ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 1 من 34
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (1) | عطاء بن أبي رباح رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالاً
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:30
عطاء بن أبي رباح
0:32
رحمه الله
0:43
ها نحن أولاء في العشر الأخير من شهر ذي الحجة
0:47
سنة سبع وتسعين للهجرة
0:50
وهذا البيت العتيق
0:52
يموج بالوافدين على الله من كل فج
0:56
مشاتاً وركبانا
0:58
وشيوخاً وشبانا
1:00
ورجالاً ونساءا
1:02
فيهم الأسود والأبيض
1:05
والعربي والعجمي
1:07
والسيد والمسود
1:09
لقد قدموا جميعاً على ملك الناس مخبتين ملبين
1:14
راجين مؤملين
1:16
وهذا سليمان بن عبد الملك
1:19
خليفة المسلمين
1:21
وأعظم ملوك الأرض
1:23
يطوف بالبيت العتيق
1:26
حاسر الرأس حافي القدمين
1:29
ليس عليه إلا إزار وردا
1:32
شأنه في ذلك كشأن بقية رعاياه من إخوته في الله
1:38
وكان من خلفه ولدا
1:41
وهما غلامان كطلعة البدر بهاء ورواء
1:45
وكأكمام الورد نظارة وطيبة
1:49
وما إن انتهى من طوافه
1:52
حتى مال على رجل من خاصته وقال
1:56
أين صاحبكم؟
1:58
فقال إنه هناك قائم يصلي
2:03
وأشار إلى الناحية الغربية من المسجد الحرام
2:07
فاتجه الخليفة ومن ورائه ولداه إلى حيث أشير إليه
2:13
وهما رجال الحاشية بأن يتبع الخليفة ليفسحوا له الطريق
2:18
ويدفعوا عنه أذى الزحام
2:21
فثناهم عن ذلك وقال
2:24
هذا مقام يستوي فيه الملوك والسوق
2:28
ولا يفضل فيه أحد أحدا
2:32
إلا بالقبول والتقوى
2:35
ورب أشعث أغبر قدم على الله
2:38
فتقبله بما لم يتقبل به الملوك
2:42
ثم مضى نحو الرجل
2:45
فوجده ما يزال داخلا في صلاته
2:49
غارقا في ركوعه وسجوده
2:52
الناس جلوس وراءه وعن يمينه وعن شماله
2:56
فجلس حيث انتهى به المجلس
2:59
وأجلس معه ولديه
3:02
وطفق الفتيان القرشيان
3:05
يتأملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين
3:10
وجلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته
3:15
فإذا هو شيخ حبشي
3:18
أسود البشرة مفلفل الشعر
3:21
أفطس الأنف
3:23
إذا جلس بداك الغراب الأسود
3:26
ولم انتهى الرجل من صلاته
3:31
مال بشقه على الجهة التي فيها الخليفة
3:35
فحياه سليمان بن عبد الملك
3:38
فرد التحية بمثلها
3:41
وهنا أقبل عليه الخليفة
3:44
وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكا منسكا
3:48
وهو يفيض بالإجابة عن كل مسأله
3:52
ويفصل القول فيها تفصيلا لا يدع سبيلا لمستزيد
3:58
ويسند كل قول يقوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:04
ولم انتهى الخليفة من مساءلته
4:07
جزاه خيرا
4:09
وقال لولديه قوما
4:12
فقاما
4:13
ومضى الثلاثة نحو المسعى
4:16
وفيما هم في طريقهم إلى السعي بين الصفا والمروة
4:21
سمع الفتيان المنادين ينادون
4:24
يا معشر المسلمين
4:26
لا يفت الناس في هذا المقام
4:29
إلا عطاء ابن أبي رباح
4:32
فإن لم يوجد
4:34
فعبد الله ابن أبي نجيح
4:36
فالتفت أحد الغلامين إلى أبيه وقال
4:40
كيف يأمر عامل أمير المؤمنين الناس بأن لا يستفتوا أحدا
4:46
غير عطاء ابن أبي رباح وصاحبه
4:49
ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل
4:52
الذي لم يأبه للخليفة
4:55
ولم يوفه حقه من التعظيم
4:58
فقال سليمان لولده
5:01
هذا الذي رأيته يا بني
5:04
ورأيت ذلنا بين يديه
5:06
هو عطاء ابن أبي رباح
5:09
صاحب الفتيا في المسجد الحرام
5:12
ووارث عبد الله ابن عباس
5:14
في هذا المنصب الكبير
5:17
ثم أرد فيقول
5:19
يا بني
5:20
تعلم العلم
5:22
فبالعلم يشرف الوضيع
5:24
وينبه الخامل
5:26
ويعل الأرقاء على مراتب الملوك
5:30
لم يكن سليمان ابن عبد الملك مبالغا فيما قاله لابنه في شأن العلم
5:39
فقد كان عطاء ابن أبي رباح في صغاره
5:43
عبدا مملوكا لمرأة من أهل مكة
5:46
غير أن الله جل وعز أكرم الغلام الحبشي
5:51
بأن وضع قدميه منذ نعومة أظفاره في طريق العلم
5:56
فقسم وقته أقساما ثلاثة
5:59
قسم جعله لسيدته
6:02
يخدمها فيه أحسن ما تكون الخدمة
6:05
ويؤدي لها حقوقها عليه أكمل ما تؤدى الحقوق
6:10
وقسم جعله لربه
6:13
يفرغ فيه لعبادته أصفا ما تكون العبادة وأخلصها لله عز وجل
6:20
وقسم جعله لطلب العلم
6:23
حيث أقبل على من بقي حيا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:30
وطفق ينهل من مناهله مثرات الصافية
6:34
فأخذ عن أبي هريرة
6:37
وعبد الله بن عمر
6:39
وعبد الله بن عباس
6:41
وعبد الله بن الزبير
6:43
وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم
6:48
حتى امتلأ صدره علما وفقها
6:51
ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:57
ولما رأت السيدة المكية
7:00
أن غلامها قد باع نفسه لله
7:03
ووقف حياته على طلب العلم
7:06
تخلت عن حقها فيه
7:08
وأعتقت رقبته تقربا لله عز وجل
7:12
لعل الله ينفع به الإسلام والمسلمين
7:16
ومنذ ذلك اليوم
7:19
اتخذ عطاء بن أبي رباحن البيت الحرام مقاما له
7:24
فجعله داره التي يأوي إليها
7:27
ومدرسته التي يتعلم فيها
7:30
ومصله الذي يتقرب فيه إلى الله بالتقوى والطاعة
7:36
حتى قال المؤرخون
7:38
كان المسجد في راش عطاء بن أبي رباح نحو من عشرين عاما
7:45
وقد بلغت تابعي الجليل عطاء بن أبي رباحن منزلة في العلم
7:52
فاقد كل تقدير
7:54
وسمى إلى مرتبة لم ينلها إلا نفر قليل من معاصريه
8:00
فقد روي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه
8:05
أما مكة معتمرا
8:07
فأقبل الناس عليه يسألونه ويستفتونه
8:11
فقال
8:13
إني لأعجب لكم يا أهل مكة
8:16
أتجمعون لي المسائل لتسألوني عنها وفيكم عطاء بن أبي رباحن
8:22
وقد وصل عطاء بن أبي رباحن إلى ما وصل إليه من درجة في الدين والعلم
8:31
بخصلتين اثنتين
8:33
أولاهما أنه أحكم سلطانه على نفسه
8:38
فلم يدع لها سبيلا لترتع فيما لا ينفع
8:42
وثانيتهما أنه أحكم سلطانه على وقته
8:47
فلم يهدره في فضول الكلام والعمل
8:51
حدث محمد بن سوقة جماعة من زواره قال
8:56
ألا أسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما نفعني
9:01
قالوا بلى
9:03
قال نصحني عطاء بن أبي رباحن ذات يوم
9:07
فقال يا ابن أخي
9:10
إن الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام
9:15
فقلت وما فضول الكلام عندهم
9:19
فقال كانوا يعدون كل كلام فضولا
9:24
ما عدا كتاب الله عز وجل أن يقرأ ويفهم
9:28
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يروى ويدرى
9:34
أو أمرا بمعروف ونهيا عن منكر
9:37
أو علما يتقرب به إلى الله تعالى
9:41
أو أن تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لا بد لك منها
9:47
ثم حدق إلى وجهي وقال
9:50
أتنكرون إن عليكم لحافظين كراما كاتبين
9:55
وأن مع كل منكم ملكين
9:58
عن اليمين وعن الشمال قعيد
10:01
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
10:06
ثم قال أما يستحي أحدنا
10:10
لو نشرت عليه صحيفته التي أملها صدر نهاره
10:15
فوجد أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا أمر دنياه
10:21
ولقد نفع الله عز وجل
10:25
بعلم عطاء بن أبي رباح
10:27
طوائف كثيرة من الناس
10:30
منهم أهل العلم المتخصصون
10:33
ومنهم أرباب الصناعات المحترفون
10:36
ومنهم غير ذلك
10:38
حدث الإمام أبو حنيفة نعمان عن نفسه قال
10:43
أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة
10:48
فعلمنيها حجام
10:50
وذلك أني أردت أن أحلق لأخرج من الإحرام
10:55
فأتيت حلاقا وقلت
10:58
بكم تحلق لي رأسي
11:00
فقال هداك الله
11:03
النسك لا يشارط فيه
11:06
اجلس وأعطي ما يتيسر لك
11:09
فخجلت وجلست
11:11
غير أني جلست منحرفا عن القبلة
11:15
فأومأ إلي بأن أستقبل القبلة
11:18
ففعلت وازددت خجلا على خجلي
11:22
ثم أعطيته رأسي من الجانب الأيسر ليحلقه
11:26
فقال أدر شقك الأيمن
11:30
فأدرته وجعل يحلق رأسي
11:33
وأنا ساكت أنظر إليه وأعجب منه
11:37
فقال لي ما لي أراك ساكتا
11:41
كبر فجعلت أكبر
11:44
حتى قمت لأذهب
11:47
فقال أين تريد
11:50
فقلت أريد أن أمضي إلى رحلي
11:54
فقال صل ركعتين
11:57
ثم أمضي إلى حيث تشاء
12:00
فصليت ركعتين
12:03
وقلت في نفسي
12:05
ما ينبغي أن يقع مثل هذا من حجام
12:08
إلا إذا كان ذا علم
12:11
فقلت له
12:13
من أين لك ما أمرتني به من المناسك
12:16
فقال لله أنت
12:19
لقد رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله
12:23
فآخذته عنه
12:25
ووجهت إليه الناس
12:28
ولقد أقبلت الدنيا على عطاء بن أبي رباح
12:33
فأعرض عنها أشد الإعراض
12:36
وأباها أعظم الإباء
12:39
وعاش عمره كله يلبس قميصا
12:42
لا يزيد ثمنه على خمسة دراهم
12:46
ولقد دعاه الخلفاء إلى مصاحبتهم
12:50
فلم يجب دعوتهم
12:52
لخشيته على دينه من دنياهم
12:55
لكنه مع ذلك كان يفد عليهم
12:59
إذا وجد في ذلك فائدة للمسلمين أو خيرا للإسلام
13:04
من ذلك ما حدث به عثمان بن عطاء الخراساني قال
13:10
انطلقت مع أبي نريده شام بن عبد الملك
13:14
فلما غدونا قريبا من دمشق
13:17
إذا نحن بشيخ على حمار أسود
13:21
عليه قميص صفيق وجبة بالية
13:25
وقلنسوة لازقة برأسه
13:29
وركاباه من خشب
13:31
فضحكت منه وقلت لأبي من هذا
13:36
فقال اسكت هذا سيد فقهاء الحجاز
13:41
عطاء بن أبي رباح
13:44
فلما قرب منا
13:46
نزل أبي عن بغلته
13:48
ونزله وعن حماره
13:50
فاعتنقا وتساءلا
13:53
ثم عادا فركبا
13:55
وانطلقا حتى وقفا على باب قصره شام بن عبد الملك
14:00
فما إن استقر بهما الجلوس
14:03
حتى أذن لهما
14:05
فلما خرج أبي قلت له
14:08
حدثني بما كان منكما
14:11
فقال
14:12
لما علمه شام أن عطاء ابن أبي رباح بالباب
14:17
بادر فأذن له
14:19
ووالله ما دخلت إلا بسببه
14:22
فلما رآهه شام قال
14:25
مرحبا مرحبا
14:27
هاهنا هاهنا
14:29
ولا زال يقول له
14:31
هاهنا هاهنا
14:33
حتى أجلسه معه على سريره
14:36
ومس بركبته ركبته
14:39
وكان في المجلس أشراف الناس
14:42
وكانوا يتحدثون
14:44
فسكتوا
14:45
ثم أقبل عليه شام وقال
14:48
ما حاجتك يا أبا محمد
14:51
قال
14:52
يا أمير المؤمنين
14:54
أهل الحرمين
14:56
أهل الله وجيران رسوله صلى الله عليه وسلم
15:01
تقسم عليهم أرزاقهم وأعطياتهم
15:05
فقال نعم
15:06
يا غلام
15:08
أكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنة
15:13
ثم قال
15:16
هل من حاجة غيرها يا أبا محمد
15:19
فقال نعم يا أمير المؤمنين
15:22
أهل الحجاز وأهل نجد
15:25
أصل العرب وقادة الإسلام
15:28
ترد فيهم فضول صدقاتهم
15:31
فقال نعم
15:33
يا غلام
15:35
أكتب بأن ترد فيهم فضول صدقاتهم
15:39
هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمد
15:43
قال نعم يا أمير المؤمنين
15:46
أهل الثغور
15:48
يقفون في وجوه عدوكم
15:50
ويقتلون مرام المسلمين بشر
15:54
تجري عليهم أرزاقا تدرها عليهم
15:58
فإنهم إنهلكوا ضاعة الثغور
16:01
فقال نعم
16:03
يا غلام
16:04
أكتب بحمل أرزاقهم إليهم
16:07
هل من حاجة غيرها يا أبا محمد
16:11
قال نعم يا أمير المؤمنين
16:14
أهل ذمتكم
16:16
لا يكلفون ما لا يطيقون
16:19
فإنما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم
16:24
فقال
16:26
يا غلام
16:27
أكتب لأهل الذمة بأن لا يكلفوا ما لا يطيقون
16:32
هل من حاجة غيرها يا أبا محمد
16:36
قال نعم
16:38
اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين
16:42
واعلم أنك خلقت وحدك
16:45
وتموت وحدك
16:47
وتحشر وحدك
16:49
وتحاسب وحدك
16:51
ولا والله ما معك ممن ترى أحد
16:55
فأكبه شام ينكت في الأرض وهو يبكي
16:59
فقام عطا
17:01
فقمت معه
17:03
فلما صرنا عند الباب
17:05
إذا رجل قد تبعه بكيس لا أجري ما فيه
17:10
وقال له
17:11
إن أمير المؤمنين بعث لك بهذا
17:15
فقال
17:16
هيهات
17:18
وما أسألكم عليه من أجر
17:20
إن أجري إلا على رب العالمين
17:24
فوالله إنه دخل على الخليفة
17:28
وخرج من عنده
17:30
ولم يشرب قطرة ماء
17:33
وبعد
17:35
فقد عمر عطاء بن أبي رباح
17:38
حتى بلغ مائة عام
17:40
ملأها بالعلم والعمل
17:43
وأترعها بالبر والتقوى
17:45
وزكاها بالزهادة بما في أيدي الناس
17:49
والرغبة بما عند الله
17:52
فلما أتاه اليقين
17:54
وجده خفيف الحمل من أثقال الدنيا
17:58
كثير الزاد من عمل الآخرة
18:01
ومعه فوق ذلك
18:03
سبعون حجة
18:05
وقف خلالها سبعين مرة على عرفات
18:09
وهو يسأل الله تعالى رضاه والجنة
18:13
ويستعيذ به من سخطه والنار
18:17
ما رأيت أحدا يريد بالعلم وجه الله عز وجل
18:24
غير هؤلاء الثلاثة
18:26
عطاء وطاووس ومجاعد
18:30
سلمة بن كهيل
18:59
هل مثلهم نجم سما وتلالا
19:04
ملأوا الحياة مفاخرا بالرعالهم
19:09
وزهت بهم دو الأنا