صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (8) | شريح القاضي رحمه الله

◉ 0 مشاهدة ⏱ 17:35 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمهية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26 رحمه الله
0:31 شريح للقاضي
0:33 رحمه الله
0:41 ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
0:46 فرساً من رجل من الأعراب ونقده ثمنه
0:50 ثم امتطا صهوته ومضابه
0:53 لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلا
0:57 حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري
1:02 فانثنى به عائداً من حيث انطلق
1:05 وقال للرجل
1:07 خذ فرسك فإنه معطوب
1:10 فقال الرجل
1:12 لا آخذه يا أمير المؤمنين
1:15 وقد بعته منك سليماً صحيحا
1:18 فقال عمر
1:20 اجعل بيني وبينك حكما
1:23 فقال الرجل
1:24 يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي
1:28 فقال عمر رضيت به
1:31 احتكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
1:34 وصاحب الفرس إلى شريح
1:37 فلما سمع شريح مقالة الأعرابي
1:41 التفت إلى عمر بن الخطاب وقال
1:44 هل أخذت الفرس سليماً يا أمير المؤمنين
1:48 فقال عمر نعم
1:50 فقال شريح
1:52 احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين
1:55 أو ردك ما أخذت
1:58 فنظر عمر إلى شريح معجبا
2:01 وقال
2:02 وهل القضاء إلا هكذا
2:05 قول فصل وحكم عدل
2:08 سر إلى الكوفة
2:10 فقد وليتك قضاءها
2:14 لم يكن شريح بن الحارث يوم ولاه عمر القضاء
2:18 رجلاً مجهول المقام في المجتمع المدني
2:22 أو امرأً مغمور المنزلة بين أهل العلم وأصحاب الرأي
2:26 من جلة الصحابة وكبار التابعين
2:30 فقد كان أصحاب الفضل وأهل السابقة
2:34 يقدرون لشريح فطنته الحادة
2:37 وذكاءه الفذ
2:39 وخلقه الرفيع
2:41 وطول تجربته في الحياة وعمقها
2:44 فهو رجل يمني الموطن
2:47 كندي العشيرة
2:49 قضى شطرًا غير يسير من حياته في الجاهلية
2:53 فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الهداية
2:58 ونفذت أشعة الإسلام إلى أرض اليمن
3:02 كان شريح من أوائل المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم
3:08 المستجيبين لدعوة الهدى والحق
3:12 وكان عارفوا فضله ومقدروا شمائله ومزاياه
3:17 يأسون عليه أشد الأسا
3:20 ويتمنون أن لو أتيح له أن يفد على المدينة مبكرا
3:25 ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:29 قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى
3:32 ولينهل من موارده الصافية المصفات مباشرة لا بالوساطة
3:38 ولكي يحظى بشرف الصحبة
3:41 بعد أن حضي بنعمة الإيمان
3:44 وذلك يجمع الخير من أطرافه
3:47 ولكنما قدر كان
3:52 ولم يكن الفاروق رضوان الله عليه
3:55 متعجلا حين عهد بمنصب من مناصب القضاء الكبرى لرجل من التابعين
4:02 على الرغم من أن سماء الإسلام كانت يومئذ
4:06 ما تزال تتألق بالنجوم الزهر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:13 فقد أثبتت الأيام صدق فراسة عمر
4:16 وصواب تدبيره
4:18 إذ ظل شريح يقضي بين المسلمين نحو من ستين عاما
4:23 متتابعة من غير انقطاع
4:26 وقد تعاقب على إقراره في منصبه كل من عمر وعثمان وعلي ومعاوية
4:34 رضوان الله عليهم أجمعين
4:37 كما أقره على ذلك من جاء بعد معاوية من خلفاء بني أمية
4:43 حتى طلب الرجل إعفاءه من منصبه إبان ولاية الحجاج
4:49 وكان قد بلغ السابعة بعد المائة من حياته المديدة الرشيدة
4:55 الحافلة بالمفاخر والمآثر
4:58 ولقد ازدان تاريخ القضاء في الإسلام ببدائع من مواقف شريح
5:04 وزهى بروائع من انصياع خاصة المسلمين وعامتهم لشرع الله
5:10 الذي يمثله شريح ونزولهم عند أحكامه
5:15 وامتلأت بطون الكتب بطرائف هذا الرجل الفذ وأخباره وأقواله وأفعاله
5:23 من ذلك أن عري بن أبي طالب رضي الله عنه
5:28 افتقد درعا له كانت أثيرة عنده غالية عليه
5:33 ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل من أهل الذمة يبيعها في سوق الكوفة
5:40 فلما رآها عرفها وقال
5:43 هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا وفي مكان كذا
5:50 فقال الذمي بل هي درعي وفي يدي يا أمير المؤمنين
5:56 فقال علي إنما هي درعي لم أبيعها من أحد
6:01 ولم أهبها لأحد حتى تصير إليك
6:05 فقال الذمي بيني وبينك قاضي المسلمين
6:10 فقال علي أنصفت فهلم إليه
6:14 ثم إنهما ذهب إلى شريح القاضي
6:18 فلما صار عنده في مجلس القضاء
6:23 رضي الله عنه ما تقول يا أمير المؤمنين
6:27 فقال لقد وجدت درعي هذه مع هذا الرجل
6:32 وقد سقطت مني في ليلة كذا وفي مكان كذا
6:36 وهي لم تصل إليه لا ببيع ولا هبه
6:40 فقال شريح للذمي
6:43 وما تقول أنت أيها الرجل
6:46 فقال الدرع درعي وهي في يدي
6:50 ولا أتهم أمير المؤمنين بالكذب
6:54 فالتفت شريح إلى علي وقال
6:57 لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين
7:03 وأن الدرع درعك
7:05 ولكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما دعيت
7:10 فقال علي نعم مولاي قمبر
7:14 وولد الحسن يشهدان لي
7:17 فقال شريح
7:19 ولكن شهادة لابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين
7:24 فقال علي يا سبحان الله
7:27 رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته
7:31 أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
7:36 الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
7:40 فقال شريح
7:42 بلى يا أمير المؤمنين
7:45 غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده
7:49 عند ذلك
7:51 التفت علي إلى الذمي وقال
7:54 خذها فليس عندي شاهد غيرهما
7:58 فقال الذمي
8:00 ولكني أشهد بأن الدرع لك يا أمير المؤمنين
8:04 ثم أردف قائلا
8:06 يا لله
8:08 أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه
8:12 وقاضيه يقضي لي عليه
8:14 أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق
8:18 وأشهد أن لا إله إلا الله
8:21 وأن محمدا عبده ورسوله
8:25 اعلم أيها القاضي
8:27 أن الدرع درع أمير المؤمنين
8:30 وأنني اتبعت الجيش وهو منطلق إلى صفين
8:34 فسقطت الدرع عن جمله الأورق
8:37 فآخذتها
8:39 فقال له علي رضي الله عنه
8:42 أما وإنك قد أسلمت
8:45 فإني وهبتها لك
8:47 ووهبت لك معها هذا الفرس أيضا
8:51 ولم يمضي على هذا الحادث زمن طويل
8:54 حتى شوهد الرجل يقاتل الخوارج تحت راية علي
8:59 في يوم النهروان
9:01 ويمعن في القتال
9:03 حتى كتبت له الشهادة
9:08 ومن روائع شريح أيضا
9:10 أن ابنه قال له يوما
9:13 يا أبتي
9:14 إن بيني وبين قوم خصومة
9:17 فانظر فيها
9:19 فإن كان الحق لي قاضيتهم
9:22 وإن كان لهم صالحتهم
9:25 ثم قص عليه قصته
9:27 فقال له انطلق فقاضهم
9:31 فمضى إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة
9:35 فاستجابوا له
9:37 ولما مثلوا بين يدي شريح
9:39 قضا لهم على ولده
9:42 فلما رجع شريح وبنه إلى البيت
9:45 قال الولد لأبيه
9:47 فضحتني يا أبتي
9:49 والله لو لم أستشرك من قبل
9:52 لما لمتك
9:53 فقال شريح
9:55 يا ابني
9:56 والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم
10:01 ولكن الله عز وجل
10:03 أعز علي منك
10:05 لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم
10:09 فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم
10:13 فقلت لك ما قلت
10:17 وقد كفل ولد لشريح رجلا
10:20 فقبل كفالته
10:22 فما كان من الرجل
10:24 إلا أن فرى هاربا من يد القضاء
10:27 فسجن شريح ولده بالرجل الفار
10:31 وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن
10:37 وكانت الشكوك تساور شريحا
10:40 أحيانا في بعض الشهود
10:42 غير أنه لا يجد سبيلا لدفع شهادتهم
10:46 لما توافر لهم من شروط العدالة
10:49 فكان يقول لهم قبل أن يدلوا بشهادتهم
10:53 إسمعوا مني هداكم الله
10:56 إنما يقضي على هذا الرجل أنتم
11:00 وإني لأتقي النار بكم
11:03 وأنتم باتقائها أولا
11:06 إن في وسعكم الآن أن تدعوا الشهادة وتمضوا
11:10 فإذا أصروا على الشهادة
11:13 التفت إلى الذين يشهدون له وقال
11:16 إعلم يا هدا
11:18 أنني أقضي لك بشهادتهم
11:21 وإني لأرى أنك ظالم
11:24 ولكني لست أقضي بالظن
11:27 وإنما أقضي بشهادة الشهود
11:30 وإن قضائي ما يحل لك شيئا حرمه الله عليك
11:35 وكان الشعار الذي يردده شريح في مجالس قضائه قولة
11:40 غدا سيعلم الظالم من الخاسر
11:43 إن الظالم ينتظر العقاب
11:46 وإن المظلوم ينتظر النصفة
11:49 وإني أحلف بالله
11:52 أنه ما من أحد ترك شيئا لله عز وجل
11:56 ثم أحس بفقده
11:59 ولم يكن شريح ناصحا لله
12:03 ولرسوله ولكتابه فحسب
12:06 وإنما كان ناصحا لعامة المسلمين وخاصتهم أيضا
12:11 روا أحدهم قال
12:14 سمعني شريح وأنا أشتكي بعض ما غمني لصديق
12:19 فأخذني من يدي وانتحى بجانبا وقال
12:24 يا ابن أخي
12:26 إياك والشكوى لغير الله عز وجل
12:29 فإن من تشكو إليه
12:31 لا يخلو أن يكون صديقا أو عدوا
12:35 فأما الصديق فتحزنه
12:37 وأما العدو فيشمت بك
12:40 ثم قال
12:42 أنظر إلى عيني هذه
12:44 وأشار إلى إحدى عيني
12:47 فوالله ما أبصرت بها شخصا ولا طريقا منذ خمس عشرة سنة
12:53 ولكني ما أخبرت أحدا بذلك
12:56 إلا أنت في هذه الساعة
12:59 أما سمعت قول العبد الصالح
13:02 إنما أشكو بثي وحزني إلى الله
13:06 فاجعل الله عز وجل مشكاك ومحزنك عند كل نائبة تنوبك
13:12 فإنه أكرم مسؤول وأقرب مدعو
13:16 وقد رآ ذات يوم رجلا يسأل آخر شيئا
13:20 فقال له
13:21 يا ابن أخي
13:23 من سأل إنسانا حاجة
13:25 فقد عرض نفسه على الرق
13:28 فإن قضاها له المسؤول
13:31 فقد استعبده بها
13:33 وإن رده عنها
13:35 رجع كلاهما ذليلا
13:37 هذا بذل البخل
13:39 وذاك بذل الرد
13:42 فإذا سألت فاسأل الله
13:44 وأذا استعنت فاستعن بالله
13:47 واعلم أنه لا حول ولا قوة ولا عون إلا بالله
13:53 وقد وقع بالكوفة طاعون
13:58 فخرج صديق لشريح منها إلى النجف
14:01 يبتغي المهرب من الوباء
14:04 فكتب إليه شريح
14:06 أما بعد
14:08 فإن الموضع الذي تركته لا يقرب حمامك
14:12 ولا يسلب منك أيامك
14:14 وإن الموضع الذي صرت إليه
14:17 في قبضة من لا يعجزه طلب
14:20 ولا يفوته هرب
14:22 وإنا وإياك لعلا بساط ملك واحد
14:26 وإن النجف من ذي قدرة لقريب
14:30 وكان شريح إلى ذلك كله
14:34 شاعرا قريب المأخذ
14:36 حلو الأداء طريف الموضوعات
14:40 روي عنه أنه كان له صبي في نحو العاشرة من عمره
14:45 وكان الصبي مؤثرا له مولعا باللعب
14:49 فافتقده ذات يوم
14:52 فإذا هو قد ترك الكتاب
14:54 ومضى يتفرج على الكلاب
14:57 فلما عاد إلى المنزل سأله أصليت
15:01 فقال لا
15:02 فدعى بقرطاس وقلم
15:05 وكتب إلى مؤد به يقول
15:08 ترك الصلاة لأكلوب يسعى لها
15:11 يبغي الهراش مع الغوات الرجس
15:15 فليأتي أنك غدوة بصحيفة
15:18 كتبت له كصحيفة المتلمس
15:22 فإذا أتاك فداوه بملامة
15:26 أوعظه موعظة الأديب الكيس
15:30 وأذا هممت بضربه فبدرة
15:33 وأذا بلغت ثلاثة لك فحبس
15:37 واعلم بأنك ما أتيت فنفسه
15:41 مع ما يجرعني أعز الأنفس
15:44 رضي الله عن الفاروق
15:49 فقد زان مفرق القضاء في الإسلام
15:52 بلؤلؤة كريمة الأعراق
15:55 صافية الجوهر
15:58 رائعة المجتلى
16:01 وحب المسلمين مصباحا منيرا
16:04 ما زالوا حتى اليوم يستضيئون
16:07 بسنافقه لشرع الله
16:10 ويهتدون بنور فهمه لسنة رسول الله
16:13 ويباهون به الأمم يوم القيامة
16:16 ورحم الله شريحا القاضي
16:19 فقد أقام العدل بين الناس ستين عاما
16:22 فما حاف على أحد
16:25 ولا حاد عن حق
16:28 ولا ميز بين ملك وسوقه
16:31 قيل لشريح
16:36 بأي شيء أصبت هذا العلم
16:40 فقال بمذاكرة العلماء
16:43 آخذ منهم وأعطيهم
16:46 سفيان الأوسي
16:54 حيث إذا سعى أو قال
16:57 كانوا هنا
17:00 يسقون غيم حياتنا
17:03 فمو وفينا
17:06 ذكرهم يتعالى
17:09 رحلوا وألقوا في الضمير سؤالا
17:12 هل مثلهم
17:15 نجم سما وتلالا
17:18 ملأوا الحياة مفاخرا
17:21 بالرعالهم
17:24 وزهت بهم الأنا