ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 14 من 16
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (34) | الأحنف بن قيس رحمه الله | ج (1)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
الأحنف بن قيس
0:33
رحمه الله
0:42
كانت دمشن تضحك للربيع الطلق
0:46
مختالة بخمائلها النظرة
0:49
مزهوة برياضها العطرة
0:52
وكان قصر أمير المؤمنين
0:54
معاوية ابن أبي سفيان
0:56
قد أخذ أهبته لاستقبال الوافدين عليه
1:00
وما إن أذن لأول قادم على الخليفة
1:04
حتى بادرت أخته أم الحكم بنت أبي سفيان
1:08
فأخذت مكانها وراء الستر
1:11
لتستمع إلى ما يروى في مجلس الخلافة
1:14
من أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه
1:19
ولتتملا مما ينثره جلساء أمير المؤمنين
1:23
من نوادر الأخبار
1:25
وروائع الأشعار وبالغ الحكمة
1:28
فقد كانت سيدة راجحة العقل عالية الهمة
1:33
تصبو إلى شريف المطالب
1:36
وكانت تعرف أن أخاها يأذن للناس بالدخول عليه
1:41
حسب مراتبهم
1:43
فيقدم صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام على من عداهم
1:48
ثم يليهم كبار التابعين
1:51
وأهل العلم وذو الأحساب
1:54
لكن أم الحكم
1:56
وجدت أخاها يستقبل زائره الأول استقبالا
2:00
يشوبه شيء من الفتور
2:02
وسمعته يقول له
2:04
والله يا أحنف ما تمثلت يوم صفين مرة
2:09
وتذكرت انحيازك عننا
2:11
ووقوفك إلى جانب عري بن أبي طالب
2:15
إلا كانت حزازة في قلبي إلى أن أموت
2:19
فبادره الرجل قائلا
2:22
والله يا معاوية
2:24
إن القلوب التي أبغضناك بها ما تزال بين جوانحنا
2:29
وإن السيوف التي قاتلناك بها ما فتئت في أيدينا
2:35
وإن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا
2:39
وإن تمشي إليها مشيا نمضي إليها هرولة
2:44
ووالله ما حملتنا إليك رغبة في عطائك
2:48
أو رهبة من جفائك
2:50
وإنما جئناك لرأب الصدع ولم الشمل
2:54
وجمع كرمة المسلمين
2:56
ثم استدار وخرج من حيث أتى
3:00
فلم تملك أم الحكم
3:02
إلا أن تزيح طرف الستر
3:04
لترى هذا الذي يرد إلى الخليفة الحجر من حيث جاء
3:09
ويكيل له الصاعة صاعين
3:12
فرأت رجلا قصير القامة ضئيل الجسم
3:17
أصلع الرأس متراكب الأسنان
3:20
ما إلى الذقن منخسف العينين
3:23
أحنث الرجلين
3:25
ليس في إنسان عيب
3:28
إلا وله منه نصيب
3:30
فالتفتت إلى أخيها وقالت
3:33
يا أمير المؤمنين
3:35
من هذا الذي يتهدد الخليفة ويتوعده في عقربيته
3:40
فتنهد معاوية وقال
3:43
هذا الذي إذا غضب
3:45
غضب له مئة ألف من بني تميم
3:48
لا يدرون فيما غضب
3:50
إنه الأحنف بن قيس
3:52
سيد بني تميم
3:54
وأحد أفذاذ العرب وأبطالهم الفاتحين
3:58
فتعالوا نستعرض قصة حياة الأحنف بن قيس من أولها
4:04
في السنة الثالثة قبل الهجرة
4:08
ولد لقيس بن معاوية السعدي
4:11
مولود دعاه الضحاك
4:13
غير أن الناس ما لبثوا
4:17
اللقبوه بالأحنف
4:19
لعوجاج في رجليه
4:21
ثم غلب اللقب على لسم
4:24
ولم يكن قيس والد الأحنف في الذؤابة من قومه
4:28
ولا من حواشيهم
4:30
وإنما كان في أوساط الناس
4:33
وكانت ولادة الأحنف في منازل قومه
4:37
غربي اليمامة من أراضي نجد
4:40
وقد نشأ الفتاة يتيما
4:43
حيث قتل أبوه وهو طفل لم يدرج بعد
4:47
ثم غمرت أنوار الإسلام قلبه
4:50
وهو غلام لم يطر شاربه
4:53
فقد بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:57
قبيل وفاته بسنوات معدودات
5:00
داعية من أصحابه إلى رهط الأحنف بن قيس
5:04
يدعوهم إلى الإسلام
5:06
فاجتمع الداعية إلى وجوه القوم
5:09
وأخذ يحضهم على الإيمان
5:12
ويعرض عليهم الإسلام
5:14
فسكت القوم
5:16
وجعل بعضهم ينظر إلى بعض
5:19
فبادرهم الأحنف وكان حاضرا وقال
5:23
يا قوم
5:24
ما لي أراكم مترددين
5:27
تقدمون رجلا وتؤخرون رجلا
5:30
والله إن هذا الوافد عليكم
5:33
لوافد خير
5:35
وإنه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق
5:38
وينهاكم عن ملائمها
5:40
ووالله ما سمعنا منه إلا حسنا
5:44
فأجيبوا داعي الهدى
5:46
تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة
5:49
فما لبثوا أن أسلموا
5:51
وأسلم معهم الفتا
5:54
ثم وفد كبار القوم على الرسول صلوات الله وسلامه عليه
5:59
غير أن الأحنف لم يفد معهم لحداثة سنه
6:03
فحرم من شرف الصحبة
6:06
ولكنه لم يحرم من رضى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عنه
6:11
ودعائه له
6:13
حدث الأحنف قال
6:15
بينما أنا أطوف بالبيت العتيق في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
6:21
إذ لقيني رجل أعرفه
6:24
فأخذ بيدي وقال
6:26
ألا أبشرك
6:28
قلت بلى
6:30
قال
6:31
أما تذكر يوم بعثني رسول الله صلوات الله وسلامه عليه إلى قومك لأدعوهم إلى الإسلام
6:39
فجعلت أدعوهم وأعرض عليهم الدخول في دين الله
6:44
فقلت أنت يومئذ ما قلت
6:47
قلت بلى
6:48
قال
6:49
فإني رجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام
6:53
وأخبرته بمقالتك
6:56
فقال
6:57
اللهم اغفر للأحنف
7:00
فكان الأحنف يقول
7:02
ما من شيء من عملي أرجالي يوم القيامة
7:06
من دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام
7:10
ولما لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى
7:18
وطلع مسيرمة الكذاب على الناس بإفكه
7:22
وارتد عن الإسلام بسببه من ارتد
7:25
مضى إليه الأحنف بن قيس
7:28
مع عمه المتشمس
7:30
ليلقياه ويسمع منه
7:33
وكان الأحنف يومئذ في بواكير شبابه
7:37
فلما خرجا من عنده قال المتشمس لابن آخيه
7:41
كيف رأيت الرجل يا أحنف
7:44
فقال
7:45
رأيته مبطلا يفتر الكذب على الله والناس
7:50
فقال له عمه ممازحا
7:53
ألا تخشى على نفسك إن أخبرته بتكذيبك أيها
7:58
فقال الأحنف
7:59
عند ذلك أحالفك عنده
8:02
فهل تحلف أنك لم تكذبه كما كذبته
8:06
وتضاحك الفتا وعمه
8:08
وثبتا على إسلامهما
8:11
ولا غرابة إذا أخذك العجب
8:14
واستبدت بك الدهشة من هذه المواقف الحازمة الحاسمة
8:19
التي يقفها الأحنف في عظائم الأمور
8:22
على الرغم من حداثة سنه
8:25
لكن عجبك سينقضي
8:27
ودهشتك ستزول
8:29
إذا عرفت أن فتا بني تميم
8:33
كان نادرة من نوادر الدهر في حدة الخاطر
8:37
وتوقّد الذكاء
8:39
وصدق النظرة وصفاء الفطرة
8:42
وأنه كان منذ نعومة أظفاره
8:45
يجالس مشيخة قومه
8:47
ويغشى أنبيتهم ويشهد مؤتمراتهم
8:51
ويتتلمذ على أيدي حكمائهم وحلمائهم
8:55
حدث عن نفسه قال
8:58
كنا نختلف إلى مجالس قيس بن عاصم المنقري
9:02
لنتعلم منه الحلم
9:05
كما نختلف إلى مجالس العلماء
9:08
لنتلقى منهم العلم
9:10
فقيل له
9:13
ومن الذي بلغ من حلمه
9:15
فقال
9:17
جئته مرة فرأيته قاعدا بفناء بيته
9:21
محتبيا بحمائل سيفه
9:24
يحدث قومه
9:26
فسلمت وجلست
9:28
وما هو إلا قليل
9:30
حتى سمعنا ضجة فنظرنا
9:33
فإذا به قد أتي له بشاب مكتوف
9:37
وآخر مقتول
9:39
وقيل له
9:40
هذا ابن أخيك قد قتل ابنك فلانا
9:44
فوالله ما حل حبوته ولا قطع كلامه
9:48
ثم التفت إلى ابن أخيه وقال
9:51
يا ابن أخي
9:52
قتلت ابن عمك
9:54
فقطعت رحمك بيدك
9:56
ورميت نفسك بسهمك
9:59
ثم قال لابن له آخر
10:02
قم يا بني فحل كتاف ابن عمك
10:05
وواري أخاك
10:07
ثم سق إلى أمه مئة ناقة ديت ابنها
10:11
فإنها غريبة
10:14
ولقد أتيح للأحن في ابن قيس
10:17
أن يتلمذ على جلة الصحابة الكرام
10:20
وفي قمتهم الفاروق رضوان الله عليه
10:24
فشهد مجالسه وسمع مواعظه
10:27
ووعى أقضيته وأحكامه
10:30
فكان من ألمع التلاميذ الذين أنجبتهم المدرسة العمرية
10:35
وأعمقهم تأثرا بمعلمها العبقري الفذ
10:39
ولقد قيل له ذات مرة
10:43
بما أوتيت ما أوتيت من الوقار والحكمة
10:47
فقال
10:49
بكلمات سمعتهن من عمر بن الخطاب حيث قال
10:54
من مزح استخف به
10:56
ومن أكثر من شيء عرف به
10:59
ومن كثر كلامه كثر سقطه
11:02
ومن كثر سقطه قل حياؤه
11:05
ومن قل حياؤه قل ورعه
11:08
ومن قل ورعه مات قلبه
11:12
وقد تسنم الأحنف ابن قيس قومه
11:17
على الرغم من أنه لم يكن من أعلاهم حسبا
11:21
ولا أجل لهم أما وأبا
11:24
ولكن سأله السائلون عن سر ذلك
11:27
فقال له أحدهم
11:29
من الذي يسوده قومه يا أبا بحر
11:33
فقال
11:35
من كان فيه أربع خصال
11:37
ساد قومه غير مدافع
11:40
فقيل له
11:42
وما هذه الخصال
11:44
فقال
11:45
من كان له دين يحجزه
11:48
وحسب يصونه
11:50
وعقل يرشده
11:51
وحياء يمنعه
11:53
والأحنف بعد ذلك
11:55
أحد حلماء العرب
11:57
الذين ضرب بحلمهم المثل
12:00
وقد بلغ من حلمه
12:02
أن عمر بن الأهتم أغرى رجلا
12:05
بسبه سبا مقذعا يثير الحفائر
12:08
لكن الأحنف ظل صامتا مطرقا
12:12
فلما رأى الرجل أنه لا يجيبه ولا يأبه له
12:16
أخذ إبهامه في فمه
12:19
وجعل يعضه وهو يقول
12:21
واسوأتاه
12:23
والله ما منعه من جوابي
12:26
إلا هواني عليه
12:28
واتفق أن كان الأحنف
12:30
يمشي في حواش البصرة
12:32
خاليا بنفسه
12:34
فتعرض له رجل
12:36
جعل يشتمه ويعيبه
12:38
ويسمعه قوارص الكلام
12:40
وهو ساكت ماغض في طريقه
12:43
فلما اقتربا من الناس
12:46
التفت إلى الرجل وقال
12:48
يبن أخي
12:50
إن كان قد بقي من كلامك فضلة
12:53
فقلها الآن
12:55
فإن قومي إذا سمعوا ما تقول
12:58
أصابك منهم أذى
13:00
وكان الأحنف فوق ذلك كله
13:05
عبادا صواما قواما
13:08
زاهدا بما في أيدي الناس
13:11
وكان إذا جن عليه الليل
13:14
أسرج مصباحه ووضعه قريبا منه
13:18
ووقف في محرابه يصلي
13:21
وهو يتململ تململ السقيم
13:24
ويبكي بكاء الثاكل
13:26
إشفاقا من عذاب الله
13:29
وخشية من غضبه
13:31
وكان كلما استشعر ذنبا من ذنوبه
13:34
أو لاح له عيب من عيوبه
13:37
قرب إصبعه من المصباح وقال
13:40
حس يا أحنف
13:42
ما حملك على أن فعلت كذا يوم كذا
13:46
ويحك يا أحنف
13:48
إذا كنت لا تطيق اليوم
13:50
لهب المصباح
13:52
ولا تصبر على حره
13:54
فكيف تطيق غدا لهب جهنم
13:57
وتصبر على أذاه
13:59
اللهم إن تغفر لي
14:01
فأنت أهل لذاك
14:03
وإن تعذبني
14:05
فأنا أهل لذاك
14:07
رضي الله عن الأحنف
14:11
ابن قيس وأرضاه
14:13
فقد كان رائعة من روائع الزمان
14:17
وضربا فريدا من الناس
14:20
إن الأحنف ابن قيس
14:26
بلغ من الشرف والسعدد
14:29
ما لا تنفعه الولاية
14:31
ولا يضره العزل
14:34
زياد بن أبي
14:37
غير المواقفا ومثالا
14:42
تبع الرسول إذا سعى أو قال
14:47
كانوا هنا يسقون غيم حياتنا
14:52
فهما هو فينا
14:54
ذكرهم يتعالى
14:57
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
15:02
هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:07
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
15:12
وزهت بهم دنيا الأنا