ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 2 من 16
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (9) | محمد بن سيرين رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفا ومثالا
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
محمد بن سيرين
0:32
رحمه الله
0:42
عزم سيرين على أن يستكمل شطر دينه
0:45
بعد أن حرر أنس بن مالك رضي الله عنه رقبته
0:50
وبعد أن غدت حرفته تدر عليه الربح الوفير والخير الكثير
0:56
فقد كان نحاسا ماهرا يتقن صناعة القدور
1:01
وقد وقع اختياره على مولاة لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه
1:08
تدعى صفية لتكون زوجة له
1:13
كانت صفية جارية في بواكير الشباب
1:17
وضيأة الوجه ذكية الفؤاد
1:20
كريمة الشماء لنبيلة الخصائل
1:23
محببة إلى كل من عرفها من نساء المدينة
1:28
لا فرق في ذلك بين الشواب اللواتي تربطهن بها وشائج اليفاعة
1:34
وبين المسنات اللواتي كن يرينها صنوى لهن في رجاحة العقل ورصانة السلوك
1:42
وكانت أشد النساء حبا لها زوجات الرسول صلوات الله وسلامه عليه
1:49
ولا سيم السيدة عائشة رضي الله عنها
1:53
تقدم سيرين إلى أمير المؤمنين
1:58
فخطب منه مولاته صفية
2:01
فبادر الصديق رضي الله عنه إلى البحث عن دين الخاطب وخلقه
2:06
كما يبادر الأب الشفيق الحاني للبحث عن حال خاطب بنته
2:12
ولا غروا فقد كانت صفية تحتل من نفس أبي بكر منزلة الولد من أبيه
2:20
ثم إنها بعد ذلك كله أمانة أو دعها الله في عنقه
2:26
فمضى يستقصي أحوال سيرين أشد الاستقصى
2:30
ويتتبع سيرته أدق التتبع
2:34
وكان في طليعة من سألهم عنه أنس بن مالك رضي الله عنه
2:40
فقال له أنس زوجها منه يا أمير المؤمنين
2:45
ولا تخشى عليها بأسا
2:48
فما عرفته إلا صحيح الدين رضي الخلق موفور المروأة
2:54
ولقد ارتبطت أسبابه بأسبابي منذ سباه خالد بن الوليد
2:59
في معركة عين التمر مع أربعين غلاما وجاء بهم إلى المدينة
3:06
فكان سيرين من نصيبي وكنت محظوظا به
3:11
وافق الصديق رضي الله عنه على تزويج صفية من سيرين
3:16
وعزم على أن يبرها كما يبر الأب الشفيق ابنته الأثيرة
3:22
وأقام لإملاكها حفلاً قل ما ظفرت بمثله فتاة من فتيات المدينة
3:29
فقد شهد إملاكها طائفة كبيرة من كرام الصحابة
3:35
وكان فيهم ثمانية عشر بدريا
3:39
ودعا لها كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب
3:45
وأمن على دعائه الحاضرون
3:48
وطيبتها وزينتها ثلاث من أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم حين زفت إلى زوجها
3:57
وقد كان من ثمرات هذا الزواج المبارك الرزق الأبوان غلاما
4:03
غدا بعد عقدين من الزمان علماً من أعلام التابعين
4:09
ورجلاً من أفذاذ المسلمين هو محمد بن سيرين
4:14
فتعالوا نبدأ قصة حياة هذا التابعي الجليل من أولها
4:21
ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه
4:30
وربيا في بيت يتضوع الورع والتقى من كل ركن من أركانه
4:36
ولما أيفع الغلام الأريب اللبيب
4:39
وجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:43
يزخر بالبقية الباقية من كرام الصحابة وكبار التابعين
4:49
من أمثال زيد بن ثابت وأنس بن مالك وعمران بن الحسين
4:55
وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين
5:05
فأقبل عليهم إقبال الظامئ على المورد العذ
5:09
ونهل من علمهم بكتاب الله وفقههم بدين الله
5:14
وروايتهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
5:19
ما أفعم عقله حكمة وعلم
5:22
وأترع نفسه صلاحا وهديا
5:25
ثم انتقلت الأسرة مع فتاها الفذ إلى البصرة
5:30
واتخذتها لها موطنا
5:34
كانت البصرة يومئذ مدينة شابة بكرا
5:38
فقد اختطها المسلمون في أواخر خلافة الفاروق رضي الله عنه
5:44
وكانت تمثل جل خصائص الأمة الإسلامية في ذلك العصر
5:50
فهي قاعدة عسكرية لجيوش المسلمين الغازية في سبيل الله
5:56
وهي مركز من مراكز التعليم والتوجيه للداخلين في دين الله من أهل العراق وفارس
6:04
وهي صورة للمجتمع الإسلامي الجاد الذي يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا
6:12
ويعمل لأخراه كأنه يموت غدا
6:16
سلك محمد بن سيرين في حياته الجديدة في البصرة طريقين متوازين متوازنين
6:25
فجعل شطرا من يومه للعلم والعبادة
6:29
وشطرا آخر للكسب والتجارة
6:32
فكان إذاً بلج الفجر وأشرقت الدنيا بنور ربها
6:37
غدا إلى مسجد البصرة يعلم ويتعلم
6:41
حتى إذا ارتفع النهار مضى من المسجد إلى السوق يبيع ويشتري
6:47
فإذا جاء الليل وأرخى على الكون سدولة
6:52
صف في محراب بيته وانحنى على أجزاء القرآن بصلبه
6:58
وبكى من خشية الرحمن بدموع عينيه وقلبه
7:03
حتى يشفق عليه أهله وجيرانه الأدنون
7:07
لما يسمعونه من نحيبه الذي يقطع نياط القلوب
7:12
وكان وهو يطوف بالسوق في النهار للبيع والشراء
7:18
لا يفتأو يذكر الناس بالآخرة ويبصرهم بالدنيا
7:23
ويرشدهم إلى ما يقربهم إلى الله
7:26
ويفصل فيما يشجر بينهم من خلاف
7:29
وكان يطرفهم بين الحين والحين بالملحة
7:33
التي تمسح الهم عن نفوسهم المكدودة
7:37
من غير أن ينقص ذلك من هيبته ووقاره عندهم شيئا
7:42
فقد وهبه الله جل وعز هديا وسمتا
7:47
ومنحه قبولا وتأثيرا
7:50
فكان الناس إذا رأوه في السوق وهم غارقون غافلون
7:55
انتبهوا فذكروا الله عز وجل وهللوا وكبروا
8:00
وكانت سيرته العملية خير مرشد للناس
8:05
فما عرض له أمران في تجارته
8:08
إلا أخذ بأوثقهما في دينه
8:11
ولو كانت فيه خسارة تصيب دنيا
8:15
وكانت دقة فهمه لأسرار الدين
8:19
وصحة نظرته إلى ما يحل وما لا يحل
8:23
تدفعه أحيانا إلى بعض المواقف التي تبدو غريبة لعيون الناس
8:29
من ذلك أن رجلا ادعى عليه كذبا أن له في ذمته درهمين
8:36
فأبا أن يعطيه إياهما
8:39
فقال له الرجل أتحلف
8:42
وهو يظن أنه لا يحلف من أجل درهمين
8:46
فقال نعم وحلف له
8:51
فقال له الناس
8:53
يا أبا بكر أتحلف من أجل درهمين
8:57
وأنت الذي تركت أمس أربعين ألف درهم في شيء رابك
9:02
مما لا يرتاب فيه أحد غيرك
9:05
فقال نعم أحلف
9:08
فإني لا أريد أن أطعمه حراما
9:11
وأنا أعلم أنه حرام
9:15
وكان مجلس بن سيرين
9:17
مجلس خير وبر وموعظة
9:20
فإذا ذكر عنده رجل بسيئة
9:23
بادر فذكره بأحسن ما يعلم من أمره
9:27
بل إنه سمع أحدهم يسب الحجاج بعد وفاته
9:32
فأقبل عليه وقال
9:34
صه يا ابن أخي
9:36
فإن الحجاج مضى إلى ربه
9:39
وإنك حين تقدم على الله جل وعز
9:42
ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا
9:46
أشد على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج
9:51
فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه
9:55
وعلم يا ابن أخي
9:57
أن الله جل وعز
9:59
سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم
10:02
كما سيقتص للحجاج ممن يظلمونه
10:06
فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد
10:10
وكان إذا جاءه رجل مودعا في سفر لتجارة
10:15
قال له
10:16
يا ابن أخي
10:18
اتق الله عز وجل
10:20
وطلب ما قدر لك من طريق حلال
10:24
وعلم أنك إن تطلبه من غير حله
10:27
لم تصب أكثر مما قدر لك
10:30
ولقد كانت لمحمد بن سيرين
10:34
معولات بني أمية مواقف مشهودة
10:38
صدع فيها بكلمة الحق
10:40
وأخلص النصح لله ولرسوله
10:43
ولأئمة المسلمين
10:45
من ذلك أن عمر بن هبيرة الفزاري
10:49
رجل بني أمية الكبير
10:51
وواليهم على العراقين
10:53
بعث إليه يدعوه إلى زيارته
10:57
فمضى إليه ومعه ابن أخي
11:00
فلما قدم عليه
11:02
رحب به الوالي وأكرم وفادته
11:05
ورفع مجلسة
11:07
وسأله عن كثير من شؤون الدين والدنيا
11:11
ثم قال له
11:13
كيف تركت أهل مصرك يا أبا بكر
11:16
فقال
11:18
تركتهم والظلم فيهم فاش
11:20
وأنت عنهم لاه
11:22
فغمزه ابن أخيه بمنك به
11:25
فالتفت إليه وقال
11:27
إنك لست الذي تسأل عنهم
11:30
وإنما أنا الذي أسأل
11:33
وإنها لشهادة
11:35
ومن يكتمها فإنه آثم قلبه
11:39
ولما انفض المجلس
11:41
وادعه عمر بن هبيرة
11:43
بمثل ما استقبله به من حفاوة وإجلال
11:47
وبعث إليه بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار
11:51
فلم يأخذها
11:53
فقال له ابن أخيه
11:55
ما يمنعك أن تقبل هبة الأمير
11:58
فقال
12:00
إنما أعطاني لخير ظنه بي
12:03
فإن كنت من أهل الخير كما ظن
12:06
فما ينبغي لي أن أقبل
12:09
وإن لم أكن كما ظن
12:11
فأحرى بي أن لا أستبيح قبول ذلك
12:16
ولقد شاء الله جل وعز
12:19
أن يبلو صدق محمد بن سيرين وصبره
12:23
فعرضه لما يتعرض له المؤمنون من المحن
12:27
من ذلك
12:29
أنه اشترى ذات مرة زيتا بأربعين ألفا مؤجلة
12:34
فلما فتح أحد زقاق الزيت
12:37
وجد فيه فأرا ميتا متفسخا
12:40
فقال في نفسه
12:42
إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد
12:47
وإن النجاسة ليست خاصة بهذا الزق دون سواه
12:52
وإني إن ردته للبائع بالعيب
12:55
فربما باعه للناس
12:58
ثم أراقه كله
13:01
وقد وقع ذلك في وقت
13:03
كان يشكو فيه من خسارة كبيرة حلت به
13:07
فركبه الدين
13:09
وطالبه صاحب الزيت بماله
13:12
فلم يستطع سداده
13:14
فرفع أمره إلى الوالي
13:16
فأمر بحبسه حتى يسدد ما علي
13:20
فلما صار في السجن
13:22
وطال مكوثه فيه
13:24
أشفق عليه السجان لما علم من أمر دينه
13:28
وما رأى من شدة ورعه وطول عبادته
13:32
فقال له أيها الشيخ
13:35
إذا كان الليل
13:37
فاذهب إلى أهلك وبت معهم
13:40
فإذا أصبحت فعد إلي
13:42
واستمر على ذلك حتى يطلق سراحك
13:46
فقال له لا والله لا أفعل
13:51
فقال السجان
13:53
ولما هداك الله
13:55
فقال له حتى لا أعاونك على خيانة ولي الأمر
14:01
ولما احتضر أنس بن مالك رضي الله عنه
14:06
أوصى بأن يغسله محمد بن سيرين ويصلي عليه
14:10
وكان ما يزال سجينا
14:13
فلما توفي جاء الناس إلى الوالي
14:17
وأخبروه بوصية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه
14:23
واستأذنوه في أن يخلي سبيل محمد بن سيرين لإنفاذ الوصية
14:29
فأذن له
14:31
فقال لهم محمد بن سيرين
14:33
لا أخرج حتى تستأذنوا صاحب الدين
14:37
فإنما حبست بما له علي من الحق
14:41
فأذن له الدائن أيضا
14:43
عند ذلك خرج من سجنه
14:46
فغسل أنسا وكفنه وصلى عليه
14:50
ثم رجع إلى السجن كما هو
14:53
ولم يذهب لرؤية أهله
14:55
عمر محمد بن سيرين حتى بلغ السابعة والسبعين
15:01
فلما أتاه اليقين
15:03
وجده خفيف الحمل من أعباء الدنيا
15:07
كثير الزاد لما بعد الموت
15:10
حدثت حفصة بنت راشد
15:13
وكانت من العابدات فقالت
15:16
كان مروان المحملي لنا جارا
15:19
وكان ناصبا في العبادة مجتهدا في الطاعة
15:23
فلما مات
15:25
حزنا عليه حزنا شديدا
15:28
فرأيته في المنام
15:30
فقلت يا أبا عبد الله
15:33
ما صنع بك ربك
15:35
فقال أدخلني الجنة
15:38
قلت ثم ماذا
15:40
فقال ثم رفعت إلى أصحاب اليمين
15:44
قلت ثم ماذا
15:46
قال ثم رفعت إلى المقربين
15:50
قلت فمن رأيت هناك
15:53
قال الحسن البصري
15:56
و محمد بن سيرين
16:03
ما رأيت رجلا أفقه في ورعه
16:06
ولا أورع في فقه
16:08
من محمد بن سيرين
16:11
مورق للعجلي
16:29
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
16:34
هل مثلهم نجم سما وتلالا
16:39
ملأوا الحياة مفاخرا بالثعلهم
16:44
وزهت بهم دنيا الأناة