صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (24) | صلة بن أشيم العدوي رحمه الله

◉ 0 مشاهدة ⏱ 16:04 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 صلة ابن أشيام العدوي
0:33 رحمه الله
0:41 صلة ابن أشيام العدوي
0:46 عابد من عباد الليل
0:48 وفارس من فرسان النهار
0:51 كان إذا نشر الظلام أستاره على الكون
0:55 وأسلمت الجنوب إلى المضاجع
0:58 قام فأسبغ الوضوء
1:00 ثم صف في محرابه ودخل في صلاته
1:04 وهام وجداً بربه
1:06 فيشرق في نفسه سناً إلهي
1:09 ينير لبصيرته أرجاء الكون
1:13 ويريه آيات الله في الآفاق
1:16 وكان إلى ذلك مولعاً بقرآن الفجر
1:21 فإذا أقبل الهزيع الأخير من الليل
1:24 إنحنى بصلبه على أجزاء القرآن
1:28 وانطلق يرتل آيات الله البينات
1:31 بصوت ندي وجرس شجي
1:35 فتارة يجد للقرآن حلاوة
1:38 تأخذ بمجامع قلبه
1:40 وتستأثر بمكامن لبه من خشية الله
1:44 وأخرى يستشعر للقرآن
1:47 خشعة تصدع فؤاده
1:50 ولم يكن صلة ابن أشيام
1:52 يفتر عن عبادته هذه قط
1:55 لا فرق في ذلك بين حله
1:57 وترحاله وشغله وفراغه
2:00 حكى جعفر بن زيد قال
2:03 خرجنا مع جيش من جيوش المسلمين
2:06 في غزاة إلى مدينة كابول
2:09 رجاء أن يفتحها الله لنا
2:12 وكان في الجيش صلة ابن أشيام
2:15 فلما أرخى الليل سدولة
2:18 ونحن في بعض الطريق
2:20 حط الجند رحالهم
2:22 وأصابوا شيئاً من الطعام
2:24 وأدوا العشاء الأخيرة
2:27 ثم مضوا إلى رحالهم يلتمسون
2:30 عندها حظاً من الراحة
2:32 فرأيت صلة ابن أشيام
2:34 يمضي إلى رحله كما مضوا
2:37 ويسلم جنبه إلى الرقاد كما فعلوا
2:40 فقلت في نفسي
2:42 أين الذي يرونه من صلاة الرجل
2:45 وعبادته
2:47 ويشيعونه من قيامه
2:49 حتى تتورم قدما
2:51 والله لأرمقنه الليلة
2:53 حتى أرى ما يكون منه
2:57 فما ان غرق الجند في نومهم
3:00 حتى رأيته يستيقظ من رقدته
3:03 وينحاز عن العسكر
3:05 مستتراً بالعتمة
3:07 ويدخل في غابة اللفاء
3:09 باسقة الأشجار
3:11 وحشية الأعشاب
3:13 كأنها لم تطأها قدمان منذ دهر طويل
3:17 فمضيت في إثره
3:20 فلما بلغ منها مكاناً قصيا
3:23 إلتمس القبلة واتجه إليها
3:26 وكبر للصلاة
3:28 واستغرق فيها
3:30 فنظرت إليه من بعد
3:32 فرأيته مشرق الوجه
3:34 ساكن الأعضاء
3:36 هادئ النفس
3:38 كأنما يجد في الوحشة أنسى
3:40 وفي البعد قربا
3:42 وفي الظلمة ضياء منيرا
3:45 وفيما هو كذلك
3:47 طلع علينا أسد من الجانب الشرقي للغابة
3:52 فما إن أثبته حتى انخلع فؤادي هلعا منه
3:56 فعلوت شجرة باسقة
3:58 لواذا من شره
4:00 فما زال الأسد يدنو من صلة ابن أشيم
4:04 وهو غارق في صلاته
4:06 حتى أصبح على قيد خطوات منه
4:10 فوالله ملتفت إليه ولا حفل به
4:13 فلما سجد
4:15 قلت الآن يفترس
4:17 فلما نهض من سجوده وجلس
4:20 وقف الأسد بإيزائه كأنه يتأمله
4:24 فلما سلم
4:26 نظر إلى الأسد في سكون
4:28 وحرك شفتيه بكلام لم أسمعه
4:32 فإذا بالأسد ينصرف عنه في هدوء
4:35 ويعود من حيث جاء
4:37 ولما انبلج الفجر
4:40 نهض فأدى المكتوبة
4:43 ثم طفق يحمد الله عز وجل
4:46 بمحامد لم أسمع مثلها قط
4:49 ثم قال
4:51 اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار
4:55 وهل يجترئ عبد خاطئ مثلي
4:58 أن يسلك الجنة
5:00 وما زال يكررها حتى بكى وأبكاني
5:04 ثم رجع إلى الجيش دون أن يفطن له أحد
5:08 وبدا لعيون القوم كأنه بات على الحشايا
5:13 وعدت أنا في إثره
5:15 وبي من سهر الليل وفتور الجسم وخوف الأسد
5:19 ما الله به عليم
5:24 ولقد كان صلة ابن أشيم إلى هذا كله
5:27 لا يدع سانحة من سوانح الموعظة والتذكير
5:32 إلا اغتنمها
5:34 وكان أسلوبه في ذلك
5:36 أن يدعو إلى سبيل ربه
5:38 بالحكمة والموعظة الحسنة
5:41 فيستميل النفوس النافرة
5:43 ويستلين القلوب القاسية
5:46 من ذلك أنه كان يخرج إلى البرية
5:50 في ظاهرة البصرة للخلوة والتعبد
5:53 فكان التمر به طائفة من الشباب
5:57 أرخت للصبا عنانة
5:59 فتلهو وتلعب وتسرح وتمرح
6:03 فكان يحييهم بأنس
6:05 ويخاطبهم في رفق ويقول لهم
6:09 ما تقولون في قوم أزمعوا سفرا لأمر عظيم
6:14 غير أنهم كانوا في النهار يحيدون عن الطريق ليلهوا ويلعبوا
6:20 وفي الليل يبيتون ليستريحوا
6:23 فمتى ترونهم ينجزون رحلتهم
6:26 ويبلغون غايتهم
6:28 ودأب على قول ذلك المرة تتلوى المرة
6:32 فلقيهم ذات مرة
6:35 وقال لهم مقالته تلك
6:37 فنهض شاب منهم وقال
6:41 إنه والله ما يعني بذلك أحدا غيرنا
6:45 فنحن بالنهار نلهو وبالليل ننام
6:49 ثم انحاز الشاب عن رفاقه
6:52 واتبع صلة ابن أشيما منذ ذلك اليوم
6:56 وما زال في صحبته حتى أتاه اليقين
7:00 ومن ذلك أيضا
7:02 أنه كان يمضي ذات نهار في ثلة من أصحابه إلى غاية لهم
7:08 فمر بهم شاب رائع الشباب ريان الصبا
7:13 قد أطال إزاره حتى جعل يجره على الأرض جر الخيلا
7:19 فهم أصحابه بالشاب
7:21 وأرادوا أن يأخذوه بألسنتهم وأيديهم أخذا شديدا
7:26 فقال لهم صلة
7:28 دعوني أكفكم أمره
7:31 ثم أقبل على الشاب
7:33 وقال في رفق الأبي الشفيق
7:36 ونبرة الصديق الحميم
7:38 يا ابن أخي
7:40 إن لي إليك حاجة
7:42 فتوقف الفتا
7:44 وقال ما هي يا عم
7:46 فقال أن ترفع إزارك
7:49 فإن ذلك أنقال ثوبك
7:52 وأتقال ربك
7:54 وأدنى لسنة نبيك
7:56 فقال الفتا في خجل
7:58 نعم ونعمة عين
8:01 ثم بادر ورفع إزاره
8:05 فقال صلة لأصحابه
8:07 إن هذا أمثل مما أردتم
8:10 ولو أنكم ضاربتموه وشاتمتموه
8:14 لضاربكم وشاتمكم
8:16 وأبقى إزاره مسدلا يمسح به الأرض
8:21 ولقد جاءه مرة فتا من فتيان البصرة
8:25 فقال
8:26 علمني يا أبى الصهباء مما علمك الله
8:30 فهش له صلة وبش
8:32 وقال
8:34 لقد أذكرتني يا ابن أخي ماضيا لا أنساه
8:38 حيث كنت إذاك شابا مثلك
8:41 فأتيت من بقي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:47 وقلت لهم
8:48 علموني مما علمكم الله
8:51 فقالوا لي
8:53 اجعل القرآن عصمة نفسك وربيع قلبك
8:57 وانتصح له وانصح المسلمين به
9:01 وأكثر من دعاء الله عز وجل ما استطعت
9:05 فقال له الفتا
9:08 ادعو لي جزيت خيرا
9:10 فقال
9:12 رغبك الله تعالى فيما يبقى
9:15 وزهدك فيما يفنى
9:18 ووهب لك اليقين الذي تسكن إليه النفوس
9:22 ويعول عليه في الدين
9:26 ولقد كانت لصلة ابن أشيم
9:29 ابنة عم تدعى معاذة العدوية
9:32 وكانت هي الأخرى تابعية مثله
9:35 حيث لقيت أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها
9:40 وأخذت عنها
9:42 ثم لقيها الحسن البصري
9:44 نضر الله روحه
9:46 وسمع منها
9:47 وكانت تقية النقية عابدة زاهدة
9:52 وكان من عادتها إذا أقبل عليها الليل أن تقول
9:57 قد تكون هذه آخر ليلة لي
10:00 فلا تنام حتى تصبح
10:03 وإذا أقبل عليها النهار أن تقول
10:06 قد يكون هذا آخر يوم لي
10:09 فلا يطمئن لها جمب حتى تمسي
10:13 وكانت تلبس رقيق الثياب في فصل الشتاء
10:17 حتى يمنعها البرد من الركون إلى النوم
10:21 ولنقطاع عن العبادة
10:23 وكانت تحي الليل صلاة واقتراء
10:27 فإذا غلبها النعاس
10:29 قامت فجالت في الدار وهي تقول
10:32 أمامك يا نفس نوم طويل
10:36 غدا تطول رقدتك في القبر
10:39 إما على حسرة وإما على سرور
10:43 فاختاري يا معاذة لنفسك اليوم
10:46 ما تحبين أن تكوني عليه غدا
10:52 ولم يكن صلة ابن أشيم على الرغم من شدة عبادته وفرط زهادته
10:58 ليرغب عن سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه
11:03 فخطب ابن تعمه معاذة لنفسه
11:06 فلما كان يوم إهدائها إليه
11:10 قام ابن أخ له بشأنه
11:12 فمضى به إلى الحمام
11:15 ثم أدخله عليها في بيت مطيب
11:18 فلما صارى معا
11:20 قام يصل الركعتين المسنونتين
11:24 فقامت تصلي بصلاته وتقتدي به
11:27 ثم اجتذبهما سحر الصلاة
11:30 فمضى يصليان معا حتى برق الفجر
11:34 فلما كانت الغدا
11:36 جاءه ابن أخيه وقال
11:39 يا عم لقد أهديت إليك ابنة عمك
11:42 فقمت تصلي الليلة كله وتركتها
11:46 فقال يا ابن أخي
11:49 إنك أدخلتني أمس بيتا أذكرتني به النار
11:54 ثم أدخلتني آخر
11:56 أذكرتني به الجنة
11:58 فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت
12:02 فقال الفتا
12:04 وماذاك يا عم
12:06 فقال
12:07 لقد أدخلتني الحمام
12:09 فأذكرني حره حر جهنم
12:12 ثم أدخلتني بيت العرص
12:15 فأذكرني طيبه طيب الجنة
12:18 ولم يكن صلة ابن أشيما أوواها أووابا
12:24 عابدا زاهدا فحسب
12:27 وإنما كان إلى ذلك فارسا مجالدا
12:31 وبطلا مجاهدا
12:33 قل ما عرفت ساحات القتال كميا أشد منه بأسا
12:38 أو أقوى نفسا أو أمضى سيفا
12:41 حتى غدا قواد المسلمين يتنافسون في اجتذا به إليهم
12:47 كل منهم يريد أن يضفر به في عسكره
12:51 ليقطف بفضل شجاعته النصر الكبير الذي يطمح إليه
12:56 روا جعفر بن زيد قال
12:58 خرجنا في غزوة ومعنا صلة ابن أشيم
13:02 وهشام ابن عامر
13:04 فلما لقينا العدو
13:06 انبرى صلة وصاحبه من صفوف المسلمين
13:10 وأوغلى في جموع الأعداء طعنا بالرماح وضربا بالسيوف
13:15 حتى أثر في مقدمة الجيش أبلغ الأثر
13:20 فقال بعض قادة العدو لبعض
13:23 رجلان من جند المسلمين أنزل بنا هذا كله
13:28 فكيف لو قاتلونا جميعا
13:31 انزلوا على حكم المسلمين ودينوا لهم بالطاعة
13:36 وفي سنة ستين وسبعين للهجرة
13:40 خرج صلة ابن أشيم في غزاة له مع جيوش المسلمين
13:45 المتوجهة إلى بلاد ما وراء النهر
13:48 وكان بصحبته ابن الله
13:51 فلما التقى الجمعان
13:53 وحمي وطيس المعركة
13:55 قال صلة لابنه
13:57 أي بني
13:59 تقدم وجاهد أعداء الله
14:01 حتى احتسبك عند الذي لا تضيع عنده الودائع
14:06 فانطلق الفتا إلى قتال العدو
14:09 كما ينطلق السهم عن القوس
14:12 وما زال يقاتل حتى خر صريعا شهيدا
14:18 فما كان من أبيه إلا أن مضى على إثره
14:22 وظل يجاهد حتى ثوى شهيدا إلى جنبه
14:26 فلما بلغ نعيهم البصرة
14:29 اتجهت النساء إلى معادة العدوية ليواسينها
14:34 فقالت لهم
14:36 إن كنتن جئتن لتهنئتي
14:39 فمرحبا بكن
14:41 أما إذا كنتن قد جئتن لغير ذلك
14:45 فرجعن وجزيتن خيرا
14:48 نضر الله هذه الوجوه النبيلة الكريمة
14:53 وجزاها عن الإسلام والمسلمين خيرا
14:57 فما عرف تاريخ الإنسانية أتقى منها ولا أنقى
15:03 تلقى صلة ابن أشيم عن جلة الصحابة
15:10 واقتبس من خلالهم
15:13 وتخلق بأخلاقهم
15:16 الأصبهاني
15:19 خير الغنم واقفا ومثالا
15:24 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
15:29 كانوا هنا يسقون غيم حياتنا
15:34 فما مو فينا ذكرهم يتعالا
15:40 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
15:45 هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:50 ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
15:55 وزهت بهم دنيا الأنا