ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 17 من 35
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (18) | محمد بن واسع الأزدي رحمه الله (ج2)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمهية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
محمد بن واسغ للأزدين رحمه الله
0:42
نحن الآن في سنة سبع وثمانين للهجرة
0:46
وهذا مفخرة المسلمين
0:49
القائد الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي
0:53
ينهد بجيشه اللجب من مدينة مرو
0:57
متوجهاً إلى منطقة بخارة
1:00
فقد عقد العزم على أن يفتح ما تبقى من بلاد ما وراء النهر
1:06
وأن يغزو أطراف الصين
1:08
وأن يضرب على أهلها الجزية
1:11
لكن قتيبة بن مسلم ما كاد يعبر نهر سيحون
1:17
حتى نذر به أهل بخارة
1:20
فهبوا يدقون طبول الحرب في كل مكان
1:24
وطفقوا يستصرقون الأقوام الذين حولهم
1:28
من الصغد والترك والصين وغيرهم وغيرهم
1:33
فتدفقت عليهم جموع المقاتلين من كل لون وعرق
1:38
ولغة ودين
1:40
حتى بلغوا أضعاف أضعاف جيش المسلمين عدة وعددا
1:45
ثم إنهم بادروا
1:47
فسدوا في وجوه المسلمين أفواه الطرق
1:51
وغلقوا دونهم الثغور والمسالك
1:54
حتى إن قتيبة بن مسلم
1:57
لم يستطع أن يسرب إليهم سرية صغيرة من سراياه
2:02
لتتحسس أحوالهم وتأتيه بأخبارهم
2:06
كما لم يستطع أحد من عيونه المنبثين بينهم أن ينفذ إلي
2:14
عسكر قتيبة بن مسلم بجيشه بالقرب من مدينة بيكند
2:20
ثمر في مكانه لا يتقدم ولا يتأخر
2:24
فأخذ العدو يبرز له مع إشراقة كل صباح بطليعة من طلائعه
2:31
فتناوش جيشه سحابة النهار كله
2:35
فإذا جن عليها الليل عادت إلى قواعدها الحصينة الأمينة
2:41
وقد استمر الأمر على هذه الحال شهرين متتابعين
2:46
وقتيبة في حيرة من أمره
2:49
فهو لا يدري أيحجم أم يقدم
2:52
ثم ما لبثت أن بلغت أخبار قتيبة وجنده أسماع المسلمين في كل مكان
2:59
فجزع الناس أشد الجزع على الجيش الكبير الذي لم يقهر
3:04
والقائد العظيم الذي لم يغلب
3:08
وصدرت التوجيهات إلى الولاة في الأمصار
3:11
بأن يدعى لجند المسلمين المتربصين في بلاد ما وراء النهر
3:16
إثر كل صلاة
3:18
فأخذت مساجد المسلمين تضج من أجلهم بالدعاء
3:23
وطفقت مآذنهم تعج بالضراعة والابتهال
3:27
ودأب الأئمة يقنطون في كل صلاة
3:31
وهب لنجدة الجيش العتيد خلق كثير
3:35
وكان يتقدمهم التابعي الجليل محمد بن واسع الأزدي
3:41
كان لقطيبة ابن مسلم الباهلي عين من أبناء العجم
3:47
مشهود له بالحنكة والحكمة والدهاء
3:51
يقال له تيذر
3:53
فاستماله الأعداء إليهم
3:56
وبذلوا له المال بسخا
3:58
وطلبوا منه أن يستعمل حيلته وذكاءه في توهين قوى المسلمين
4:04
وحملهم على مغادرة البلاد من غير حرب
4:08
دخل تيذر على قتيبة ابن مسلم الباهلي
4:12
وكان مجلسه حافلا بكبار القواد ووجوه الجند
4:17
فأخذ مكانه إلى جانبه
4:20
ثم مال عليه وهمس في أذنه قائلا
4:24
أخل مجلسك أيها الأمير إذا شئت
4:28
فأشار قتيبة إلى من في المجلس
4:31
فانصرفوا جميعا إلا ضرار ابن الحسين
4:35
فقد استبقاه قتيبة
4:38
عند ذلك
4:41
التفت تيذر إلى قتيبة وقال
4:44
لك عندي أخبار أيها الأمير
4:47
فقال قتيبة في لهفة هاتها
4:51
فقال تيذر
4:53
إن أمير المؤمنين في دمشق
4:56
قد عزل الحجاج ابن يوسف الثقفي
4:59
وعزل القواد الذين يتبعونه
5:02
وأنت واحد منهم
5:04
وولى على الجيوش قوادا جددا
5:07
ووجههم إلى أعمالهم
5:10
وإن خلفك قادم عليك بين عشية وضحاها
5:14
والرأي عندي
5:16
أن تنصرف بجيشك عن هذه الديار
5:19
وأن تعود إلى مرو
5:21
لتتدبر أمرك بعيدا عن ساحات المعارك
5:25
ما كاد تيذر يتم كلامه
5:28
حتى دعى قتيبة ابن مسلم غلامه سياه
5:32
فلما صار بين يديه قال له
5:35
إضرب عنق هذا الخائن يا سياه
5:38
فضرب سياه عنقه
5:40
وعاد من حيث أتا
5:43
وهنا التفت قتيبة إلى ضرار ابن حسين
5:46
وقال ليس في هذه الأرض أحد
5:49
سمع هذا الخبر غيري وغيرك
5:52
وإنني أقسم بالله العلي العظيم
5:56
لأن ظهر هذا الأمر من أحد
5:58
قبل أن تنقضي حربنا هذه
6:01
لأولحقنك بهذا الغادر
6:04
فإذا كانت لك في نفسك حاجة
6:07
فاحفظ عليك لسانك
6:09
وعلم أن انتشار هذا الحديث
6:12
يفت في عضد الجند
6:14
وينزل بنا هزيمة منكره
6:17
ثم أذن للناس فدخلوا عليه
6:20
فلما رأو تيذر مجندلا على الأرض
6:23
غارقا في دمائه
6:25
وقفوا واجمين مطرقين مرتاعين
6:29
فقال لهم قتيبة
6:31
ما يروعكم من قتل رجل غادر خائن
6:35
فقالوا
6:36
كنا نظنه ناصحا للمسلمين
6:40
فقال
6:41
بل كان غاشا لهم
6:43
فأخذه الله بذنبه
6:45
ثم رفع صوته وقال
6:48
والآن
6:49
انصرفوا إلى قتال عدوكم
6:52
والقوه بقلوب غير القلوب
6:54
التي كنتم تلقونه بها من قبل
6:58
صدع الجند بأمر قائدهم
7:01
قتيبة بن مسلم
7:03
وعبروا الثغور للقاء العدو
7:06
فلما تصاف الجيشان
7:09
رأى المسلمون من كثرة عدوهم
7:11
ووفرة عدته وعتاده
7:14
ما ملأ نفوسهم خشية منه
7:16
وهيبة له
7:18
وأحس قتيبة بن مسلم
7:21
بما يعتمل في أفئدة جنده
7:24
فجعل يطوف بين الكتائب
7:27
ويشحذ الهمم ويشد العزائم
7:30
ثم التفت إلى من حوله وقال
7:33
أين محمد بن واسع الأزدي
7:36
فقالوا
7:37
إنه هناك في الميمنة أيها الأمير
7:41
فقال
7:42
وما يفعل
7:44
فقالوا
7:45
إنه متكئ على رمحه
7:47
شاخص ببصره
7:49
يحرك إصبعه نحو السماء
7:52
أفنناديه لك أيها الأمير
7:55
فقال
7:56
بل دعوه
7:58
ثم أرد فيقول
8:00
والله إن تلك الإصبع
8:02
أحب إلي من ألف سيف شهير
8:05
يحملها ألف شاب طرير
8:08
أتركوه يدعو
8:10
فما عرفناه إلا مستجاب الدعاء
8:14
تزاحف جيش المسلمين وجيش عدوهم
8:19
كما تتزاحف الأسود الضواري
8:22
والتق الجمعان
8:24
كما تلتقي أمواج البحر المتلاطمة
8:27
في يوم عاصف
8:29
وأنزل الله على قلوب المسلمين السكينة
8:33
وأمدهم بروح من عنده
8:36
فما زالوا يجالدون عدوهم نهارهم كله
8:40
حتى إذا أقبل الليل
8:42
زلزل الله أقدام المشركين
8:45
وقذف في قلوبهم الرعب
8:48
فمنحوا ظهورهم للمسلمين
8:51
فركبهم المجاهدون قتلا وأسرا وتشريدا
8:55
عند ذلك سألوا قتيبة الصلح والفذية
8:59
فصالحهم
9:02
كان في جملة أسرى الأعداء
9:04
رجل خبيث النفس
9:06
مستطير الشر
9:08
شديد الأثر في تأليب قومه على المسلمين
9:12
فقال لقطيبة ابن مسلم
9:15
أنا أفدي نفسي أيها الأمير
9:18
فقيل له وكم تبذل
9:21
فقال
9:22
خمسة آلاف حريرة صينية
9:25
ثمنها ألف ألف
9:27
فالتفت قتيبة إلى وجوه الجند
9:31
وقال ما ترون
9:33
فقالوا
9:34
نرى أن هذا المال سيزيد في غنائم المسلمين
9:39
ثم إننا بعد أن أحرزنا هذا النصر
9:42
لم نعد نخشى بأس هذا الرجل وأمثاله
9:46
فالتفت قتيبة إلى محمد بن واسع الأزدي
9:50
وقال
9:51
وما تقول أنت يا أبا عبد الله
9:54
فقال
9:55
أيها الأمير
9:57
إن المسلمين لم يخرجوا من ديارهم
10:00
لجمع الغنائم وتكديس الأموال
10:03
وإنما خرجوا مرضاة لله
10:06
ونشر لدينه في الأرض
10:08
وقهرا لأعدائه
10:10
فقال قتيبة
10:12
جزاك الله خيرا
10:14
والله لا أدعه يروي عمرأة مسلمة بعد الساعة
10:19
ولو بذل مال الدنيا فداء لنفسه
10:23
ثم أمر بقتله
10:25
لم تقتصر صلة محمد بن واسع الأزدي
10:30
بأمراء بني أمية
10:32
على يزيد بن المهلب
10:34
وقتيبة بن مسلم الباهلي
10:37
وإنما امتدت إلى غيرهما من الولاة والأمراء
10:41
وكان من أبرز من اتصل بهم والي البصرة
10:45
بلال بن أبي بردة
10:47
ولقد كان له مع هذا الوالي
10:50
مواقف متداولة مشهورة
10:52
وأخبار مروية مأثورة
10:55
من ذلك أنه دخل عليه ذات يوم
10:59
وهو لابس مدرعة خشنة من الصوف
11:03
فقال له بلال
11:05
ما يدعوك إلى لبس هذا الكساء الخشن يا أبا عبد الله
11:10
فتشاغل عنه الشيخ ولم يجبه
11:13
فنظر إليه وقال
11:15
ما لك لا تجيبني يا أبا عبد الله
11:18
فقال
11:20
أكره أن أقول زهدا
11:22
فأزكي نفسي
11:24
وأكره أن أقول فقرا
11:26
فأشكو ربي
11:28
وأنا لا أريد هذا ولا ذاك
11:31
فقال له
11:34
ألك من حاجة فنقضيها يا أبا عبد الله
11:38
فقال
11:39
أما أنا
11:40
فما لي من حاجة أسألها أحدا من الناس
11:44
وإنما أتيتك في حاجة لآخ مسلم
11:48
فإن أذن الله في قضائها
11:51
قضيتها وكنت محمودا
11:54
وإن لم يأذن في قضائها
11:56
لم تقضها وكنت معذورا
11:59
فقال
12:00
بل نقضيها بإذن الله
12:03
ثم التفت إليه الوالي وقال
12:06
ما تقول في القضاء والقدر يا أبا عبد الله
12:10
فقال
12:11
أيها الأمير
12:13
إن الله عز وجل لا يسأل عباده يوم القيامة عن القضاء والقدر
12:19
وإنما يسألهم عن أعمالهم
12:22
فاستحى منه الوالي ولا ذب الصمت
12:26
وفيما هو جالس عنده
12:28
حان موعد غدائه
12:30
فدعاه الوالي إلى طعامه
12:33
فأبى ذلك
12:35
فالح عليه
12:37
فجعل يتعلل بشت العلل
12:39
فغضب الوالي وقال
12:42
أراك تكره أن تصيب شيئا من طعامنا يا أبا عبد الله
12:47
فقال له
12:48
لا تقل ذلك أيها الأمير
12:51
فوالله إن خياركم معشر الأمراء
12:55
الأحب إلينا من أبنائنا وخاصة أهلنا
12:59
ولقد دعي محمد بن واسع الأزدي
13:04
لتولي منصب القضاء أكثر من مرة
13:07
فأبى ذلك أشد الإباء
13:10
وعرض نفسه بسبب إبائه للإيذاء
13:14
من ذلك أن محمد بن المنذر
13:17
صاحب شرطة البصرة دعاه إليه وقال
13:21
إن أمير العراق طلب مني أن أدعوك لتولي القضاء
13:26
فقال
13:27
أعفوني من ذلك عافاكم الله
13:31
فعاوده مثنى وثلاث
13:33
فأصر على إبائه
13:36
فقال له
13:37
والله لتتولي أن القضاء
13:40
أو لأجلدنك ثلاثمائة جلدة
13:43
ولأعذرنك
13:45
فقال له
13:46
إن تفعل فإنك مسلط
13:49
وإن معذب الدنيا خير من معذب الآخرة
13:53
فخجل منه وصرفه بالحسنى
13:56
وقد كان مجلس محمد بن واسع في مسجد البصرة
14:03
موئلا لطلاب العلم
14:06
ومنهلا لشدات الحكمة والموعظة
14:09
وقد حفلت كتب التاريخ والسير
14:12
بأخبار مجالسه هذه
14:14
من ذلك أن أحدهم قال له
14:17
أوصني يا أبا عبد الله
14:19
فقال
14:21
أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة
14:25
فدهش السائل وقال
14:27
وكيف لي بذلك يا أبا عبد الله
14:31
فقال
14:32
ازهد بعرض الدنيا
14:34
تكن ملكا هنا بالاستغناء عما في أيدي الناس
14:39
وملكا هناك بالفوز بما عند الله من حسن الثواب
14:44
وقال له آخر
14:46
إني لوحبك في الله يا أبا عبد الله
14:50
فقال
14:51
أحبك الله الذي أحبتني من أجله
14:55
ثم ولا وهو يقول
14:57
اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك
15:01
وأنت لي ماقت
15:03
وكان كل ما سمع ثناء الناس عليه
15:06
وإطراءهم لتقواه وعبادته
15:09
يقول لهم
15:11
لو كان للذنوب رائحة تفوح
15:14
ما استطاع أحد منكم أن يدنوا مني
15:17
لما يصيبه من أذى رائحتي
15:21
وقد كان محمد بن واسع
15:24
لا يفت أو يحض طلابه على التزام كتاب الله عز وجل
15:29
والعيش في أكنافه ويقول
15:32
القرآن بستان المؤمن
15:35
فأينما حل منه نزل في روضه
15:38
كما كان يوصيهم بقلة الطعام فيقول
15:43
من قل طعامه فهم وأفهم
15:46
وصفا ورق
15:48
وإن كثرة الطعام لتثقل الرجل
15:51
عن كثير مما يريد
15:54
وقد بلغ محمد بن واسع من التقا والورع
15:57
مبلغا عظيما
15:59
ورويت له في ذلك أخبار كثيرة
16:02
من ذلك أنه رؤيا في السوق
16:05
وهو يعرض للبيع حمارا له
16:08
فسأله رجل
16:10
أترضاه لي أيها الشيخ
16:13
فقال
16:14
لو رضيته لنفسي ما بعته
16:17
وقد عاش محمد بن واسع حياته كلها في وجل من ذنوبه
16:24
وأشفاق من العرض على ربه
16:27
فكان إذا قيل له
16:29
كيف أصبحت يا أبا عبد الله
16:32
أجاب قائلا
16:34
أصبحت قريبا أجلي
16:36
بعيدا أملي
16:38
سيئا عملي
16:40
فإذا رأى شيئا من الدهشة يبدو على ملامح سائله قال
16:45
ما ظنكم برجل يقطع إلى الآخرة كل يوم مرحله
16:51
ولما مرض محمد بن واسع الأزدي مرض الموت
16:55
تكاثر الناس على عيادته
16:58
حتى غص منزله بالداخلين عليه والخارجين
17:02
والقائمين في منزله والقاعدين
17:06
فمال بشقه على أحد خواصه وقال
17:10
أخبرني ما يغني عني هؤلاء
17:14
إذا أخذنا غدا بالنواصي والأقدام
17:18
وما ينفعونني إذا ألقيت في النار
17:22
ثم أقبل على ربه وجعل يقول
17:26
اللهم إني أستغفرك من كل مقام سوء قمت
17:31
ومن كل مقعد سوء قعدته
17:34
ومن كل مدخل سوء دخلته
17:37
ومن كل مخرج سوء خرجته
17:41
ومن كل عمل سوء عملته
17:44
ومن كل قول سوء قلته
17:47
اللهم إني أستغفرك من ذلك كله
17:52
فاغفره لي وأتوب لك منه
17:55
فتب علي وألقي إليك بالسلام
17:59
قبل أن يكون لزاما
18:02
ثم فاضت روحه
18:04
إن إصبع محمد بن واسع الأزدي
18:12
أحب إلي من ألف سيف شهير
18:16
يحملها ألف شاب طرير
18:20
قتيبة بن مسلم
18:32
كانوا هنا يسقون غيما حياتنا
18:37
فما مو فينا ذكرهم يتعالى
18:42
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
18:47
هل مثلهم نجم سما وتلالا
18:52
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
18:58
وزهت بهم دنيا الأنا