صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (36) | أبو حنيفة النعمان رحمه الله | ج (1)

صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (36) | أبو حنيفة النعمان رحمه الله | ج (1)

◉ 7291 مشاهدة ⏱ 15:07 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالاً
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 أبو حنيفة النعمان
0:32 رحمه الله
0:42 كان حسن الوجه وسيم الطلعة
0:44 عذب المنطق حلو الحديث
0:47 ليس بالطويل البائن
0:49 ولا بالقصير الذي تنبو عنه العيون
0:53 وهو إلى ذلك لباس أنيق الثياب
0:58 بهي الطلعة كثير التعطر
1:01 إذا طلع على الناس
1:03 عرفوه من طيبه قبل أن يروه
1:06 ذلكم هو النعمان بن ثابت بن المرزبان
1:10 المكنا بأبي حنيفة
1:13 أول من فاتق أكمام الفق
1:16 واستخرج أرعما فيها من طيوب
1:21 أدرك أبو حنيفة طرفاً من آخر عصر بني أمية
1:26 آخر من أول عصر بني العباس
1:29 وعاش في زمن أغدق فيه الخلفاء والولاة
1:33 على أصحاب المواهب إغداقا
1:36 حتى صار رزقهم يأتيهم رغداً من كل مكان
1:40 وهم لا يشعرون
1:42 بيد أن أبا حنيفة أكرم علمه ونفسه عن ذلك
1:47 وحزم أمره على أن يأكل من كسب يمينه
1:51 وأن تكون يده هي العليا دائما
1:55 فقال المنصور ذات مرة إلى زيارته
1:58 فلما صار عنده
2:00 بالغ في إعظامه وإكرامه والترحيب به
2:04 وأدنى مجلسه منه
2:06 وجعل يسائله عن كثير من شؤون الدين والدنيا
2:11 فلما أراد لانصراف
2:14 دفع إليه بكيس فيه ثلاثون ألف درهم
2:18 على ما كان معروفاً من إمساك المنصور
2:22 فقال له أبو حنيفة
2:24 يا أمير المؤمنين
2:26 إني غريب في بغداد
2:29 وليس لهذا المال موضع عندي
2:32 وإني لأخشى عليه
2:34 فحفظه لي في بيت المال
2:37 حتى إذا احتجته طلبته منك
2:40 فأجابه المنصور إلى رغبته
2:44 غير أن الحياة لم تطل بعد إذن بأبي حنيفة
2:48 فلما وافاه الأجل
2:51 وجدت في بيته ودائع للناس تزيد على أضعاف هذا المبلغ
2:57 فلما سمع المنصور بذلك قال
3:00 يرحم الله أبا حنيفة
3:03 فقد خدعنا
3:04 وأبا أن يأخذ شيئاً منا
3:07 وتلطف في ردنا
3:10 ولا غروا
3:11 فقد كان أبو حنيفة يوقن أنه
3:14 ما أكل أمرء لقمة أزكى
3:17 ولا أعز من لقمة ينالها من كسب يده
3:21 لذلك نجده يخصص شطراً من وقته للتجارة
3:26 فقد جعل يتجر بالخز وأثوابه
3:30 وكانت تجارته ذاهبة آيبة بين مدن العراق
3:35 وكان له متجر معروف يقصده الناس
3:39 فيجدون فيه الصدق في المعاملة
3:42 والأمانة في الأخذ والعطا
3:45 ولا ريب في أنهم كانوا يجدون فيه الثوق الرفيع أيضا
3:50 ولقد كانت تجارته تدر عليه خيراً وفيراً
3:55 وتحبوه من فضل الله مالاً كثيراً
3:59 فكان يأخذ المال من حله ويضعه في محله
4:04 فلقد عرف عنه أنه كل ما حال عليه الحول
4:08 أحصى أرباحه من تجارته
4:11 واستبقى منها ما يكفيه لنفقته
4:14 ثم يشتري بالباقي حوائج القراء والمحدثين
4:19 والفقهاء وطلاب العلم وأقواتهم وكسوتهم
4:24 ويخصص لكل منهم مبلغاً من النقد العين
4:29 ويدفع ذلك كله إليهم ويقول
4:32 هذه أرباح بضائعكم أجراها الله لكم على يدي
4:38 والله ما أعطيتكم من مالي شيئا
4:42 وإنما هو فضل الله علي فيكم
4:45 فما في رزق الله حول لأحد غير الله
4:50 ولقد شرقت أخبار جود أبي حنيفة وسماحته وغربت
4:58 وخاصة مع جلسائه وأصحابه
5:01 من ذلك أن أحد جلسائه جاء إلى متجره يوماً وقال
5:08 إني بحاجة إلى ثوب خزن يا أبا حنيفة
5:12 فقال له أبو حنيفة ما لونه
5:16 فقال كذا وكذا
5:19 فقال إصبر حتى يقع لي فآخذه لك
5:24 فما إن دارت الجمعة حتى وقع له الثوب المطلوب
5:29 فمر به صاحبه فقال له أبو حنيفة
5:33 قد وقعت لي حاجتك
5:36 وأخرج إليه الثوب
5:38 فأعجبه وقال
5:40 كم أدفع لغلامك ثمنه
5:43 فقال درهما
5:45 فقال الرجل في استغراب
5:48 درهماً واحدا
5:50 فقال أبو حنيفة نعم
5:53 فقال له الرجل
5:55 ما كنت أظنك تهزأ بي يا أبا حنيفة
5:59 فقال أبو حنيفة
6:01 ما هزئت بك
6:03 وإنما اشتريت هذا الثوب وآخر معه
6:06 بعشرين ديناراً ذهبا
6:08 درهم من الفضة
6:10 وقد بعت أحد الثوبين بعشرين ديناراً ذهبا
6:14 وبقي علي هذا بدرهم واحد
6:17 وما كنت لأربح على جليسي
6:21 وجاءته مرأة عجوز تطلب ثوب خز
6:25 فأخرج لها الثوب المطلوب
6:27 فقالت له
6:29 إن مرأة عجوز
6:31 ولا علم لي بالأثمان
6:33 وإنها الأمانة
6:35 فبعني الثوب بما قام عليك
6:38 وأضف عليه قليلاً من الربح
6:41 فإني ضعيفة
6:43 فقال لها
6:45 إن اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة
6:49 ثم إني بعت أحدهما برأس المال
6:52 إلا أربعة درهم
6:54 فخذيه بها
6:56 ولا أريد منك ربحا
6:59 وقد رأى ذات يوم ثياباً رثة على أحد جلسائه
7:04 فلما انصرف الناس
7:06 ولم يبق في المجلس إلا هو والرجل
7:09 قال له
7:10 ارفع هذا المصلى
7:12 وخذ ما تحته
7:14 فرفع الرجل المصلى
7:16 فإذا تحته ألف درهم
7:19 فقال له أبو حنيفة
7:21 خذها وأصلح بها من شأنك
7:24 فقال الرجل
7:26 إني موسر
7:28 وقد أنعم الله علي
7:30 ولا حاجة لي بها
7:32 فقال له أبو حنيفة
7:34 إذا كان الله قد أنعم عليك
7:37 فأين آثار نعمته
7:39 أما بلغك أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول
7:45 إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده
7:50 فينبغي عليك أن تصلح من شأنك
7:53 حتى لا تغم صديقك
7:58 ولقد بلغ من جود أبي حنيفة وبره بالناس
8:02 أنه كان إذا أنفق على عياله نفقة
8:06 تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين
8:10 وأيذ اكتسى ثوبا جديدا
8:13 كسى المساكين بقدر ثمنه
8:16 وكان إذا وضع الطعام بين يديه
8:19 غرف منه ضعف ما يأكله عادة
8:23 ودفع به إلى الفقرى
8:25 ومما يروى عنه
8:28 أنه قطع عهدا على نفسه
8:31 أن لا يحلف بالله في أثناء كلامه
8:34 إلا تصدق بدرهم فضة
8:37 ثم تدرج في الأمر
8:40 فجعل على نفسه عهدا إن حلف بالله
8:43 ليتصدق النبي دينار من ذهب
8:46 فكان إذا حلف صادقا تصدق بدينار
8:51 ولقد كان حفص بن عبد الرحمن
8:55 شريكا لأبي حنيفة في بعض تجارته
8:59 فكان أبو حنيفة يجهز له أمتعة الخز
9:03 ويبعث بها معه إلى بعض مدن العراق
9:07 فجهز له ذات مرة متاعا كثيرا
9:11 وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيوبا
9:15 وقال له إذا هممت ببيعها
9:19 فبيل للمشتري ما فيها من عيب
9:22 فباع حفص للمتاع كله
9:26 ونسي أن يعلم المشتريين
9:29 بما في الأثواب المعيبة من عيوب
9:32 ولقد أجهد نفسه في تذكر الرجال
9:35 الذين باعهم الثياب المعيبة
9:38 فلم يفلح
9:40 فلما علم أبو حنيفة بالأمر
9:43 ولم يتمكن من معرفة الذين
9:46 وقع عليهم الغبن
9:48 لم يستقر قراره
9:50 ولم تطب نفسه حتى تصدق
9:52 بأثمان المتاع كلها
9:55 ولقد كان أبو حنيفة
9:57 فوق ذلك كله
9:59 طيب المعاشرة
10:01 حلو المؤانسة
10:03 يسعد به جليسه
10:05 ولا يشقى به من غاب عنه
10:07 ولو كان عدوًا له
10:09 حدث أحد أصحابه قال
10:12 سمعت عبد الله بن المبارك
10:14 يقول لسفيان الثوري
10:17 يا أبا عبد الله
10:19 ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة
10:22 فإني ما سمعته
10:24 يذكر عدوًا له بسوء قط
10:28 فقال له سفيان
10:30 إن أبا حنيفة أعقل من أن يسلط
10:33 على حسناته ما يذهب بها
10:36 وكان أبو حنيفة
10:40 كلفًا باقتناص ود الناس
10:43 حريصًا على استدامة صداقتهم
10:46 فقد عرف عنه
10:48 أنه ربما مر به
10:50 الرجل من الناس
10:52 فقعد في مجلسه من غير قصد
10:54 ولا مجالسة
10:56 فإذا قام سأل عنه
10:59 فإن كانت به فاقة وصلة
11:02 وإن كان به مرض عادة
11:05 وإن كانت له حاجة قضاها
11:09 حتى يجره إلى مواصلته جرا
11:13 ولقد كان أبو حنيفة قبل ذلك كله
11:17 وفوق ذلك كله
11:19 صوام نهار قوام ليل
11:22 خدينا للقرآن
11:24 مستغفرا في الأسحار
11:27 وكان من أسباب توغله في العبادة
11:30 واندفاعه فيها
11:32 أنه أقبل ذات يوم على جماعة من الناس
11:36 فسمعهم يقولون
11:39 إن هذا الرجل الذي ترونه
11:41 لا ينام الليل
11:43 فما إلا مست كلمتهم هذه
11:46 ما سمعه حتى قال
11:48 إني عند الناس على خلاف ما أنا
11:51 عليه عند الله
11:53 والله لا يتحدث الناس عني منذ الساعة بما لا أفعل
11:58 ولن أتوسد فراشا بعد اليوم في ليل
12:02 حتى ألقى الله
12:04 ثم دأب منذ ذلك اليوم على قيام الليل كله
12:08 فكان إذا أرخى الظلام سدوله على الكون
12:12 وأسلمت الجنوب إلى المضاجع
12:15 قام فلبس أحسن ثيابه
12:18 وسرح لحيته وتقيب وتزين
12:22 ثم يصف في محرابه
12:25 ويقطع ليله قانتا
12:27 أو منحنيا بصلبه على أجزاء القرآن
12:31 أو رافعا يديه بالضراعة
12:34 فلربما قرأ القرآن كله في ركعة واحدة
12:39 ولربما قام الليل كله بآية واحدة
12:43 فلقد روي أنه قام الليل كله
12:46 وهو يردد قوله جل وعز
12:50 بل الساعة موعدهم
12:54 والساعة أدهى وأمر
12:57 بل الساعة موعدهم
13:00 والساعة أدهى وأمر
13:03 وهو يبكي من خشية الله بكاء
13:06 يقطع نياط القلوب
13:09 وينشج نشيجا مبحوحا يفطر الأفئدة
13:15 ولقد عرف عنه أنه صل الفجر بوضوء العشاء
13:20 نحو من أربعين عاما
13:22 ما ترك ذلك خلالها مرة واحدة
13:26 وأنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه
13:30 سبعة آلاف مرة
13:33 وكان إذا قرأ سورة الزلزلة
13:36 إقشع رجلده ووجل فؤاده
13:39 وأخذ لحيته بيده وطفق يقول
13:43 يا من يجزي بمثقى لذرة خير خيرا
13:47 ويا من يجزي بمثقى لذرة شر شرا
13:52 أجر عبدك النعمان من النار
13:55 وباعد بينه وبين ما يقربه منها
14:00 وأدخله في واسع رحمتك يا أرحم الراحمين
14:05 لم أر أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة
14:18 يزيد بن هارون
14:20 مواقفا ومثالا
14:26 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
14:31 كانوا هنا يسقون غيما حياتنا
14:36 فمو وفينا ذكرهم يتعالا
14:41 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
14:46 هل مثلهم نجم سما وتلالا
14:51 ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
14:56 وزهت بهم دنيا الأنا