صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (1) | عطاء بن أبي رباح رحمه الله

◉ 0 مشاهدة ⏱ 19:19 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالاً
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26 رحمه الله
0:30 عطاء بن أبي رباح
0:32 رحمه الله
0:43 ها نحن أولاء في العشر الأخير من شهر ذي الحجة
0:47 سنة سبع وتسعين للهجرة
0:50 وهذا البيت العتيق
0:52 يموج بالوافدين على الله من كل فج
0:56 مشاتاً وركبانا
0:58 وشيوخاً وشبانا
1:00 ورجالاً ونساءا
1:02 فيهم الأسود والأبيض
1:05 والعربي والعجمي
1:07 والسيد والمسود
1:09 لقد قدموا جميعاً على ملك الناس مخبتين ملبين
1:14 راجين مؤملين
1:16 وهذا سليمان بن عبد الملك
1:19 خليفة المسلمين
1:21 وأعظم ملوك الأرض
1:23 يطوف بالبيت العتيق
1:26 حاسر الرأس حافي القدمين
1:29 ليس عليه إلا إزار وردا
1:32 شأنه في ذلك كشأن بقية رعاياه من إخوته في الله
1:38 وكان من خلفه ولدا
1:41 وهما غلامان كطلعة البدر بهاء ورواء
1:45 وكأكمام الورد نظارة وطيبة
1:49 وما إن انتهى من طوافه
1:52 حتى مال على رجل من خاصته وقال
1:56 أين صاحبكم؟
1:58 فقال إنه هناك قائم يصلي
2:03 وأشار إلى الناحية الغربية من المسجد الحرام
2:07 فاتجه الخليفة ومن ورائه ولداه إلى حيث أشير إليه
2:13 وهما رجال الحاشية بأن يتبع الخليفة ليفسحوا له الطريق
2:18 ويدفعوا عنه أذى الزحام
2:21 فثناهم عن ذلك وقال
2:24 هذا مقام يستوي فيه الملوك والسوق
2:28 ولا يفضل فيه أحد أحدا
2:32 إلا بالقبول والتقوى
2:35 ورب أشعث أغبر قدم على الله
2:38 فتقبله بما لم يتقبل به الملوك
2:42 ثم مضى نحو الرجل
2:45 فوجده ما يزال داخلا في صلاته
2:49 غارقا في ركوعه وسجوده
2:52 الناس جلوس وراءه وعن يمينه وعن شماله
2:56 فجلس حيث انتهى به المجلس
2:59 وأجلس معه ولديه
3:02 وطفق الفتيان القرشيان
3:05 يتأملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين
3:10 وجلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته
3:15 فإذا هو شيخ حبشي
3:18 أسود البشرة مفلفل الشعر
3:21 أفطس الأنف
3:23 إذا جلس بداك الغراب الأسود
3:26 ولم انتهى الرجل من صلاته
3:31 مال بشقه على الجهة التي فيها الخليفة
3:35 فحياه سليمان بن عبد الملك
3:38 فرد التحية بمثلها
3:41 وهنا أقبل عليه الخليفة
3:44 وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكا منسكا
3:48 وهو يفيض بالإجابة عن كل مسأله
3:52 ويفصل القول فيها تفصيلا لا يدع سبيلا لمستزيد
3:58 ويسند كل قول يقوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:04 ولم انتهى الخليفة من مساءلته
4:07 جزاه خيرا
4:09 وقال لولديه قوما
4:12 فقاما
4:13 ومضى الثلاثة نحو المسعى
4:16 وفيما هم في طريقهم إلى السعي بين الصفا والمروة
4:21 سمع الفتيان المنادين ينادون
4:24 يا معشر المسلمين
4:26 لا يفت الناس في هذا المقام
4:29 إلا عطاء ابن أبي رباح
4:32 فإن لم يوجد
4:34 فعبد الله ابن أبي نجيح
4:36 فالتفت أحد الغلامين إلى أبيه وقال
4:40 كيف يأمر عامل أمير المؤمنين الناس بأن لا يستفتوا أحدا
4:46 غير عطاء ابن أبي رباح وصاحبه
4:49 ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل
4:52 الذي لم يأبه للخليفة
4:55 ولم يوفه حقه من التعظيم
4:58 فقال سليمان لولده
5:01 هذا الذي رأيته يا بني
5:04 ورأيت ذلنا بين يديه
5:06 هو عطاء ابن أبي رباح
5:09 صاحب الفتيا في المسجد الحرام
5:12 ووارث عبد الله ابن عباس
5:14 في هذا المنصب الكبير
5:17 ثم أرد فيقول
5:19 يا بني
5:20 تعلم العلم
5:22 فبالعلم يشرف الوضيع
5:24 وينبه الخامل
5:26 ويعل الأرقاء على مراتب الملوك
5:30 لم يكن سليمان ابن عبد الملك مبالغا فيما قاله لابنه في شأن العلم
5:39 فقد كان عطاء ابن أبي رباح في صغاره
5:43 عبدا مملوكا لمرأة من أهل مكة
5:46 غير أن الله جل وعز أكرم الغلام الحبشي
5:51 بأن وضع قدميه منذ نعومة أظفاره في طريق العلم
5:56 فقسم وقته أقساما ثلاثة
5:59 قسم جعله لسيدته
6:02 يخدمها فيه أحسن ما تكون الخدمة
6:05 ويؤدي لها حقوقها عليه أكمل ما تؤدى الحقوق
6:10 وقسم جعله لربه
6:13 يفرغ فيه لعبادته أصفا ما تكون العبادة وأخلصها لله عز وجل
6:20 وقسم جعله لطلب العلم
6:23 حيث أقبل على من بقي حيا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:30 وطفق ينهل من مناهله مثرات الصافية
6:34 فأخذ عن أبي هريرة
6:37 وعبد الله بن عمر
6:39 وعبد الله بن عباس
6:41 وعبد الله بن الزبير
6:43 وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم
6:48 حتى امتلأ صدره علما وفقها
6:51 ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:57 ولما رأت السيدة المكية
7:00 أن غلامها قد باع نفسه لله
7:03 ووقف حياته على طلب العلم
7:06 تخلت عن حقها فيه
7:08 وأعتقت رقبته تقربا لله عز وجل
7:12 لعل الله ينفع به الإسلام والمسلمين
7:16 ومنذ ذلك اليوم
7:19 اتخذ عطاء بن أبي رباحن البيت الحرام مقاما له
7:24 فجعله داره التي يأوي إليها
7:27 ومدرسته التي يتعلم فيها
7:30 ومصله الذي يتقرب فيه إلى الله بالتقوى والطاعة
7:36 حتى قال المؤرخون
7:38 كان المسجد في راش عطاء بن أبي رباح نحو من عشرين عاما
7:45 وقد بلغت تابعي الجليل عطاء بن أبي رباحن منزلة في العلم
7:52 فاقد كل تقدير
7:54 وسمى إلى مرتبة لم ينلها إلا نفر قليل من معاصريه
8:00 فقد روي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه
8:05 أما مكة معتمرا
8:07 فأقبل الناس عليه يسألونه ويستفتونه
8:11 فقال
8:13 إني لأعجب لكم يا أهل مكة
8:16 أتجمعون لي المسائل لتسألوني عنها وفيكم عطاء بن أبي رباحن
8:22 وقد وصل عطاء بن أبي رباحن إلى ما وصل إليه من درجة في الدين والعلم
8:31 بخصلتين اثنتين
8:33 أولاهما أنه أحكم سلطانه على نفسه
8:38 فلم يدع لها سبيلا لترتع فيما لا ينفع
8:42 وثانيتهما أنه أحكم سلطانه على وقته
8:47 فلم يهدره في فضول الكلام والعمل
8:51 حدث محمد بن سوقة جماعة من زواره قال
8:56 ألا أسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما نفعني
9:01 قالوا بلى
9:03 قال نصحني عطاء بن أبي رباحن ذات يوم
9:07 فقال يا ابن أخي
9:10 إن الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام
9:15 فقلت وما فضول الكلام عندهم
9:19 فقال كانوا يعدون كل كلام فضولا
9:24 ما عدا كتاب الله عز وجل أن يقرأ ويفهم
9:28 وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يروى ويدرى
9:34 أو أمرا بمعروف ونهيا عن منكر
9:37 أو علما يتقرب به إلى الله تعالى
9:41 أو أن تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لا بد لك منها
9:47 ثم حدق إلى وجهي وقال
9:50 أتنكرون إن عليكم لحافظين كراما كاتبين
9:55 وأن مع كل منكم ملكين
9:58 عن اليمين وعن الشمال قعيد
10:01 ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
10:06 ثم قال أما يستحي أحدنا
10:10 لو نشرت عليه صحيفته التي أملها صدر نهاره
10:15 فوجد أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا أمر دنياه
10:21 ولقد نفع الله عز وجل
10:25 بعلم عطاء بن أبي رباح
10:27 طوائف كثيرة من الناس
10:30 منهم أهل العلم المتخصصون
10:33 ومنهم أرباب الصناعات المحترفون
10:36 ومنهم غير ذلك
10:38 حدث الإمام أبو حنيفة نعمان عن نفسه قال
10:43 أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة
10:48 فعلمنيها حجام
10:50 وذلك أني أردت أن أحلق لأخرج من الإحرام
10:55 فأتيت حلاقا وقلت
10:58 بكم تحلق لي رأسي
11:00 فقال هداك الله
11:03 النسك لا يشارط فيه
11:06 اجلس وأعطي ما يتيسر لك
11:09 فخجلت وجلست
11:11 غير أني جلست منحرفا عن القبلة
11:15 فأومأ إلي بأن أستقبل القبلة
11:18 ففعلت وازددت خجلا على خجلي
11:22 ثم أعطيته رأسي من الجانب الأيسر ليحلقه
11:26 فقال أدر شقك الأيمن
11:30 فأدرته وجعل يحلق رأسي
11:33 وأنا ساكت أنظر إليه وأعجب منه
11:37 فقال لي ما لي أراك ساكتا
11:41 كبر فجعلت أكبر
11:44 حتى قمت لأذهب
11:47 فقال أين تريد
11:50 فقلت أريد أن أمضي إلى رحلي
11:54 فقال صل ركعتين
11:57 ثم أمضي إلى حيث تشاء
12:00 فصليت ركعتين
12:03 وقلت في نفسي
12:05 ما ينبغي أن يقع مثل هذا من حجام
12:08 إلا إذا كان ذا علم
12:11 فقلت له
12:13 من أين لك ما أمرتني به من المناسك
12:16 فقال لله أنت
12:19 لقد رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله
12:23 فآخذته عنه
12:25 ووجهت إليه الناس
12:28 ولقد أقبلت الدنيا على عطاء بن أبي رباح
12:33 فأعرض عنها أشد الإعراض
12:36 وأباها أعظم الإباء
12:39 وعاش عمره كله يلبس قميصا
12:42 لا يزيد ثمنه على خمسة دراهم
12:46 ولقد دعاه الخلفاء إلى مصاحبتهم
12:50 فلم يجب دعوتهم
12:52 لخشيته على دينه من دنياهم
12:55 لكنه مع ذلك كان يفد عليهم
12:59 إذا وجد في ذلك فائدة للمسلمين أو خيرا للإسلام
13:04 من ذلك ما حدث به عثمان بن عطاء الخراساني قال
13:10 انطلقت مع أبي نريده شام بن عبد الملك
13:14 فلما غدونا قريبا من دمشق
13:17 إذا نحن بشيخ على حمار أسود
13:21 عليه قميص صفيق وجبة بالية
13:25 وقلنسوة لازقة برأسه
13:29 وركاباه من خشب
13:31 فضحكت منه وقلت لأبي من هذا
13:36 فقال اسكت هذا سيد فقهاء الحجاز
13:41 عطاء بن أبي رباح
13:44 فلما قرب منا
13:46 نزل أبي عن بغلته
13:48 ونزله وعن حماره
13:50 فاعتنقا وتساءلا
13:53 ثم عادا فركبا
13:55 وانطلقا حتى وقفا على باب قصره شام بن عبد الملك
14:00 فما إن استقر بهما الجلوس
14:03 حتى أذن لهما
14:05 فلما خرج أبي قلت له
14:08 حدثني بما كان منكما
14:11 فقال
14:12 لما علمه شام أن عطاء ابن أبي رباح بالباب
14:17 بادر فأذن له
14:19 ووالله ما دخلت إلا بسببه
14:22 فلما رآهه شام قال
14:25 مرحبا مرحبا
14:27 هاهنا هاهنا
14:29 ولا زال يقول له
14:31 هاهنا هاهنا
14:33 حتى أجلسه معه على سريره
14:36 ومس بركبته ركبته
14:39 وكان في المجلس أشراف الناس
14:42 وكانوا يتحدثون
14:44 فسكتوا
14:45 ثم أقبل عليه شام وقال
14:48 ما حاجتك يا أبا محمد
14:51 قال
14:52 يا أمير المؤمنين
14:54 أهل الحرمين
14:56 أهل الله وجيران رسوله صلى الله عليه وسلم
15:01 تقسم عليهم أرزاقهم وأعطياتهم
15:05 فقال نعم
15:06 يا غلام
15:08 أكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنة
15:13 ثم قال
15:16 هل من حاجة غيرها يا أبا محمد
15:19 فقال نعم يا أمير المؤمنين
15:22 أهل الحجاز وأهل نجد
15:25 أصل العرب وقادة الإسلام
15:28 ترد فيهم فضول صدقاتهم
15:31 فقال نعم
15:33 يا غلام
15:35 أكتب بأن ترد فيهم فضول صدقاتهم
15:39 هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمد
15:43 قال نعم يا أمير المؤمنين
15:46 أهل الثغور
15:48 يقفون في وجوه عدوكم
15:50 ويقتلون مرام المسلمين بشر
15:54 تجري عليهم أرزاقا تدرها عليهم
15:58 فإنهم إنهلكوا ضاعة الثغور
16:01 فقال نعم
16:03 يا غلام
16:04 أكتب بحمل أرزاقهم إليهم
16:07 هل من حاجة غيرها يا أبا محمد
16:11 قال نعم يا أمير المؤمنين
16:14 أهل ذمتكم
16:16 لا يكلفون ما لا يطيقون
16:19 فإنما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم
16:24 فقال
16:26 يا غلام
16:27 أكتب لأهل الذمة بأن لا يكلفوا ما لا يطيقون
16:32 هل من حاجة غيرها يا أبا محمد
16:36 قال نعم
16:38 اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين
16:42 واعلم أنك خلقت وحدك
16:45 وتموت وحدك
16:47 وتحشر وحدك
16:49 وتحاسب وحدك
16:51 ولا والله ما معك ممن ترى أحد
16:55 فأكبه شام ينكت في الأرض وهو يبكي
16:59 فقام عطا
17:01 فقمت معه
17:03 فلما صرنا عند الباب
17:05 إذا رجل قد تبعه بكيس لا أجري ما فيه
17:10 وقال له
17:11 إن أمير المؤمنين بعث لك بهذا
17:15 فقال
17:16 هيهات
17:18 وما أسألكم عليه من أجر
17:20 إن أجري إلا على رب العالمين
17:24 فوالله إنه دخل على الخليفة
17:28 وخرج من عنده
17:30 ولم يشرب قطرة ماء
17:33 وبعد
17:35 فقد عمر عطاء بن أبي رباح
17:38 حتى بلغ مائة عام
17:40 ملأها بالعلم والعمل
17:43 وأترعها بالبر والتقوى
17:45 وزكاها بالزهادة بما في أيدي الناس
17:49 والرغبة بما عند الله
17:52 فلما أتاه اليقين
17:54 وجده خفيف الحمل من أثقال الدنيا
17:58 كثير الزاد من عمل الآخرة
18:01 ومعه فوق ذلك
18:03 سبعون حجة
18:05 وقف خلالها سبعين مرة على عرفات
18:09 وهو يسأل الله تعالى رضاه والجنة
18:13 ويستعيذ به من سخطه والنار
18:17 ما رأيت أحدا يريد بالعلم وجه الله عز وجل
18:24 غير هؤلاء الثلاثة
18:26 عطاء وطاووس ومجاعد
18:30 سلمة بن كهيل
18:59 هل مثلهم نجم سما وتلالا
19:04 ملأوا الحياة مفاخرا بالرعالهم
19:09 وزهت بهم دو الأنا