
10:06
ولقد بلغ الشعبي في العلم منزلة
10:09
جعلته رابع ثلاثة في عصره
10:12
فقد كان الزهري يقول
10:15
العلماء أربعة
10:17
سعيد بن المسيب في المدينة
10:20
وعامر الشعبي في الكوفة
10:23
والحسن البصري في البصرة
10:25
ومكحول في الشام
10:27
لكن الشعبي
10:29
كان لتواضعه يخجل
10:31
إذا خلع عليه أحد لقب العالم
10:35
فقد خاطبه أحدهم قائلا
10:38
أجبني أيها الفقيه العالم
10:41
فقال
10:42
ويحك
10:43
لا تطرنا بما ليس فينا
10:46
الفقيه من تورع عن محارم الله
10:49
والعالم من خشي الله
10:52
وأين نحن من ذلك
10:54
ولقد سأله آخر عن مسأله
10:57
فأجاب
10:58
قال فيها عمر بن الخطاب كذا
11:01
وقال فيها علي بن أبي طالب كذا
11:05
فقال له السائل
11:07
وأنت ماذا تقول يا أبا عمر
11:10
فابتسم في استحياء وقال
11:13
وما تصنع بقولي
11:15
بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي
11:21
وقد كان الشعبي
11:23
يتحلى بكريم الشمائل وجليل الخصائل
11:27
من ذلك
11:28
أنه كان يكره المرا
11:31
ويتصاون من الخوض فيما لا يعنيه
11:34
فلقد كلمه أحد أصحابه ذات يوم فقال
11:38
يا أبا عمر
11:40
فقال لبيك
11:42
فقال
11:43
ما تقول فيما يتكلم فيه الناس من أمر هذه الرجلين
11:49
فقال الشعبي
11:51
أي رجلين تعني
11:53
فقال
11:54
عثمان وعلي
11:56
فقال الشعبي
11:58
إني والله لفي غنى
12:00
عن أن أجيأ يوم القيامة خصيما لعثمان بن عفان
12:05
أو لعلي بن أبي طالب
12:07
رضي الله عنهما
12:09
ولقد جمع الشعبي إلى العلم الحلم
12:14
فقد روي أن رجلا شتمه أقبح الشتم
12:18
وأسمعه أقذع الكلام
12:20
فلم يزد على أن قال له
12:23
إن كنت صادقا فيما ترميني به
12:26
غفر الله لي
12:28
وإن كنت كاذبا
12:30
غفر الله لك
12:32
ولم يكن الشعبي على جلالة قدره وجزالة فضله
12:37
يأنف أن يأخذ المعرفة أو يتلقى الحكمة عن أهون الناس شأنا
12:43
فلقد دأب أعرابي على حضور مجالسه
12:47
غير أنه كان يلوذ بالصمت دائما
12:50
فقال له الشعبي
12:52
ألا تتكلم
12:54
فقال
12:55
أسكت فأسلم
12:57
وأسمع فأعلم
12:59
وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه
13:02
أما حظه من لسانه فيعود على غيره
13:06
فظل الشعبي يردد كلمة الأعرابي ممتدت به الحياة
13:12
ولقد أوتي الشعبي من بلاغة الكلام
13:17
وحسن التصرف فيه
13:19
ما لم يؤته إلا القلة النادرة من الفصحاء الأبينا
13:24
من ذلك
13:26
أنه كلم أمير العراقين عمر بن هبيرة الفزاري
13:31
في جماعة حبسهم فقال
13:34
أيها الأمير
13:36
إن كنت حبستهم بالباطل
13:38
فالحق يخرجهم
13:40
وإن كنت حبستهم بالحق
13:43
فالعفو يسعهم
13:45
فأعجب بقوله
13:47
وأطلقهم كرامة له
13:49
وعلى الرغم من كمال مروأة الشعبي
13:53
وعلو منزلته في الدين والعلم
13:56
فقد كان عذب الروح حلو المفاكهة
14:00
لا يفوت النكتة إذا لا حت له
14:03
فقد دخل عليه رجل
14:05
وهو جالس مع مرأته
14:07
فقال
14:08
أيكم الشعبي
14:10
فقال هذه
14:12
وأشار إلى مرأته
14:14
وسأله آخر
14:16
ماذا كانت تسمى زوجة إبليس
14:19
فقال
14:20
ذلك عرص لم نشهد
14:23
ولعل خير ما يصور خلال الشعبي
14:27
ما حكاه عن نفسه حيث قال
14:30
ما حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر إليه الناس
14:35
ولا ضربت غلاما لي قط
14:38
وما مات ذو قرابة لي وعليه دين
14:42
إلا قضيته عنه
14:45
وبعد
14:46
فقد عمر الشعبي
14:48
حتى نيف على الثمانين
14:50
فلما لبى نداء ربه
14:53
ونعي إلى الحسن البصري
14:55
قال
14:56
يرحمه الله
14:58
فلقد كان واسع العلم
15:00
عظيم الحلم
15:02
وإنه من الإسلام بمكان
15:05
كان الشعبي واسع العلم
15:12
عظيم الحلم
15:14
وإنه من الإسلام بمكان
15:18
الحسن البصري
15:21
مواقفاً ومثالا
15:26
تبع الرسول إذا سعى أو قال
15:31
كانوا هنا يسقون غيم حياتنا
15:36
فمو وفينا ذكرهم يتعالى
15:41
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
15:46
هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:51
ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم
15:56
وزهت بهم دنيا الأنا