صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (33) | رفيع بن مهران رحمه الله

◉ 0 مشاهدة ⏱ 19:56 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالاً
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26 رحمه الله
0:28 رفيع بن مهران
0:32 رحمه الله
0:43 رفيع بن مهران
0:45 المكناب أبي العالية
0:47 علم من أعلام المسلمين
0:50 ورائعة من روائع القراء والمحدثين
0:54 كان من أعلم التابعين بكتاب الله
0:58 وأدراهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
1:02 وأقدرهم على فهم القرآن العزيز
1:05 والنفوذ إلى أغواره
1:07 وأعمقهم في إدراك مراميه وأسراره
1:11 فتعالوا نبدأ حياته من أولها
1:15 فحياته غنية بروائع المواقف والصور
1:19 حافلة بثمين العظاة والعبر
1:23 ولد رفيع بن مهران في بلاد فارس
1:28 وعلى أرضها نشأ وترعرع
1:32 ولما شرع المسلمون بغزو بلاد فارس
1:36 ليخرجوا أهلها من الظلمات إلى النور
1:39 كان رفيع هذا أحد الشبان الأرقاء
1:43 الذين وقعوا في أيدي المسلمين الحانية
1:47 وآلوا إلى رحابهم الخيرة البانية
1:51 ثم ما لبث أن وقف هو ومن معه على سمو الإسلام
1:56 ووازنوا بينه وبين ما كانوا عليه من عبادة الأوثان
2:01 فطفقوا يدخلون في دين الله أفواجا
2:05 ثم أقبلوا على كتاب الله
2:08 وجعلوا يتملون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
2:14 حدث رفيع عما كان عليه وما آل إليه
2:18 قال
2:20 وقعت أنا ونفر من بني قومي أسارا في أيدي المجاهدين
2:25 ثم ما لبثنا أن غدونا مملوكين لطائفة من المسلمين في البصرة
2:31 فلم يمضي علينا طويل وقت حتى آمنا بالله
2:36 وتعلقنا بحفظ كتاب الله
2:39 وكان منا من يؤدي الضرائب لمالكيه
2:43 ومنا من يقوم على خدمتهم
2:46 وكنت واحدا من هؤلاء
2:49 فكنا نختم القرآن الكريم كل ليلة مرة
2:54 فشق علينا ذلك
2:56 فجعلنا نختمه مرة كل ليلتين
3:00 فشق علينا أيضا
3:02 فجعلنا نختمه كل ثلاث
3:05 فشق علينا لما كنا نعانيه من جهد في النهار وسهر في الليل
3:12 فلقينا بعض أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام
3:16 وشكونا لهم مما نكابده من السهر في قراءة كتاب الله
3:22 فقالوا اختموه كل جمعة مرة
3:26 فأخذنا بما أرشدونا إليه
3:29 وجعلنا نقرأ القرآن طرفا من الليل
3:33 وننام طرفا آخر منه
3:36 فلم يشق علينا بعد ذلك
3:39 ولقد آل رفيع بن مهران إلى امرأة من بني تميم
3:45 وكانت هذه المرأة سيدة رصانا رزانا
3:50 مفعمة تقا وإيمانا
3:53 فكان يخدمها بعض النهار ويرتاح في بعضه الآخر
3:58 فأتقن القراءة والكتابة في أوقات فراغه
4:02 وتلقى خلالها طرفا من علوم الدين
4:06 دون أن ينال ذلك شيئا من حقوقها عليه
4:11 وفي ذات يوم من أيام الجمع
4:15 توضأ رفيع فأحسن الوضو
4:18 ثم استأذن سيدته بالانصراف
4:21 فقالت إلى أين يا رفيع
4:24 فقال أبتغي المسجد
4:27 فقالت أي المساجد تريد
4:31 فقال المسجد الجامع
4:34 فقالت هيا بنا
4:37 ثم مضيا معا
4:39 ودخل المسجد مع الداخلين
4:42 وهو لا يعلم ما تريد
4:45 فما إن امتلأ الجامع
4:47 وارتق الإمام المنبر
4:49 حتى أمسكت بيد رفيع وقالت
4:53 اشهدوا يا معشر المسلمين
4:56 أني أعتقت غلامي هذا رغبة في ثواب الله
5:01 وطمعا بعفوه ورضاه
5:04 وأنه ليس لأحد عليه من سبيل
5:07 إلا سبيل المعروف
5:09 ثم نظرت إليه وقالت
5:12 اللهم إني أدخره عندك ليوم
5:16 لا ينفع فيه مال
5:18 ولا بنون
5:20 ولما قضيت الصلاة
5:22 انطلق رفيع إلى سبيله
5:25 وانطلقت هي الأخرى إلى سبيلها أيضا
5:29 دابر رفيع بن مهران منذ ذلك اليوم
5:34 على التردد إلى المدينة المنورة
5:38 فحضي بلقاء الصديق رضوان الله عليه
5:41 وذلك قبيل وفاته بقليل
5:45 كما سعد بالاجتماع إلى أمير المؤمنين
5:48 عمر بن الخطاب
5:50 وقرأ عليه القرآن وصلى خلفه
5:53 وكما أكبر فيع المكناب أبي العالية
5:57 على كتاب الله
5:59 فقد تعلق بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:04 فجعل يسمع روايته من التابعين
6:07 الذين كان يلقاهم في البصرة
6:10 لكنه ما لبث أن طمحت نفسه
6:13 لما هو أثبت من ذلك
6:16 فأخذ يمضي إلى المدينة حينا بعد حين
6:20 ليسمعه من أفواه صحابة الرسول
6:23 صلى الله عليه وسلم أنفسهم
6:26 حتى لا يكون بينه وبين النبي
6:29 عليه الصلاة والسلام
6:31 إلا شخص واحد هو الصحابي
6:34 فأخذ عن عبد الله بن مسعود
6:37 وأوبي بن كعب
6:39 وأبي أيوب الأنصاري
6:41 وأبي هريرة
6:43 وعبد الله بن عباس
6:45 وغيرهم وغيرهم
6:47 رضي الله عنهم أجمعين
6:50 ولم يقتصر أبو العالية
6:52 على رواة الحديث في المدينة المنورة
6:55 وإنما كان ينشد حديث
6:58 الرسول عليه الصلاة والسلام
7:00 في كل مكان
7:02 فإذا وصف له رجل بالعلم
7:05 ضرب إليه أكباد الإبل
7:07 مهما كان بعيد الدار
7:09 نائي المزار
7:11 فإذا وصل إليه
7:13 بادر فصلى خلفه
7:15 فإذا وجده لا يتقن صلاته
7:18 أحسن الإتقان
7:20 ولا يوفيها حقها أكمل التوفية
7:23 أعرض عنه وقال في نفسه
7:26 إن الذي يتهاون في صلاته
7:29 يكون أشد تهاونا في غيرها
7:32 ثم يحمل عصاه
7:34 ويعود من حيث جاء
7:36 ولقد بلغ أبو العالية
7:40 منزلة في العلم
7:42 فاق بها جميع أقرانه
7:45 من ذلك أن أحد أصحابه قال
7:48 رأيت أبو العالية يتوضى
7:51 والماء يقطر من وجهه ويديه
7:54 والطهارة تتألق
7:56 على كل عض من أعضائه
7:59 فحييته وقلت
8:01 إن الله يحب التوابين
8:04 ويحب المتطهرين
8:06 فقال يا أخي
8:08 ليس المتطهرون
8:10 الذين يتطهرون بالماء من الدرن
8:13 وإنما هم الذين يتطهرون
8:16 بالتقوى من الذنوب
8:19 فتأملت ما قاله
8:21 وأدركت أنه أصاب وأخطأت
8:24 وقلت جزاك الله خيرا
8:27 وزادك علما وفهما
8:30 ولقد أبأب العالية على حض
8:33 الناس على طلب العلم
8:35 وجعل يرسم لهم سبل
8:37 الوصول إليه
8:39 وقال
8:41 روضوا أنفسكم على تلق العلم
8:44 وأكثروا من السؤال عنه
8:47 وعلموا أن العلم لا يخفض جناحيه
8:50 لمستح أو متكبر
8:52 فالمستح لا يسأل لحيائه
8:55 والمتكبر لا يسأل لكبريائه
9:00 وكان يحض طلابه على تعلم القرآن ورعايته
9:04 والاستمساك بما جاء فيه
9:07 عما يتقوله المتقولون
9:10 فيقول
9:11 تعلم القرآن
9:13 فإذا تعلمتموه
9:15 فلا تربوا عنه
9:17 وعليكم بالصراط المستقيم
9:20 فإنه الإسلام
9:22 وأياكم وهذه الأهواء
9:25 فإنها توقع بينكم العداوة والبغضاء
9:29 ولا تحيدوا عن الأمر الذي كان عليه
9:32 صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:36 قبل أن يتفرقوا
9:38 فنقلوا ذلك إلى الحسن البصري
9:41 فقال
9:43 لقد نصحكم أبو العالية والله وصدقكم
9:47 كما كان يرسم لطلاب العلم
9:50 الطريق الأمثل لحفظ القرآن
9:53 فيقول
9:54 تعلموا القرآن خمس آيات
9:57 خمس آيات
9:58 فإنه أيسر على أذهانكم
10:01 وأقوى على أفهامكم
10:04 فإن جبريل عليه السلام
10:07 كان ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم
10:11 خمس آيات خمس آيات
10:14 ولم يكن أبو العالية معلما فحسب
10:18 وإنما كان موجها أيضا
10:21 ذلك أنه كان يملأ عقول طلابه
10:24 بالمعرفة النافعة
10:26 ويغذي أفئدتهم بالموعظة الحسنة
10:30 ويجمع بين الأمرين في كثير من الأحيان
10:34 من ذلك قوله لهم
10:37 إن الله قضى على نفسه
10:40 أن من آمن به هداه
10:43 ومصداق ذلك قوله عز وجل
10:46 ومن يؤمن بالله يهدي قلبه
10:50 وأن من توكل عليه كفاه
10:53 ومصداق ذلك قوله تبارك وتعالى
10:57 ومن يتوكل على الله فهو حسبه
11:01 وأن من أقرضه جازاه
11:04 ومصداق ذلك قوله عز من قائل
11:08 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
11:11 فيضاعفه له أضعافا كثيرا
11:15 وأن من دعاه أجابه
11:18 ومصداق ذلك قوله علت كلمته
11:22 وأيذا سألك عبادي عني
11:25 فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان
11:30 وكان يقول لتلاميذه
11:33 اعملوا بالطاعة وأقبلوا على المطيعين لطاعتهم
11:38 واجتنبوا المعصية وعادوا العصاة لمعصيتهم
11:43 ثم كلوا أمر العصاة إلى الله
11:46 فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم
11:51 وإذا سمعتم الرجل يرفع من شأن نفسه فيقول
11:56 إنني أحب في الله وأكره في الله
12:00 وأفضل كذا مرضاة لله
12:03 وأعرض عن كذا خوفا من الله
12:06 فلا تعتدوا به
12:09 ولم يكن أبو العالية عالما عاملا فحسب
12:15 ولا واعظا مرشدا فقط
12:18 وإنما كان مجاهدا أيضا
12:21 فكان يقضي قدرا من وقته في ميادين الجهاد مع المجاهدين
12:27 أو مرابطا على ثغور الأعداء مع المرابطين
12:31 ولقد آثر أن يشرق في جهاده وأن يغرب
12:36 فحارب الروم في بلاد الشام
12:39 كما حارب الفرس في بلاد ما وراء النهر
12:43 وكان أول من رفع الأذان في تلك الديار
12:48 ولما نشب القتال بين علي ومعاوية رضي الله عنهما
12:53 كان لأبي العالية منه موقف حدثنا عنه فقال
12:58 لما وقع ما وقع بين علي ومعاوية
13:02 كنت ممتلئا حيوية ونشاطا
13:06 وكان القتال أحب إلي من الماء البارد في اليوم القائظ
13:11 فتجهزت بجهاز ثم آتيتهم
13:15 فإذا بي أمام صفين ما يدرى طرفاهما
13:20 إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء
13:24 وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء
13:28 فرجعت إلى نفسي وقلت
13:31 أي الفريقين أعده كافرا وأحمل عليه
13:35 وأيهما أعده مؤمنا وأوجاهد معه
13:39 ثم تركتهما وانصرفت
13:42 ولقد ظل أبي العالية طوال حياته أسوان أسفا
13:50 لأنه لم يحظى بلقاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه
13:56 وكان يحاول أن يعوض عن ذلك بالتقرب من كرام الصحابة
14:02 الذين توثقت صلتهم بمحمد الرسول الله صلى الله عليه وسلم
14:08 فكان يؤثرهم ويحبهم
14:11 وكانوا يؤثرونه ويفضلونه
14:14 ومن آيات ذلك أن أنسا خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:21 أهدا له تفاحة كانت في يده
14:24 فأخذها منه وجعل يقبلها ويقول
14:29 تفاحة مستها يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:35 تفاحة مستها يد حضيت بمس يد رسول الله صلى الله عليه وسلم
14:43 ومن ذلك أيضًا أنه دخل ذات مرة على عبد الله بن عباس وكان يومئذ يتولى إمارة البصرة من قبل علي بن أبي طالب
14:56 فرحب به عبد الله بن عباس أجمل الترحيب ورفعه على سريره وأجلسه عن يمينه
15:05 وكان في المجلس طائفة من سادة قريش فتغامزوا به وتهامسوا بينهم
15:12 وقال بعضهم لبعض أرأيتم كيف رفع بن عباس هذا العبد على سريره
15:19 وقد أدرك بن عباس ما يتغامزون به فالتفت إليهم وقال إن العلم يزيد الشريف شرفا
15:29 ويرفع قدر أهله بين الناس ويجلس المماليك على الأسرة
15:36 وفي ذات سنة عزم أبو العالية على الجهاد في سبيل الله فأعد للأمر عدته وحزم أمره على المضي مع المجاهدين
15:50 فلما طلع عليه الصبح فوجئ بآلام مبرحة في إحدى قدمي ثم ما زال الألم يشتد ساعة بعد ساعة
16:01 فلما عاده الطبيب قال له إنه مصاب بالأكلة قال وما الأكلة قال داء يأكل العضو الذي يحل به
16:14 ثم ينتقل إلى ما فوقه حتى يأتي على الجسد كله ثم استأذنه بالمبادرة إلى بتر ساقه فأذن له على كره منه
16:26 أحضر الطبيب مباضعه لشق اللحم ومناشيره لنشر العظم ثم قال له أتريد أن نسقيك جرعة من مخدر لكي لا تشعر بآلام الشق والبتر
16:41 فقال بل هناك ما هو خير من ذلك فقال الطبيب وما هو فقال أحضروا لي قارئا يتقن كتاب الله واجعلوه يقرأوا علي ما تيسر من آياته البينات
17:00 فإذا رأيتموني قد احمر وجهي واتسعت حدقتاي وثبت نظري في السماء فافعلوا بي ما شئتم فنفذوا أمره وبتروا عظمه
17:13 فلما أفاق قال له الطبيب كأنك لم تشعر بآلام الشق والبتر فقال لقد شغلني برد حب الله وحلاوة ما سمعته من كتاب الله عن حرارة المناشير
17:31 ثم أخذ رجله بيده ونظر إليها وقال إذا لقيت ربي يوم القيامة وسألني هل مشيت بك منذ أربعين سنة إلى محرم أو مسست بك غير مباح لأقول أن لا وأنا صادق فيما أقول إن شاء الله
17:53 وبعد فقد بلغ من تقاء بالعالية وترق به لليوم الآخر واستعداده للقاء ربه أنه أعد لنفسه كفنا وأنه كان يلبس كفنه كل شهر مرة ثم يرده إلى مكانه
18:15 ولقد أوصى 17 مرة وهو صحيح سليم وكان يحدد لكل وصية أجلا فإذا جاء أجلها نظر فيها فإما أن يعدلها وإما أن يبدلها وإما أن يمضيها
18:34 وفي شهر شوال سنة 93 للهجرة مضى أبو العالية إلى لقاء ربه طاهر الذيل نقي النفس واثقا برحمة ربه متشوقا إلى لقاء نبيه
18:52 لم يكن هناك أحد أعلم بالقرآن بعد الصحابة من أبو العالية ثم يليه سعيد بن جبير أبو بكر بن داو
19:28 ذكرهم يتعالى
19:31 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
19:36 هل مثلهم نجم سما وتلالا
19:41 ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأناه