صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (9) | محمد بن سيرين رحمه الله

◉ 0 مشاهدة ⏱ 17:01 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفا ومثالا
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 محمد بن سيرين
0:32 رحمه الله
0:42 عزم سيرين على أن يستكمل شطر دينه
0:45 بعد أن حرر أنس بن مالك رضي الله عنه رقبته
0:50 وبعد أن غدت حرفته تدر عليه الربح الوفير والخير الكثير
0:56 فقد كان نحاسا ماهرا يتقن صناعة القدور
1:01 وقد وقع اختياره على مولاة لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه
1:08 تدعى صفية لتكون زوجة له
1:13 كانت صفية جارية في بواكير الشباب
1:17 وضيأة الوجه ذكية الفؤاد
1:20 كريمة الشماء لنبيلة الخصائل
1:23 محببة إلى كل من عرفها من نساء المدينة
1:28 لا فرق في ذلك بين الشواب اللواتي تربطهن بها وشائج اليفاعة
1:34 وبين المسنات اللواتي كن يرينها صنوى لهن في رجاحة العقل ورصانة السلوك
1:42 وكانت أشد النساء حبا لها زوجات الرسول صلوات الله وسلامه عليه
1:49 ولا سيم السيدة عائشة رضي الله عنها
1:53 تقدم سيرين إلى أمير المؤمنين
1:58 فخطب منه مولاته صفية
2:01 فبادر الصديق رضي الله عنه إلى البحث عن دين الخاطب وخلقه
2:06 كما يبادر الأب الشفيق الحاني للبحث عن حال خاطب بنته
2:12 ولا غروا فقد كانت صفية تحتل من نفس أبي بكر منزلة الولد من أبيه
2:20 ثم إنها بعد ذلك كله أمانة أو دعها الله في عنقه
2:26 فمضى يستقصي أحوال سيرين أشد الاستقصى
2:30 ويتتبع سيرته أدق التتبع
2:34 وكان في طليعة من سألهم عنه أنس بن مالك رضي الله عنه
2:40 فقال له أنس زوجها منه يا أمير المؤمنين
2:45 ولا تخشى عليها بأسا
2:48 فما عرفته إلا صحيح الدين رضي الخلق موفور المروأة
2:54 ولقد ارتبطت أسبابه بأسبابي منذ سباه خالد بن الوليد
2:59 في معركة عين التمر مع أربعين غلاما وجاء بهم إلى المدينة
3:06 فكان سيرين من نصيبي وكنت محظوظا به
3:11 وافق الصديق رضي الله عنه على تزويج صفية من سيرين
3:16 وعزم على أن يبرها كما يبر الأب الشفيق ابنته الأثيرة
3:22 وأقام لإملاكها حفلاً قل ما ظفرت بمثله فتاة من فتيات المدينة
3:29 فقد شهد إملاكها طائفة كبيرة من كرام الصحابة
3:35 وكان فيهم ثمانية عشر بدريا
3:39 ودعا لها كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب
3:45 وأمن على دعائه الحاضرون
3:48 وطيبتها وزينتها ثلاث من أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم حين زفت إلى زوجها
3:57 وقد كان من ثمرات هذا الزواج المبارك الرزق الأبوان غلاما
4:03 غدا بعد عقدين من الزمان علماً من أعلام التابعين
4:09 ورجلاً من أفذاذ المسلمين هو محمد بن سيرين
4:14 فتعالوا نبدأ قصة حياة هذا التابعي الجليل من أولها
4:21 ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه
4:30 وربيا في بيت يتضوع الورع والتقى من كل ركن من أركانه
4:36 ولما أيفع الغلام الأريب اللبيب
4:39 وجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:43 يزخر بالبقية الباقية من كرام الصحابة وكبار التابعين
4:49 من أمثال زيد بن ثابت وأنس بن مالك وعمران بن الحسين
4:55 وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين
5:05 فأقبل عليهم إقبال الظامئ على المورد العذ
5:09 ونهل من علمهم بكتاب الله وفقههم بدين الله
5:14 وروايتهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
5:19 ما أفعم عقله حكمة وعلم
5:22 وأترع نفسه صلاحا وهديا
5:25 ثم انتقلت الأسرة مع فتاها الفذ إلى البصرة
5:30 واتخذتها لها موطنا
5:34 كانت البصرة يومئذ مدينة شابة بكرا
5:38 فقد اختطها المسلمون في أواخر خلافة الفاروق رضي الله عنه
5:44 وكانت تمثل جل خصائص الأمة الإسلامية في ذلك العصر
5:50 فهي قاعدة عسكرية لجيوش المسلمين الغازية في سبيل الله
5:56 وهي مركز من مراكز التعليم والتوجيه للداخلين في دين الله من أهل العراق وفارس
6:04 وهي صورة للمجتمع الإسلامي الجاد الذي يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا
6:12 ويعمل لأخراه كأنه يموت غدا
6:16 سلك محمد بن سيرين في حياته الجديدة في البصرة طريقين متوازين متوازنين
6:25 فجعل شطرا من يومه للعلم والعبادة
6:29 وشطرا آخر للكسب والتجارة
6:32 فكان إذاً بلج الفجر وأشرقت الدنيا بنور ربها
6:37 غدا إلى مسجد البصرة يعلم ويتعلم
6:41 حتى إذا ارتفع النهار مضى من المسجد إلى السوق يبيع ويشتري
6:47 فإذا جاء الليل وأرخى على الكون سدولة
6:52 صف في محراب بيته وانحنى على أجزاء القرآن بصلبه
6:58 وبكى من خشية الرحمن بدموع عينيه وقلبه
7:03 حتى يشفق عليه أهله وجيرانه الأدنون
7:07 لما يسمعونه من نحيبه الذي يقطع نياط القلوب
7:12 وكان وهو يطوف بالسوق في النهار للبيع والشراء
7:18 لا يفتأو يذكر الناس بالآخرة ويبصرهم بالدنيا
7:23 ويرشدهم إلى ما يقربهم إلى الله
7:26 ويفصل فيما يشجر بينهم من خلاف
7:29 وكان يطرفهم بين الحين والحين بالملحة
7:33 التي تمسح الهم عن نفوسهم المكدودة
7:37 من غير أن ينقص ذلك من هيبته ووقاره عندهم شيئا
7:42 فقد وهبه الله جل وعز هديا وسمتا
7:47 ومنحه قبولا وتأثيرا
7:50 فكان الناس إذا رأوه في السوق وهم غارقون غافلون
7:55 انتبهوا فذكروا الله عز وجل وهللوا وكبروا
8:00 وكانت سيرته العملية خير مرشد للناس
8:05 فما عرض له أمران في تجارته
8:08 إلا أخذ بأوثقهما في دينه
8:11 ولو كانت فيه خسارة تصيب دنيا
8:15 وكانت دقة فهمه لأسرار الدين
8:19 وصحة نظرته إلى ما يحل وما لا يحل
8:23 تدفعه أحيانا إلى بعض المواقف التي تبدو غريبة لعيون الناس
8:29 من ذلك أن رجلا ادعى عليه كذبا أن له في ذمته درهمين
8:36 فأبا أن يعطيه إياهما
8:39 فقال له الرجل أتحلف
8:42 وهو يظن أنه لا يحلف من أجل درهمين
8:46 فقال نعم وحلف له
8:51 فقال له الناس
8:53 يا أبا بكر أتحلف من أجل درهمين
8:57 وأنت الذي تركت أمس أربعين ألف درهم في شيء رابك
9:02 مما لا يرتاب فيه أحد غيرك
9:05 فقال نعم أحلف
9:08 فإني لا أريد أن أطعمه حراما
9:11 وأنا أعلم أنه حرام
9:15 وكان مجلس بن سيرين
9:17 مجلس خير وبر وموعظة
9:20 فإذا ذكر عنده رجل بسيئة
9:23 بادر فذكره بأحسن ما يعلم من أمره
9:27 بل إنه سمع أحدهم يسب الحجاج بعد وفاته
9:32 فأقبل عليه وقال
9:34 صه يا ابن أخي
9:36 فإن الحجاج مضى إلى ربه
9:39 وإنك حين تقدم على الله جل وعز
9:42 ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا
9:46 أشد على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج
9:51 فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه
9:55 وعلم يا ابن أخي
9:57 أن الله جل وعز
9:59 سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم
10:02 كما سيقتص للحجاج ممن يظلمونه
10:06 فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد
10:10 وكان إذا جاءه رجل مودعا في سفر لتجارة
10:15 قال له
10:16 يا ابن أخي
10:18 اتق الله عز وجل
10:20 وطلب ما قدر لك من طريق حلال
10:24 وعلم أنك إن تطلبه من غير حله
10:27 لم تصب أكثر مما قدر لك
10:30 ولقد كانت لمحمد بن سيرين
10:34 معولات بني أمية مواقف مشهودة
10:38 صدع فيها بكلمة الحق
10:40 وأخلص النصح لله ولرسوله
10:43 ولأئمة المسلمين
10:45 من ذلك أن عمر بن هبيرة الفزاري
10:49 رجل بني أمية الكبير
10:51 وواليهم على العراقين
10:53 بعث إليه يدعوه إلى زيارته
10:57 فمضى إليه ومعه ابن أخي
11:00 فلما قدم عليه
11:02 رحب به الوالي وأكرم وفادته
11:05 ورفع مجلسة
11:07 وسأله عن كثير من شؤون الدين والدنيا
11:11 ثم قال له
11:13 كيف تركت أهل مصرك يا أبا بكر
11:16 فقال
11:18 تركتهم والظلم فيهم فاش
11:20 وأنت عنهم لاه
11:22 فغمزه ابن أخيه بمنك به
11:25 فالتفت إليه وقال
11:27 إنك لست الذي تسأل عنهم
11:30 وإنما أنا الذي أسأل
11:33 وإنها لشهادة
11:35 ومن يكتمها فإنه آثم قلبه
11:39 ولما انفض المجلس
11:41 وادعه عمر بن هبيرة
11:43 بمثل ما استقبله به من حفاوة وإجلال
11:47 وبعث إليه بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار
11:51 فلم يأخذها
11:53 فقال له ابن أخيه
11:55 ما يمنعك أن تقبل هبة الأمير
11:58 فقال
12:00 إنما أعطاني لخير ظنه بي
12:03 فإن كنت من أهل الخير كما ظن
12:06 فما ينبغي لي أن أقبل
12:09 وإن لم أكن كما ظن
12:11 فأحرى بي أن لا أستبيح قبول ذلك
12:16 ولقد شاء الله جل وعز
12:19 أن يبلو صدق محمد بن سيرين وصبره
12:23 فعرضه لما يتعرض له المؤمنون من المحن
12:27 من ذلك
12:29 أنه اشترى ذات مرة زيتا بأربعين ألفا مؤجلة
12:34 فلما فتح أحد زقاق الزيت
12:37 وجد فيه فأرا ميتا متفسخا
12:40 فقال في نفسه
12:42 إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد
12:47 وإن النجاسة ليست خاصة بهذا الزق دون سواه
12:52 وإني إن ردته للبائع بالعيب
12:55 فربما باعه للناس
12:58 ثم أراقه كله
13:01 وقد وقع ذلك في وقت
13:03 كان يشكو فيه من خسارة كبيرة حلت به
13:07 فركبه الدين
13:09 وطالبه صاحب الزيت بماله
13:12 فلم يستطع سداده
13:14 فرفع أمره إلى الوالي
13:16 فأمر بحبسه حتى يسدد ما علي
13:20 فلما صار في السجن
13:22 وطال مكوثه فيه
13:24 أشفق عليه السجان لما علم من أمر دينه
13:28 وما رأى من شدة ورعه وطول عبادته
13:32 فقال له أيها الشيخ
13:35 إذا كان الليل
13:37 فاذهب إلى أهلك وبت معهم
13:40 فإذا أصبحت فعد إلي
13:42 واستمر على ذلك حتى يطلق سراحك
13:46 فقال له لا والله لا أفعل
13:51 فقال السجان
13:53 ولما هداك الله
13:55 فقال له حتى لا أعاونك على خيانة ولي الأمر
14:01 ولما احتضر أنس بن مالك رضي الله عنه
14:06 أوصى بأن يغسله محمد بن سيرين ويصلي عليه
14:10 وكان ما يزال سجينا
14:13 فلما توفي جاء الناس إلى الوالي
14:17 وأخبروه بوصية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه
14:23 واستأذنوه في أن يخلي سبيل محمد بن سيرين لإنفاذ الوصية
14:29 فأذن له
14:31 فقال لهم محمد بن سيرين
14:33 لا أخرج حتى تستأذنوا صاحب الدين
14:37 فإنما حبست بما له علي من الحق
14:41 فأذن له الدائن أيضا
14:43 عند ذلك خرج من سجنه
14:46 فغسل أنسا وكفنه وصلى عليه
14:50 ثم رجع إلى السجن كما هو
14:53 ولم يذهب لرؤية أهله
14:55 عمر محمد بن سيرين حتى بلغ السابعة والسبعين
15:01 فلما أتاه اليقين
15:03 وجده خفيف الحمل من أعباء الدنيا
15:07 كثير الزاد لما بعد الموت
15:10 حدثت حفصة بنت راشد
15:13 وكانت من العابدات فقالت
15:16 كان مروان المحملي لنا جارا
15:19 وكان ناصبا في العبادة مجتهدا في الطاعة
15:23 فلما مات
15:25 حزنا عليه حزنا شديدا
15:28 فرأيته في المنام
15:30 فقلت يا أبا عبد الله
15:33 ما صنع بك ربك
15:35 فقال أدخلني الجنة
15:38 قلت ثم ماذا
15:40 فقال ثم رفعت إلى أصحاب اليمين
15:44 قلت ثم ماذا
15:46 قال ثم رفعت إلى المقربين
15:50 قلت فمن رأيت هناك
15:53 قال الحسن البصري
15:56 و محمد بن سيرين
16:03 ما رأيت رجلا أفقه في ورعه
16:06 ولا أورع في فقه
16:08 من محمد بن سيرين
16:11 مورق للعجلي
16:29 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
16:34 هل مثلهم نجم سما وتلالا
16:39 ملأوا الحياة مفاخرا بالثعلهم
16:44 وزهت بهم دنيا الأناة