ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 1 من 16
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (8) | شريح القاضي رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمهية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:31
شريح للقاضي
0:33
رحمه الله
0:41
ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
0:46
فرساً من رجل من الأعراب ونقده ثمنه
0:50
ثم امتطا صهوته ومضابه
0:53
لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلا
0:57
حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري
1:02
فانثنى به عائداً من حيث انطلق
1:05
وقال للرجل
1:07
خذ فرسك فإنه معطوب
1:10
فقال الرجل
1:12
لا آخذه يا أمير المؤمنين
1:15
وقد بعته منك سليماً صحيحا
1:18
فقال عمر
1:20
اجعل بيني وبينك حكما
1:23
فقال الرجل
1:24
يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي
1:28
فقال عمر رضيت به
1:31
احتكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
1:34
وصاحب الفرس إلى شريح
1:37
فلما سمع شريح مقالة الأعرابي
1:41
التفت إلى عمر بن الخطاب وقال
1:44
هل أخذت الفرس سليماً يا أمير المؤمنين
1:48
فقال عمر نعم
1:50
فقال شريح
1:52
احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين
1:55
أو ردك ما أخذت
1:58
فنظر عمر إلى شريح معجبا
2:01
وقال
2:02
وهل القضاء إلا هكذا
2:05
قول فصل وحكم عدل
2:08
سر إلى الكوفة
2:10
فقد وليتك قضاءها
2:14
لم يكن شريح بن الحارث يوم ولاه عمر القضاء
2:18
رجلاً مجهول المقام في المجتمع المدني
2:22
أو امرأً مغمور المنزلة بين أهل العلم وأصحاب الرأي
2:26
من جلة الصحابة وكبار التابعين
2:30
فقد كان أصحاب الفضل وأهل السابقة
2:34
يقدرون لشريح فطنته الحادة
2:37
وذكاءه الفذ
2:39
وخلقه الرفيع
2:41
وطول تجربته في الحياة وعمقها
2:44
فهو رجل يمني الموطن
2:47
كندي العشيرة
2:49
قضى شطرًا غير يسير من حياته في الجاهلية
2:53
فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الهداية
2:58
ونفذت أشعة الإسلام إلى أرض اليمن
3:02
كان شريح من أوائل المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم
3:08
المستجيبين لدعوة الهدى والحق
3:12
وكان عارفوا فضله ومقدروا شمائله ومزاياه
3:17
يأسون عليه أشد الأسا
3:20
ويتمنون أن لو أتيح له أن يفد على المدينة مبكرا
3:25
ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم
3:29
قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى
3:32
ولينهل من موارده الصافية المصفات مباشرة لا بالوساطة
3:38
ولكي يحظى بشرف الصحبة
3:41
بعد أن حضي بنعمة الإيمان
3:44
وذلك يجمع الخير من أطرافه
3:47
ولكنما قدر كان
3:52
ولم يكن الفاروق رضوان الله عليه
3:55
متعجلا حين عهد بمنصب من مناصب القضاء الكبرى لرجل من التابعين
4:02
على الرغم من أن سماء الإسلام كانت يومئذ
4:06
ما تزال تتألق بالنجوم الزهر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:13
فقد أثبتت الأيام صدق فراسة عمر
4:16
وصواب تدبيره
4:18
إذ ظل شريح يقضي بين المسلمين نحو من ستين عاما
4:23
متتابعة من غير انقطاع
4:26
وقد تعاقب على إقراره في منصبه كل من عمر وعثمان وعلي ومعاوية
4:34
رضوان الله عليهم أجمعين
4:37
كما أقره على ذلك من جاء بعد معاوية من خلفاء بني أمية
4:43
حتى طلب الرجل إعفاءه من منصبه إبان ولاية الحجاج
4:49
وكان قد بلغ السابعة بعد المائة من حياته المديدة الرشيدة
4:55
الحافلة بالمفاخر والمآثر
4:58
ولقد ازدان تاريخ القضاء في الإسلام ببدائع من مواقف شريح
5:04
وزهى بروائع من انصياع خاصة المسلمين وعامتهم لشرع الله
5:10
الذي يمثله شريح ونزولهم عند أحكامه
5:15
وامتلأت بطون الكتب بطرائف هذا الرجل الفذ وأخباره وأقواله وأفعاله
5:23
من ذلك أن عري بن أبي طالب رضي الله عنه
5:28
افتقد درعا له كانت أثيرة عنده غالية عليه
5:33
ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل من أهل الذمة يبيعها في سوق الكوفة
5:40
فلما رآها عرفها وقال
5:43
هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا وفي مكان كذا
5:50
فقال الذمي بل هي درعي وفي يدي يا أمير المؤمنين
5:56
فقال علي إنما هي درعي لم أبيعها من أحد
6:01
ولم أهبها لأحد حتى تصير إليك
6:05
فقال الذمي بيني وبينك قاضي المسلمين
6:10
فقال علي أنصفت فهلم إليه
6:14
ثم إنهما ذهب إلى شريح القاضي
6:18
فلما صار عنده في مجلس القضاء
6:23
رضي الله عنه ما تقول يا أمير المؤمنين
6:27
فقال لقد وجدت درعي هذه مع هذا الرجل
6:32
وقد سقطت مني في ليلة كذا وفي مكان كذا
6:36
وهي لم تصل إليه لا ببيع ولا هبه
6:40
فقال شريح للذمي
6:43
وما تقول أنت أيها الرجل
6:46
فقال الدرع درعي وهي في يدي
6:50
ولا أتهم أمير المؤمنين بالكذب
6:54
فالتفت شريح إلى علي وقال
6:57
لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين
7:03
وأن الدرع درعك
7:05
ولكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما دعيت
7:10
فقال علي نعم مولاي قمبر
7:14
وولد الحسن يشهدان لي
7:17
فقال شريح
7:19
ولكن شهادة لابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين
7:24
فقال علي يا سبحان الله
7:27
رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته
7:31
أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
7:36
الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
7:40
فقال شريح
7:42
بلى يا أمير المؤمنين
7:45
غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده
7:49
عند ذلك
7:51
التفت علي إلى الذمي وقال
7:54
خذها فليس عندي شاهد غيرهما
7:58
فقال الذمي
8:00
ولكني أشهد بأن الدرع لك يا أمير المؤمنين
8:04
ثم أردف قائلا
8:06
يا لله
8:08
أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه
8:12
وقاضيه يقضي لي عليه
8:14
أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق
8:18
وأشهد أن لا إله إلا الله
8:21
وأن محمدا عبده ورسوله
8:25
اعلم أيها القاضي
8:27
أن الدرع درع أمير المؤمنين
8:30
وأنني اتبعت الجيش وهو منطلق إلى صفين
8:34
فسقطت الدرع عن جمله الأورق
8:37
فآخذتها
8:39
فقال له علي رضي الله عنه
8:42
أما وإنك قد أسلمت
8:45
فإني وهبتها لك
8:47
ووهبت لك معها هذا الفرس أيضا
8:51
ولم يمضي على هذا الحادث زمن طويل
8:54
حتى شوهد الرجل يقاتل الخوارج تحت راية علي
8:59
في يوم النهروان
9:01
ويمعن في القتال
9:03
حتى كتبت له الشهادة
9:08
ومن روائع شريح أيضا
9:10
أن ابنه قال له يوما
9:13
يا أبتي
9:14
إن بيني وبين قوم خصومة
9:17
فانظر فيها
9:19
فإن كان الحق لي قاضيتهم
9:22
وإن كان لهم صالحتهم
9:25
ثم قص عليه قصته
9:27
فقال له انطلق فقاضهم
9:31
فمضى إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة
9:35
فاستجابوا له
9:37
ولما مثلوا بين يدي شريح
9:39
قضا لهم على ولده
9:42
فلما رجع شريح وبنه إلى البيت
9:45
قال الولد لأبيه
9:47
فضحتني يا أبتي
9:49
والله لو لم أستشرك من قبل
9:52
لما لمتك
9:53
فقال شريح
9:55
يا ابني
9:56
والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم
10:01
ولكن الله عز وجل
10:03
أعز علي منك
10:05
لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم
10:09
فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم
10:13
فقلت لك ما قلت
10:17
وقد كفل ولد لشريح رجلا
10:20
فقبل كفالته
10:22
فما كان من الرجل
10:24
إلا أن فرى هاربا من يد القضاء
10:27
فسجن شريح ولده بالرجل الفار
10:31
وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن
10:37
وكانت الشكوك تساور شريحا
10:40
أحيانا في بعض الشهود
10:42
غير أنه لا يجد سبيلا لدفع شهادتهم
10:46
لما توافر لهم من شروط العدالة
10:49
فكان يقول لهم قبل أن يدلوا بشهادتهم
10:53
إسمعوا مني هداكم الله
10:56
إنما يقضي على هذا الرجل أنتم
11:00
وإني لأتقي النار بكم
11:03
وأنتم باتقائها أولا
11:06
إن في وسعكم الآن أن تدعوا الشهادة وتمضوا
11:10
فإذا أصروا على الشهادة
11:13
التفت إلى الذين يشهدون له وقال
11:16
إعلم يا هدا
11:18
أنني أقضي لك بشهادتهم
11:21
وإني لأرى أنك ظالم
11:24
ولكني لست أقضي بالظن
11:27
وإنما أقضي بشهادة الشهود
11:30
وإن قضائي ما يحل لك شيئا حرمه الله عليك
11:35
وكان الشعار الذي يردده شريح في مجالس قضائه قولة
11:40
غدا سيعلم الظالم من الخاسر
11:43
إن الظالم ينتظر العقاب
11:46
وإن المظلوم ينتظر النصفة
11:49
وإني أحلف بالله
11:52
أنه ما من أحد ترك شيئا لله عز وجل
11:56
ثم أحس بفقده
11:59
ولم يكن شريح ناصحا لله
12:03
ولرسوله ولكتابه فحسب
12:06
وإنما كان ناصحا لعامة المسلمين وخاصتهم أيضا
12:11
روا أحدهم قال
12:14
سمعني شريح وأنا أشتكي بعض ما غمني لصديق
12:19
فأخذني من يدي وانتحى بجانبا وقال
12:24
يا ابن أخي
12:26
إياك والشكوى لغير الله عز وجل
12:29
فإن من تشكو إليه
12:31
لا يخلو أن يكون صديقا أو عدوا
12:35
فأما الصديق فتحزنه
12:37
وأما العدو فيشمت بك
12:40
ثم قال
12:42
أنظر إلى عيني هذه
12:44
وأشار إلى إحدى عيني
12:47
فوالله ما أبصرت بها شخصا ولا طريقا منذ خمس عشرة سنة
12:53
ولكني ما أخبرت أحدا بذلك
12:56
إلا أنت في هذه الساعة
12:59
أما سمعت قول العبد الصالح
13:02
إنما أشكو بثي وحزني إلى الله
13:06
فاجعل الله عز وجل مشكاك ومحزنك عند كل نائبة تنوبك
13:12
فإنه أكرم مسؤول وأقرب مدعو
13:16
وقد رآ ذات يوم رجلا يسأل آخر شيئا
13:20
فقال له
13:21
يا ابن أخي
13:23
من سأل إنسانا حاجة
13:25
فقد عرض نفسه على الرق
13:28
فإن قضاها له المسؤول
13:31
فقد استعبده بها
13:33
وإن رده عنها
13:35
رجع كلاهما ذليلا
13:37
هذا بذل البخل
13:39
وذاك بذل الرد
13:42
فإذا سألت فاسأل الله
13:44
وأذا استعنت فاستعن بالله
13:47
واعلم أنه لا حول ولا قوة ولا عون إلا بالله
13:53
وقد وقع بالكوفة طاعون
13:58
فخرج صديق لشريح منها إلى النجف
14:01
يبتغي المهرب من الوباء
14:04
فكتب إليه شريح
14:06
أما بعد
14:08
فإن الموضع الذي تركته لا يقرب حمامك
14:12
ولا يسلب منك أيامك
14:14
وإن الموضع الذي صرت إليه
14:17
في قبضة من لا يعجزه طلب
14:20
ولا يفوته هرب
14:22
وإنا وإياك لعلا بساط ملك واحد
14:26
وإن النجف من ذي قدرة لقريب
14:30
وكان شريح إلى ذلك كله
14:34
شاعرا قريب المأخذ
14:36
حلو الأداء طريف الموضوعات
14:40
روي عنه أنه كان له صبي في نحو العاشرة من عمره
14:45
وكان الصبي مؤثرا له مولعا باللعب
14:49
فافتقده ذات يوم
14:52
فإذا هو قد ترك الكتاب
14:54
ومضى يتفرج على الكلاب
14:57
فلما عاد إلى المنزل سأله أصليت
15:01
فقال لا
15:02
فدعى بقرطاس وقلم
15:05
وكتب إلى مؤد به يقول
15:08
ترك الصلاة لأكلوب يسعى لها
15:11
يبغي الهراش مع الغوات الرجس
15:15
فليأتي أنك غدوة بصحيفة
15:18
كتبت له كصحيفة المتلمس
15:22
فإذا أتاك فداوه بملامة
15:26
أوعظه موعظة الأديب الكيس
15:30
وأذا هممت بضربه فبدرة
15:33
وأذا بلغت ثلاثة لك فحبس
15:37
واعلم بأنك ما أتيت فنفسه
15:41
مع ما يجرعني أعز الأنفس
15:44
رضي الله عن الفاروق
15:49
فقد زان مفرق القضاء في الإسلام
15:52
بلؤلؤة كريمة الأعراق
15:55
صافية الجوهر
15:58
رائعة المجتلى
16:01
وحب المسلمين مصباحا منيرا
16:04
ما زالوا حتى اليوم يستضيئون
16:07
بسنافقه لشرع الله
16:10
ويهتدون بنور فهمه لسنة رسول الله
16:13
ويباهون به الأمم يوم القيامة
16:16
ورحم الله شريحا القاضي
16:19
فقد أقام العدل بين الناس ستين عاما
16:22
فما حاف على أحد
16:25
ولا حاد عن حق
16:28
ولا ميز بين ملك وسوقه
16:31
قيل لشريح
16:36
بأي شيء أصبت هذا العلم
16:40
فقال بمذاكرة العلماء
16:43
آخذ منهم وأعطيهم
16:46
سفيان الأوسي
16:54
حيث إذا سعى أو قال
16:57
كانوا هنا
17:00
يسقون غيم حياتنا
17:03
فمو وفينا
17:06
ذكرهم يتعالى
17:09
رحلوا وألقوا في الضمير سؤالا
17:12
هل مثلهم
17:15
نجم سما وتلالا
17:18
ملأوا الحياة مفاخرا
17:21
بالرعالهم
17:24
وزهت بهم الأنا