صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (13) | عامر بن شراحبيل (الشعبي) رحمه الله

صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (13) | عامر بن شراحبيل (الشعبي) رحمه الله

◉ 8383 مشاهدة ⏱ 16:05 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 عامر بن شرحبي
0:33 رحمه الله
0:43 لست سنوات خلت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه
0:48 ولد للمسلمين مولود نحيل الجسم ضأيل الجرم
0:53 ذلك لأن أخاه زاحمه على رحم أمه
0:58 فلم يدع له مجالاً للنمو
1:01 لكنه لم يستطع بعد ذلك
1:04 أن يزاحمه لا هو ولا غيره في مجالات العلم والحلم
1:09 والحفظ والفهم والعبقرية
1:12 ذلك هو عامر بن شرحبيل الحميري
1:16 المعروف بالشعبي
1:18 نابغة المسلمين في عصره
1:22 ولد الشعبي في الكوفة وفيها نشأ
1:25 لكن المدينة المنورة
1:28 كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه
1:31 فكان يأمها من حين لآخر
1:34 ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
1:38 وليأخذ عنهم
1:40 كما كان الصحابة الكرام يأمون الكوفة
1:44 ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله
1:48 أو داراً لإيقامتهم
1:50 فأوتيح له أن يلقى نحو من خمسمائة من الصحابة الكرام
1:56 وأن يروي عن عدد كبير من جلتهم
1:59 من أمثال علي بن أبي طالب
2:02 وسعد بن أبي وقاص
2:04 وزيد بن ثابت
2:06 وعبادة بن الصامت
2:08 وأبي موسى الأشعري
2:10 وأبي سعيد الخدري
2:12 والنعمان بن بشير
2:14 وعبد الله بن عمر
2:16 وعبد الله بن عباس
2:18 وعدي بن حاتم
2:20 وأبي هريرة
2:22 وعائشة أم المؤمنين
2:24 وغيرهم وغيرهم
2:26 رضي الله عنهم أجمعين
2:28 وقد كان الشعبي فتاً متوقد الذكاء يقظ الفؤاد
2:35 مرهف الذهن دقيق الفهم
2:38 آية في قوة الحافظة والذاكرة
2:41 فقد روي عنه أنه قال
2:44 ما كتبت سوداء في بيضاء قط
2:48 ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته
2:52 ولا سمعت من امرئ كلاماً
2:55 ثم أحببت أن يعيده علي
2:58 وقد كان الفتا مولعاً بالعلم مشغوفاً بالمعرفة
3:02 يبذل في سبيلهم النفس والنفيس
3:05 ويستسهل من أجلهم المصاعب
3:08 إذ كان يقول
3:10 لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن
3:15 فحفظ كلمة واحدة تنفعه فيما يستقبل من عمره
3:20 لرأيت أن سفره لم يضع
3:23 وقد بلغ من علمه أنه كان يقول
3:26 أقل شيء تعلمته الشعر
3:29 ولو شئت لأن شدتكم منه شهراً
3:32 دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته
3:36 وكانت تعقد له حلقة في جامع الكوفة
3:40 فيلتف الناس حوله زمراً زمراً
3:43 وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيا
3:48 يروحون ويغدون بين أظهر الناس
3:51 بل إن عبدالله بن عمر رضي الله عنه
3:55 سمعه ذات مرة يقص على الناس أخبار المغازي
4:00 بخفاياها ودقائقها
4:03 فأرهف إليه سمعه وقال
4:06 لقد شهدت بعض ما يقصه بعيني
4:09 وسمعته بأذني
4:11 ومع ذلك فهو أروا له مني
4:15 وشواهد سعة علم الشعبي
4:17 وحضور ذهنه غزيرة وفيرة
4:20 من ذلك ما رواه عن نفسه
4:23 قال أتاني رجلان يتفاخران
4:27 أحدهما من بني عامر
4:29 والآخر من بني أسد
4:31 وقد غلب العامري صاحبه وعلى عليه
4:35 وأخذه من ثوبه وجعل يجره نحوي جرا
4:39 والأسدي مخذول أمامه يقول له
4:43 دعني دعني
4:45 والعامري يقول له
4:47 والله لا أدعك حتى يحكم الشعبي لي عليك
4:52 فالتفدت إلى العامري وقلت له
4:55 دع صاحبك حتى أحكم بينكما
4:58 ثم نظرت إلى الأسدي وقلت
5:01 ما لي أراك تتخاذل له
5:04 ولقد كانت لكم مفاخر ست
5:07 لم تكن لأحد من العرب
5:09 أولها
5:11 أنه كانت منكم امرأة خطبها سيد الخلق
5:15 محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
5:19 فزوجه الله إياها من فوق سبع سماوات
5:23 وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام
5:27 إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش
5:31 فكانت هذه المأثرة لقومك
5:34 ولم تكن لأحد من العرب غيركم
5:38 والثانية
5:39 أنه كان منكم رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض
5:44 هو عكاشة بن محصن
5:47 كانت هذه لكم يا بني أسد
5:50 ولم تكن لسواكم من الناس
5:53 والثالثة
5:55 أن أول لواء عقد في الإسلام
5:58 كان لرجل منكم
6:00 هو عبد الله بن جحش
6:02 والرابعة
6:04 أن أول مغنم قسم في الإسلام كان مغنمه
6:08 والخامسة
6:10 أن أول من بايع بيعة الرضوان كان منكم
6:14 فقد جاء صاحبكم أبو سنان بن وهب
6:17 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:20 وقال يا رسول الله
6:23 أبسط يدك أو بايعك
6:26 قال صلى الله عليه وسلم
6:28 على ماذا
6:30 قال على ما في نفسك
6:32 قال عليه الصلاة والسلام
6:34 وما في نفسي
6:36 قال فتح أو شهادة
6:39 قال نعم
6:41 فبايعه
6:42 فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان
6:46 والسادسة
6:48 أن قومك بني أسد
6:50 كانوا سبع المهاجرين يوم بدر
6:53 فبهت العامري وسكت
6:56 ولا ريب في أن الشعبي
6:59 أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب
7:03 ولو كان العامري هو المخذول
7:06 لذكر له من مآثر قومه ما لم يحط به خبرى
7:11 ولما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان
7:17 كتب إلى الحجاج عامله على العراق
7:20 أن يبعث إلي رجلا يصلح للدين والدنيا
7:24 أتخذه سميرا وجليسا
7:27 فبعث إليه بالشعبي
7:30 فجعله من خاصته
7:32 وأخذ يفزع إلى علمه في المعضلات
7:35 ويعول على رأيه في الملمات
7:38 ويبعثه سفيرا بينه وبين الملوك
7:42 أرسله مرة في مهمة إلى جستنيان ملك الروم
7:47 فلما وفد عليه واستمع إليه
7:50 أخذ بذكائه ودهش من دهائه
7:54 وأعجب بسعة الطلاعه وقوة عارضته
7:58 فاستبقاه عنده أياما كثيرة على غير عادته مع السفراء
8:04 فلما ألح عليه بأن يأذن له بالعودة إلى دمشق
8:09 سأله الملك الرومي
8:11 أمن أهل بيت الملك أنت
8:14 فقال لا
8:15 وإنما أنا رجل من جملة المسلمين
8:19 فلما أذن له بالرحيل
8:22 قال له
8:23 إذا رجعت إلى صاحبك
8:25 يعني عبد الملك بن مروان
8:28 وأبلغته جميع ما يريد معرفته
8:31 فادفع إليه هذه الرقعة
8:34 فلما عاد الشعبي إلى دمشق
8:37 بادر إلى لقاء عبد الملك
8:40 وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه
8:43 وأجابه عن جميع ما سأله عنه
8:47 ولما نهض لينصرف
8:49 قال يا أمير المؤمنين
8:51 إن ملك الرومي حملني لك هذه الرقعة
8:55 ودفعها إليه وانصرف
8:58 فلما قرآها عبد الملك
9:01 قال لغلمانه
9:02 ردوه علي
9:04 فردوه
9:05 فقال عبد الملك للشعبي
9:08 أعلمت ما في هذه الرقعة
9:11 فقال
9:12 لا يا أمير المؤمنين
9:14 فقال عبد الملك
9:16 لقد كتب إلي ملك الرومي يقول
9:19 عجبت للعرب
9:21 كيف ملكت عليها رجلا غير هذا الفتا
9:25 فبادره الشعبي قائلا
9:28 إنما قال هذا لأنه لم يرك
9:31 ولو رآك يا أمير المؤمنين
9:34 لما قاله
9:36 فقال عبد الملك
9:38 أفتدري لم كتب إلي ملك الرومي بهذا
9:42 فقال الشعبي
9:44 لا يا أمير المؤمنين
9:46 فقال عبد الملك
9:48 إنما كتب إلي بذلك
9:51 لأنه حسدني عليك
9:53 فأراد أن يغريني بقتلك والتخلص منك
9:57 فبلغ ذلك ملك الروم
10:00 فقال
10:01 لله أبوه
10:03 والله ما أردت غير ذلك
10:06 ولقد بلغ الشعبي في العلم منزلة
10:09 جعلته رابع ثلاثة في عصره
10:12 فقد كان الزهري يقول
10:15 العلماء أربعة
10:17 سعيد بن المسيب في المدينة
10:20 وعامر الشعبي في الكوفة
10:23 والحسن البصري في البصرة
10:25 ومكحول في الشام
10:27 لكن الشعبي
10:29 كان لتواضعه يخجل
10:31 إذا خلع عليه أحد لقب العالم
10:35 فقد خاطبه أحدهم قائلا
10:38 أجبني أيها الفقيه العالم
10:41 فقال
10:42 ويحك
10:43 لا تطرنا بما ليس فينا
10:46 الفقيه من تورع عن محارم الله
10:49 والعالم من خشي الله
10:52 وأين نحن من ذلك
10:54 ولقد سأله آخر عن مسأله
10:57 فأجاب
10:58 قال فيها عمر بن الخطاب كذا
11:01 وقال فيها علي بن أبي طالب كذا
11:05 فقال له السائل
11:07 وأنت ماذا تقول يا أبا عمر
11:10 فابتسم في استحياء وقال
11:13 وما تصنع بقولي
11:15 بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي
11:21 وقد كان الشعبي
11:23 يتحلى بكريم الشمائل وجليل الخصائل
11:27 من ذلك
11:28 أنه كان يكره المرا
11:31 ويتصاون من الخوض فيما لا يعنيه
11:34 فلقد كلمه أحد أصحابه ذات يوم فقال
11:38 يا أبا عمر
11:40 فقال لبيك
11:42 فقال
11:43 ما تقول فيما يتكلم فيه الناس من أمر هذه الرجلين
11:49 فقال الشعبي
11:51 أي رجلين تعني
11:53 فقال
11:54 عثمان وعلي
11:56 فقال الشعبي
11:58 إني والله لفي غنى
12:00 عن أن أجيأ يوم القيامة خصيما لعثمان بن عفان
12:05 أو لعلي بن أبي طالب
12:07 رضي الله عنهما
12:09 ولقد جمع الشعبي إلى العلم الحلم
12:14 فقد روي أن رجلا شتمه أقبح الشتم
12:18 وأسمعه أقذع الكلام
12:20 فلم يزد على أن قال له
12:23 إن كنت صادقا فيما ترميني به
12:26 غفر الله لي
12:28 وإن كنت كاذبا
12:30 غفر الله لك
12:32 ولم يكن الشعبي على جلالة قدره وجزالة فضله
12:37 يأنف أن يأخذ المعرفة أو يتلقى الحكمة عن أهون الناس شأنا
12:43 فلقد دأب أعرابي على حضور مجالسه
12:47 غير أنه كان يلوذ بالصمت دائما
12:50 فقال له الشعبي
12:52 ألا تتكلم
12:54 فقال
12:55 أسكت فأسلم
12:57 وأسمع فأعلم
12:59 وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه
13:02 أما حظه من لسانه فيعود على غيره
13:06 فظل الشعبي يردد كلمة الأعرابي ممتدت به الحياة
13:12 ولقد أوتي الشعبي من بلاغة الكلام
13:17 وحسن التصرف فيه
13:19 ما لم يؤته إلا القلة النادرة من الفصحاء الأبينا
13:24 من ذلك
13:26 أنه كلم أمير العراقين عمر بن هبيرة الفزاري
13:31 في جماعة حبسهم فقال
13:34 أيها الأمير
13:36 إن كنت حبستهم بالباطل
13:38 فالحق يخرجهم
13:40 وإن كنت حبستهم بالحق
13:43 فالعفو يسعهم
13:45 فأعجب بقوله
13:47 وأطلقهم كرامة له
13:49 وعلى الرغم من كمال مروأة الشعبي
13:53 وعلو منزلته في الدين والعلم
13:56 فقد كان عذب الروح حلو المفاكهة
14:00 لا يفوت النكتة إذا لا حت له
14:03 فقد دخل عليه رجل
14:05 وهو جالس مع مرأته
14:07 فقال
14:08 أيكم الشعبي
14:10 فقال هذه
14:12 وأشار إلى مرأته
14:14 وسأله آخر
14:16 ماذا كانت تسمى زوجة إبليس
14:19 فقال
14:20 ذلك عرص لم نشهد
14:23 ولعل خير ما يصور خلال الشعبي
14:27 ما حكاه عن نفسه حيث قال
14:30 ما حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر إليه الناس
14:35 ولا ضربت غلاما لي قط
14:38 وما مات ذو قرابة لي وعليه دين
14:42 إلا قضيته عنه
14:45 وبعد
14:46 فقد عمر الشعبي
14:48 حتى نيف على الثمانين
14:50 فلما لبى نداء ربه
14:53 ونعي إلى الحسن البصري
14:55 قال
14:56 يرحمه الله
14:58 فلقد كان واسع العلم
15:00 عظيم الحلم
15:02 وإنه من الإسلام بمكان
15:05 كان الشعبي واسع العلم
15:12 عظيم الحلم
15:14 وإنه من الإسلام بمكان
15:18 الحسن البصري
15:21 مواقفاً ومثالا
15:26 تبع الرسول إذا سعى أو قال
15:31 كانوا هنا يسقون غيم حياتنا
15:36 فمو وفينا ذكرهم يتعالى
15:41 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
15:46 هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:51 ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم
15:56 وزهت بهم دنيا الأنا