صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (18) | محمد بن واسع الأزدي رحمه الله (ج2)

◉ 0 مشاهدة ⏱ 19:08 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمهية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 محمد بن واسغ للأزدين رحمه الله
0:42 نحن الآن في سنة سبع وثمانين للهجرة
0:46 وهذا مفخرة المسلمين
0:49 القائد الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي
0:53 ينهد بجيشه اللجب من مدينة مرو
0:57 متوجهاً إلى منطقة بخارة
1:00 فقد عقد العزم على أن يفتح ما تبقى من بلاد ما وراء النهر
1:06 وأن يغزو أطراف الصين
1:08 وأن يضرب على أهلها الجزية
1:11 لكن قتيبة بن مسلم ما كاد يعبر نهر سيحون
1:17 حتى نذر به أهل بخارة
1:20 فهبوا يدقون طبول الحرب في كل مكان
1:24 وطفقوا يستصرقون الأقوام الذين حولهم
1:28 من الصغد والترك والصين وغيرهم وغيرهم
1:33 فتدفقت عليهم جموع المقاتلين من كل لون وعرق
1:38 ولغة ودين
1:40 حتى بلغوا أضعاف أضعاف جيش المسلمين عدة وعددا
1:45 ثم إنهم بادروا
1:47 فسدوا في وجوه المسلمين أفواه الطرق
1:51 وغلقوا دونهم الثغور والمسالك
1:54 حتى إن قتيبة بن مسلم
1:57 لم يستطع أن يسرب إليهم سرية صغيرة من سراياه
2:02 لتتحسس أحوالهم وتأتيه بأخبارهم
2:06 كما لم يستطع أحد من عيونه المنبثين بينهم أن ينفذ إلي
2:14 عسكر قتيبة بن مسلم بجيشه بالقرب من مدينة بيكند
2:20 ثمر في مكانه لا يتقدم ولا يتأخر
2:24 فأخذ العدو يبرز له مع إشراقة كل صباح بطليعة من طلائعه
2:31 فتناوش جيشه سحابة النهار كله
2:35 فإذا جن عليها الليل عادت إلى قواعدها الحصينة الأمينة
2:41 وقد استمر الأمر على هذه الحال شهرين متتابعين
2:46 وقتيبة في حيرة من أمره
2:49 فهو لا يدري أيحجم أم يقدم
2:52 ثم ما لبثت أن بلغت أخبار قتيبة وجنده أسماع المسلمين في كل مكان
2:59 فجزع الناس أشد الجزع على الجيش الكبير الذي لم يقهر
3:04 والقائد العظيم الذي لم يغلب
3:08 وصدرت التوجيهات إلى الولاة في الأمصار
3:11 بأن يدعى لجند المسلمين المتربصين في بلاد ما وراء النهر
3:16 إثر كل صلاة
3:18 فأخذت مساجد المسلمين تضج من أجلهم بالدعاء
3:23 وطفقت مآذنهم تعج بالضراعة والابتهال
3:27 ودأب الأئمة يقنطون في كل صلاة
3:31 وهب لنجدة الجيش العتيد خلق كثير
3:35 وكان يتقدمهم التابعي الجليل محمد بن واسع الأزدي
3:41 كان لقطيبة ابن مسلم الباهلي عين من أبناء العجم
3:47 مشهود له بالحنكة والحكمة والدهاء
3:51 يقال له تيذر
3:53 فاستماله الأعداء إليهم
3:56 وبذلوا له المال بسخا
3:58 وطلبوا منه أن يستعمل حيلته وذكاءه في توهين قوى المسلمين
4:04 وحملهم على مغادرة البلاد من غير حرب
4:08 دخل تيذر على قتيبة ابن مسلم الباهلي
4:12 وكان مجلسه حافلا بكبار القواد ووجوه الجند
4:17 فأخذ مكانه إلى جانبه
4:20 ثم مال عليه وهمس في أذنه قائلا
4:24 أخل مجلسك أيها الأمير إذا شئت
4:28 فأشار قتيبة إلى من في المجلس
4:31 فانصرفوا جميعا إلا ضرار ابن الحسين
4:35 فقد استبقاه قتيبة
4:38 عند ذلك
4:41 التفت تيذر إلى قتيبة وقال
4:44 لك عندي أخبار أيها الأمير
4:47 فقال قتيبة في لهفة هاتها
4:51 فقال تيذر
4:53 إن أمير المؤمنين في دمشق
4:56 قد عزل الحجاج ابن يوسف الثقفي
4:59 وعزل القواد الذين يتبعونه
5:02 وأنت واحد منهم
5:04 وولى على الجيوش قوادا جددا
5:07 ووجههم إلى أعمالهم
5:10 وإن خلفك قادم عليك بين عشية وضحاها
5:14 والرأي عندي
5:16 أن تنصرف بجيشك عن هذه الديار
5:19 وأن تعود إلى مرو
5:21 لتتدبر أمرك بعيدا عن ساحات المعارك
5:25 ما كاد تيذر يتم كلامه
5:28 حتى دعى قتيبة ابن مسلم غلامه سياه
5:32 فلما صار بين يديه قال له
5:35 إضرب عنق هذا الخائن يا سياه
5:38 فضرب سياه عنقه
5:40 وعاد من حيث أتا
5:43 وهنا التفت قتيبة إلى ضرار ابن حسين
5:46 وقال ليس في هذه الأرض أحد
5:49 سمع هذا الخبر غيري وغيرك
5:52 وإنني أقسم بالله العلي العظيم
5:56 لأن ظهر هذا الأمر من أحد
5:58 قبل أن تنقضي حربنا هذه
6:01 لأولحقنك بهذا الغادر
6:04 فإذا كانت لك في نفسك حاجة
6:07 فاحفظ عليك لسانك
6:09 وعلم أن انتشار هذا الحديث
6:12 يفت في عضد الجند
6:14 وينزل بنا هزيمة منكره
6:17 ثم أذن للناس فدخلوا عليه
6:20 فلما رأو تيذر مجندلا على الأرض
6:23 غارقا في دمائه
6:25 وقفوا واجمين مطرقين مرتاعين
6:29 فقال لهم قتيبة
6:31 ما يروعكم من قتل رجل غادر خائن
6:35 فقالوا
6:36 كنا نظنه ناصحا للمسلمين
6:40 فقال
6:41 بل كان غاشا لهم
6:43 فأخذه الله بذنبه
6:45 ثم رفع صوته وقال
6:48 والآن
6:49 انصرفوا إلى قتال عدوكم
6:52 والقوه بقلوب غير القلوب
6:54 التي كنتم تلقونه بها من قبل
6:58 صدع الجند بأمر قائدهم
7:01 قتيبة بن مسلم
7:03 وعبروا الثغور للقاء العدو
7:06 فلما تصاف الجيشان
7:09 رأى المسلمون من كثرة عدوهم
7:11 ووفرة عدته وعتاده
7:14 ما ملأ نفوسهم خشية منه
7:16 وهيبة له
7:18 وأحس قتيبة بن مسلم
7:21 بما يعتمل في أفئدة جنده
7:24 فجعل يطوف بين الكتائب
7:27 ويشحذ الهمم ويشد العزائم
7:30 ثم التفت إلى من حوله وقال
7:33 أين محمد بن واسع الأزدي
7:36 فقالوا
7:37 إنه هناك في الميمنة أيها الأمير
7:41 فقال
7:42 وما يفعل
7:44 فقالوا
7:45 إنه متكئ على رمحه
7:47 شاخص ببصره
7:49 يحرك إصبعه نحو السماء
7:52 أفنناديه لك أيها الأمير
7:55 فقال
7:56 بل دعوه
7:58 ثم أرد فيقول
8:00 والله إن تلك الإصبع
8:02 أحب إلي من ألف سيف شهير
8:05 يحملها ألف شاب طرير
8:08 أتركوه يدعو
8:10 فما عرفناه إلا مستجاب الدعاء
8:14 تزاحف جيش المسلمين وجيش عدوهم
8:19 كما تتزاحف الأسود الضواري
8:22 والتق الجمعان
8:24 كما تلتقي أمواج البحر المتلاطمة
8:27 في يوم عاصف
8:29 وأنزل الله على قلوب المسلمين السكينة
8:33 وأمدهم بروح من عنده
8:36 فما زالوا يجالدون عدوهم نهارهم كله
8:40 حتى إذا أقبل الليل
8:42 زلزل الله أقدام المشركين
8:45 وقذف في قلوبهم الرعب
8:48 فمنحوا ظهورهم للمسلمين
8:51 فركبهم المجاهدون قتلا وأسرا وتشريدا
8:55 عند ذلك سألوا قتيبة الصلح والفذية
8:59 فصالحهم
9:02 كان في جملة أسرى الأعداء
9:04 رجل خبيث النفس
9:06 مستطير الشر
9:08 شديد الأثر في تأليب قومه على المسلمين
9:12 فقال لقطيبة ابن مسلم
9:15 أنا أفدي نفسي أيها الأمير
9:18 فقيل له وكم تبذل
9:21 فقال
9:22 خمسة آلاف حريرة صينية
9:25 ثمنها ألف ألف
9:27 فالتفت قتيبة إلى وجوه الجند
9:31 وقال ما ترون
9:33 فقالوا
9:34 نرى أن هذا المال سيزيد في غنائم المسلمين
9:39 ثم إننا بعد أن أحرزنا هذا النصر
9:42 لم نعد نخشى بأس هذا الرجل وأمثاله
9:46 فالتفت قتيبة إلى محمد بن واسع الأزدي
9:50 وقال
9:51 وما تقول أنت يا أبا عبد الله
9:54 فقال
9:55 أيها الأمير
9:57 إن المسلمين لم يخرجوا من ديارهم
10:00 لجمع الغنائم وتكديس الأموال
10:03 وإنما خرجوا مرضاة لله
10:06 ونشر لدينه في الأرض
10:08 وقهرا لأعدائه
10:10 فقال قتيبة
10:12 جزاك الله خيرا
10:14 والله لا أدعه يروي عمرأة مسلمة بعد الساعة
10:19 ولو بذل مال الدنيا فداء لنفسه
10:23 ثم أمر بقتله
10:25 لم تقتصر صلة محمد بن واسع الأزدي
10:30 بأمراء بني أمية
10:32 على يزيد بن المهلب
10:34 وقتيبة بن مسلم الباهلي
10:37 وإنما امتدت إلى غيرهما من الولاة والأمراء
10:41 وكان من أبرز من اتصل بهم والي البصرة
10:45 بلال بن أبي بردة
10:47 ولقد كان له مع هذا الوالي
10:50 مواقف متداولة مشهورة
10:52 وأخبار مروية مأثورة
10:55 من ذلك أنه دخل عليه ذات يوم
10:59 وهو لابس مدرعة خشنة من الصوف
11:03 فقال له بلال
11:05 ما يدعوك إلى لبس هذا الكساء الخشن يا أبا عبد الله
11:10 فتشاغل عنه الشيخ ولم يجبه
11:13 فنظر إليه وقال
11:15 ما لك لا تجيبني يا أبا عبد الله
11:18 فقال
11:20 أكره أن أقول زهدا
11:22 فأزكي نفسي
11:24 وأكره أن أقول فقرا
11:26 فأشكو ربي
11:28 وأنا لا أريد هذا ولا ذاك
11:31 فقال له
11:34 ألك من حاجة فنقضيها يا أبا عبد الله
11:38 فقال
11:39 أما أنا
11:40 فما لي من حاجة أسألها أحدا من الناس
11:44 وإنما أتيتك في حاجة لآخ مسلم
11:48 فإن أذن الله في قضائها
11:51 قضيتها وكنت محمودا
11:54 وإن لم يأذن في قضائها
11:56 لم تقضها وكنت معذورا
11:59 فقال
12:00 بل نقضيها بإذن الله
12:03 ثم التفت إليه الوالي وقال
12:06 ما تقول في القضاء والقدر يا أبا عبد الله
12:10 فقال
12:11 أيها الأمير
12:13 إن الله عز وجل لا يسأل عباده يوم القيامة عن القضاء والقدر
12:19 وإنما يسألهم عن أعمالهم
12:22 فاستحى منه الوالي ولا ذب الصمت
12:26 وفيما هو جالس عنده
12:28 حان موعد غدائه
12:30 فدعاه الوالي إلى طعامه
12:33 فأبى ذلك
12:35 فالح عليه
12:37 فجعل يتعلل بشت العلل
12:39 فغضب الوالي وقال
12:42 أراك تكره أن تصيب شيئا من طعامنا يا أبا عبد الله
12:47 فقال له
12:48 لا تقل ذلك أيها الأمير
12:51 فوالله إن خياركم معشر الأمراء
12:55 الأحب إلينا من أبنائنا وخاصة أهلنا
12:59 ولقد دعي محمد بن واسع الأزدي
13:04 لتولي منصب القضاء أكثر من مرة
13:07 فأبى ذلك أشد الإباء
13:10 وعرض نفسه بسبب إبائه للإيذاء
13:14 من ذلك أن محمد بن المنذر
13:17 صاحب شرطة البصرة دعاه إليه وقال
13:21 إن أمير العراق طلب مني أن أدعوك لتولي القضاء
13:26 فقال
13:27 أعفوني من ذلك عافاكم الله
13:31 فعاوده مثنى وثلاث
13:33 فأصر على إبائه
13:36 فقال له
13:37 والله لتتولي أن القضاء
13:40 أو لأجلدنك ثلاثمائة جلدة
13:43 ولأعذرنك
13:45 فقال له
13:46 إن تفعل فإنك مسلط
13:49 وإن معذب الدنيا خير من معذب الآخرة
13:53 فخجل منه وصرفه بالحسنى
13:56 وقد كان مجلس محمد بن واسع في مسجد البصرة
14:03 موئلا لطلاب العلم
14:06 ومنهلا لشدات الحكمة والموعظة
14:09 وقد حفلت كتب التاريخ والسير
14:12 بأخبار مجالسه هذه
14:14 من ذلك أن أحدهم قال له
14:17 أوصني يا أبا عبد الله
14:19 فقال
14:21 أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة
14:25 فدهش السائل وقال
14:27 وكيف لي بذلك يا أبا عبد الله
14:31 فقال
14:32 ازهد بعرض الدنيا
14:34 تكن ملكا هنا بالاستغناء عما في أيدي الناس
14:39 وملكا هناك بالفوز بما عند الله من حسن الثواب
14:44 وقال له آخر
14:46 إني لوحبك في الله يا أبا عبد الله
14:50 فقال
14:51 أحبك الله الذي أحبتني من أجله
14:55 ثم ولا وهو يقول
14:57 اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك
15:01 وأنت لي ماقت
15:03 وكان كل ما سمع ثناء الناس عليه
15:06 وإطراءهم لتقواه وعبادته
15:09 يقول لهم
15:11 لو كان للذنوب رائحة تفوح
15:14 ما استطاع أحد منكم أن يدنوا مني
15:17 لما يصيبه من أذى رائحتي
15:21 وقد كان محمد بن واسع
15:24 لا يفت أو يحض طلابه على التزام كتاب الله عز وجل
15:29 والعيش في أكنافه ويقول
15:32 القرآن بستان المؤمن
15:35 فأينما حل منه نزل في روضه
15:38 كما كان يوصيهم بقلة الطعام فيقول
15:43 من قل طعامه فهم وأفهم
15:46 وصفا ورق
15:48 وإن كثرة الطعام لتثقل الرجل
15:51 عن كثير مما يريد
15:54 وقد بلغ محمد بن واسع من التقا والورع
15:57 مبلغا عظيما
15:59 ورويت له في ذلك أخبار كثيرة
16:02 من ذلك أنه رؤيا في السوق
16:05 وهو يعرض للبيع حمارا له
16:08 فسأله رجل
16:10 أترضاه لي أيها الشيخ
16:13 فقال
16:14 لو رضيته لنفسي ما بعته
16:17 وقد عاش محمد بن واسع حياته كلها في وجل من ذنوبه
16:24 وأشفاق من العرض على ربه
16:27 فكان إذا قيل له
16:29 كيف أصبحت يا أبا عبد الله
16:32 أجاب قائلا
16:34 أصبحت قريبا أجلي
16:36 بعيدا أملي
16:38 سيئا عملي
16:40 فإذا رأى شيئا من الدهشة يبدو على ملامح سائله قال
16:45 ما ظنكم برجل يقطع إلى الآخرة كل يوم مرحله
16:51 ولما مرض محمد بن واسع الأزدي مرض الموت
16:55 تكاثر الناس على عيادته
16:58 حتى غص منزله بالداخلين عليه والخارجين
17:02 والقائمين في منزله والقاعدين
17:06 فمال بشقه على أحد خواصه وقال
17:10 أخبرني ما يغني عني هؤلاء
17:14 إذا أخذنا غدا بالنواصي والأقدام
17:18 وما ينفعونني إذا ألقيت في النار
17:22 ثم أقبل على ربه وجعل يقول
17:26 اللهم إني أستغفرك من كل مقام سوء قمت
17:31 ومن كل مقعد سوء قعدته
17:34 ومن كل مدخل سوء دخلته
17:37 ومن كل مخرج سوء خرجته
17:41 ومن كل عمل سوء عملته
17:44 ومن كل قول سوء قلته
17:47 اللهم إني أستغفرك من ذلك كله
17:52 فاغفره لي وأتوب لك منه
17:55 فتب علي وألقي إليك بالسلام
17:59 قبل أن يكون لزاما
18:02 ثم فاضت روحه
18:04 إن إصبع محمد بن واسع الأزدي
18:12 أحب إلي من ألف سيف شهير
18:16 يحملها ألف شاب طرير
18:20 قتيبة بن مسلم
18:32 كانوا هنا يسقون غيما حياتنا
18:37 فما مو فينا ذكرهم يتعالى
18:42 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
18:47 هل مثلهم نجم سما وتلالا
18:52 ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
18:58 وزهت بهم دنيا الأنا