صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (34) | الأحنف بن قيس رحمه الله | ج (1)

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:24 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 الأحنف بن قيس
0:33 رحمه الله
0:42 كانت دمشن تضحك للربيع الطلق
0:46 مختالة بخمائلها النظرة
0:49 مزهوة برياضها العطرة
0:52 وكان قصر أمير المؤمنين
0:54 معاوية ابن أبي سفيان
0:56 قد أخذ أهبته لاستقبال الوافدين عليه
1:00 وما إن أذن لأول قادم على الخليفة
1:04 حتى بادرت أخته أم الحكم بنت أبي سفيان
1:08 فأخذت مكانها وراء الستر
1:11 لتستمع إلى ما يروى في مجلس الخلافة
1:14 من أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه
1:19 ولتتملا مما ينثره جلساء أمير المؤمنين
1:23 من نوادر الأخبار
1:25 وروائع الأشعار وبالغ الحكمة
1:28 فقد كانت سيدة راجحة العقل عالية الهمة
1:33 تصبو إلى شريف المطالب
1:36 وكانت تعرف أن أخاها يأذن للناس بالدخول عليه
1:41 حسب مراتبهم
1:43 فيقدم صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام على من عداهم
1:48 ثم يليهم كبار التابعين
1:51 وأهل العلم وذو الأحساب
1:54 لكن أم الحكم
1:56 وجدت أخاها يستقبل زائره الأول استقبالا
2:00 يشوبه شيء من الفتور
2:02 وسمعته يقول له
2:04 والله يا أحنف ما تمثلت يوم صفين مرة
2:09 وتذكرت انحيازك عننا
2:11 ووقوفك إلى جانب عري بن أبي طالب
2:15 إلا كانت حزازة في قلبي إلى أن أموت
2:19 فبادره الرجل قائلا
2:22 والله يا معاوية
2:24 إن القلوب التي أبغضناك بها ما تزال بين جوانحنا
2:29 وإن السيوف التي قاتلناك بها ما فتئت في أيدينا
2:35 وإن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا
2:39 وإن تمشي إليها مشيا نمضي إليها هرولة
2:44 ووالله ما حملتنا إليك رغبة في عطائك
2:48 أو رهبة من جفائك
2:50 وإنما جئناك لرأب الصدع ولم الشمل
2:54 وجمع كرمة المسلمين
2:56 ثم استدار وخرج من حيث أتى
3:00 فلم تملك أم الحكم
3:02 إلا أن تزيح طرف الستر
3:04 لترى هذا الذي يرد إلى الخليفة الحجر من حيث جاء
3:09 ويكيل له الصاعة صاعين
3:12 فرأت رجلا قصير القامة ضئيل الجسم
3:17 أصلع الرأس متراكب الأسنان
3:20 ما إلى الذقن منخسف العينين
3:23 أحنث الرجلين
3:25 ليس في إنسان عيب
3:28 إلا وله منه نصيب
3:30 فالتفتت إلى أخيها وقالت
3:33 يا أمير المؤمنين
3:35 من هذا الذي يتهدد الخليفة ويتوعده في عقربيته
3:40 فتنهد معاوية وقال
3:43 هذا الذي إذا غضب
3:45 غضب له مئة ألف من بني تميم
3:48 لا يدرون فيما غضب
3:50 إنه الأحنف بن قيس
3:52 سيد بني تميم
3:54 وأحد أفذاذ العرب وأبطالهم الفاتحين
3:58 فتعالوا نستعرض قصة حياة الأحنف بن قيس من أولها
4:04 في السنة الثالثة قبل الهجرة
4:08 ولد لقيس بن معاوية السعدي
4:11 مولود دعاه الضحاك
4:13 غير أن الناس ما لبثوا
4:17 اللقبوه بالأحنف
4:19 لعوجاج في رجليه
4:21 ثم غلب اللقب على لسم
4:24 ولم يكن قيس والد الأحنف في الذؤابة من قومه
4:28 ولا من حواشيهم
4:30 وإنما كان في أوساط الناس
4:33 وكانت ولادة الأحنف في منازل قومه
4:37 غربي اليمامة من أراضي نجد
4:40 وقد نشأ الفتاة يتيما
4:43 حيث قتل أبوه وهو طفل لم يدرج بعد
4:47 ثم غمرت أنوار الإسلام قلبه
4:50 وهو غلام لم يطر شاربه
4:53 فقد بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه
4:57 قبيل وفاته بسنوات معدودات
5:00 داعية من أصحابه إلى رهط الأحنف بن قيس
5:04 يدعوهم إلى الإسلام
5:06 فاجتمع الداعية إلى وجوه القوم
5:09 وأخذ يحضهم على الإيمان
5:12 ويعرض عليهم الإسلام
5:14 فسكت القوم
5:16 وجعل بعضهم ينظر إلى بعض
5:19 فبادرهم الأحنف وكان حاضرا وقال
5:23 يا قوم
5:24 ما لي أراكم مترددين
5:27 تقدمون رجلا وتؤخرون رجلا
5:30 والله إن هذا الوافد عليكم
5:33 لوافد خير
5:35 وإنه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق
5:38 وينهاكم عن ملائمها
5:40 ووالله ما سمعنا منه إلا حسنا
5:44 فأجيبوا داعي الهدى
5:46 تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة
5:49 فما لبثوا أن أسلموا
5:51 وأسلم معهم الفتا
5:54 ثم وفد كبار القوم على الرسول صلوات الله وسلامه عليه
5:59 غير أن الأحنف لم يفد معهم لحداثة سنه
6:03 فحرم من شرف الصحبة
6:06 ولكنه لم يحرم من رضى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عنه
6:11 ودعائه له
6:13 حدث الأحنف قال
6:15 بينما أنا أطوف بالبيت العتيق في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
6:21 إذ لقيني رجل أعرفه
6:24 فأخذ بيدي وقال
6:26 ألا أبشرك
6:28 قلت بلى
6:30 قال
6:31 أما تذكر يوم بعثني رسول الله صلوات الله وسلامه عليه إلى قومك لأدعوهم إلى الإسلام
6:39 فجعلت أدعوهم وأعرض عليهم الدخول في دين الله
6:44 فقلت أنت يومئذ ما قلت
6:47 قلت بلى
6:48 قال
6:49 فإني رجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام
6:53 وأخبرته بمقالتك
6:56 فقال
6:57 اللهم اغفر للأحنف
7:00 فكان الأحنف يقول
7:02 ما من شيء من عملي أرجالي يوم القيامة
7:06 من دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام
7:10 ولما لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى
7:18 وطلع مسيرمة الكذاب على الناس بإفكه
7:22 وارتد عن الإسلام بسببه من ارتد
7:25 مضى إليه الأحنف بن قيس
7:28 مع عمه المتشمس
7:30 ليلقياه ويسمع منه
7:33 وكان الأحنف يومئذ في بواكير شبابه
7:37 فلما خرجا من عنده قال المتشمس لابن آخيه
7:41 كيف رأيت الرجل يا أحنف
7:44 فقال
7:45 رأيته مبطلا يفتر الكذب على الله والناس
7:50 فقال له عمه ممازحا
7:53 ألا تخشى على نفسك إن أخبرته بتكذيبك أيها
7:58 فقال الأحنف
7:59 عند ذلك أحالفك عنده
8:02 فهل تحلف أنك لم تكذبه كما كذبته
8:06 وتضاحك الفتا وعمه
8:08 وثبتا على إسلامهما
8:11 ولا غرابة إذا أخذك العجب
8:14 واستبدت بك الدهشة من هذه المواقف الحازمة الحاسمة
8:19 التي يقفها الأحنف في عظائم الأمور
8:22 على الرغم من حداثة سنه
8:25 لكن عجبك سينقضي
8:27 ودهشتك ستزول
8:29 إذا عرفت أن فتا بني تميم
8:33 كان نادرة من نوادر الدهر في حدة الخاطر
8:37 وتوقّد الذكاء
8:39 وصدق النظرة وصفاء الفطرة
8:42 وأنه كان منذ نعومة أظفاره
8:45 يجالس مشيخة قومه
8:47 ويغشى أنبيتهم ويشهد مؤتمراتهم
8:51 ويتتلمذ على أيدي حكمائهم وحلمائهم
8:55 حدث عن نفسه قال
8:58 كنا نختلف إلى مجالس قيس بن عاصم المنقري
9:02 لنتعلم منه الحلم
9:05 كما نختلف إلى مجالس العلماء
9:08 لنتلقى منهم العلم
9:10 فقيل له
9:13 ومن الذي بلغ من حلمه
9:15 فقال
9:17 جئته مرة فرأيته قاعدا بفناء بيته
9:21 محتبيا بحمائل سيفه
9:24 يحدث قومه
9:26 فسلمت وجلست
9:28 وما هو إلا قليل
9:30 حتى سمعنا ضجة فنظرنا
9:33 فإذا به قد أتي له بشاب مكتوف
9:37 وآخر مقتول
9:39 وقيل له
9:40 هذا ابن أخيك قد قتل ابنك فلانا
9:44 فوالله ما حل حبوته ولا قطع كلامه
9:48 ثم التفت إلى ابن أخيه وقال
9:51 يا ابن أخي
9:52 قتلت ابن عمك
9:54 فقطعت رحمك بيدك
9:56 ورميت نفسك بسهمك
9:59 ثم قال لابن له آخر
10:02 قم يا بني فحل كتاف ابن عمك
10:05 وواري أخاك
10:07 ثم سق إلى أمه مئة ناقة ديت ابنها
10:11 فإنها غريبة
10:14 ولقد أتيح للأحن في ابن قيس
10:17 أن يتلمذ على جلة الصحابة الكرام
10:20 وفي قمتهم الفاروق رضوان الله عليه
10:24 فشهد مجالسه وسمع مواعظه
10:27 ووعى أقضيته وأحكامه
10:30 فكان من ألمع التلاميذ الذين أنجبتهم المدرسة العمرية
10:35 وأعمقهم تأثرا بمعلمها العبقري الفذ
10:39 ولقد قيل له ذات مرة
10:43 بما أوتيت ما أوتيت من الوقار والحكمة
10:47 فقال
10:49 بكلمات سمعتهن من عمر بن الخطاب حيث قال
10:54 من مزح استخف به
10:56 ومن أكثر من شيء عرف به
10:59 ومن كثر كلامه كثر سقطه
11:02 ومن كثر سقطه قل حياؤه
11:05 ومن قل حياؤه قل ورعه
11:08 ومن قل ورعه مات قلبه
11:12 وقد تسنم الأحنف ابن قيس قومه
11:17 على الرغم من أنه لم يكن من أعلاهم حسبا
11:21 ولا أجل لهم أما وأبا
11:24 ولكن سأله السائلون عن سر ذلك
11:27 فقال له أحدهم
11:29 من الذي يسوده قومه يا أبا بحر
11:33 فقال
11:35 من كان فيه أربع خصال
11:37 ساد قومه غير مدافع
11:40 فقيل له
11:42 وما هذه الخصال
11:44 فقال
11:45 من كان له دين يحجزه
11:48 وحسب يصونه
11:50 وعقل يرشده
11:51 وحياء يمنعه
11:53 والأحنف بعد ذلك
11:55 أحد حلماء العرب
11:57 الذين ضرب بحلمهم المثل
12:00 وقد بلغ من حلمه
12:02 أن عمر بن الأهتم أغرى رجلا
12:05 بسبه سبا مقذعا يثير الحفائر
12:08 لكن الأحنف ظل صامتا مطرقا
12:12 فلما رأى الرجل أنه لا يجيبه ولا يأبه له
12:16 أخذ إبهامه في فمه
12:19 وجعل يعضه وهو يقول
12:21 واسوأتاه
12:23 والله ما منعه من جوابي
12:26 إلا هواني عليه
12:28 واتفق أن كان الأحنف
12:30 يمشي في حواش البصرة
12:32 خاليا بنفسه
12:34 فتعرض له رجل
12:36 جعل يشتمه ويعيبه
12:38 ويسمعه قوارص الكلام
12:40 وهو ساكت ماغض في طريقه
12:43 فلما اقتربا من الناس
12:46 التفت إلى الرجل وقال
12:48 يبن أخي
12:50 إن كان قد بقي من كلامك فضلة
12:53 فقلها الآن
12:55 فإن قومي إذا سمعوا ما تقول
12:58 أصابك منهم أذى
13:00 وكان الأحنف فوق ذلك كله
13:05 عبادا صواما قواما
13:08 زاهدا بما في أيدي الناس
13:11 وكان إذا جن عليه الليل
13:14 أسرج مصباحه ووضعه قريبا منه
13:18 ووقف في محرابه يصلي
13:21 وهو يتململ تململ السقيم
13:24 ويبكي بكاء الثاكل
13:26 إشفاقا من عذاب الله
13:29 وخشية من غضبه
13:31 وكان كلما استشعر ذنبا من ذنوبه
13:34 أو لاح له عيب من عيوبه
13:37 قرب إصبعه من المصباح وقال
13:40 حس يا أحنف
13:42 ما حملك على أن فعلت كذا يوم كذا
13:46 ويحك يا أحنف
13:48 إذا كنت لا تطيق اليوم
13:50 لهب المصباح
13:52 ولا تصبر على حره
13:54 فكيف تطيق غدا لهب جهنم
13:57 وتصبر على أذاه
13:59 اللهم إن تغفر لي
14:01 فأنت أهل لذاك
14:03 وإن تعذبني
14:05 فأنا أهل لذاك
14:07 رضي الله عن الأحنف
14:11 ابن قيس وأرضاه
14:13 فقد كان رائعة من روائع الزمان
14:17 وضربا فريدا من الناس
14:20 إن الأحنف ابن قيس
14:26 بلغ من الشرف والسعدد
14:29 ما لا تنفعه الولاية
14:31 ولا يضره العزل
14:34 زياد بن أبي
14:37 غير المواقفا ومثالا
14:42 تبع الرسول إذا سعى أو قال
14:47 كانوا هنا يسقون غيم حياتنا
14:52 فهما هو فينا
14:54 ذكرهم يتعالى
14:57 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
15:02 هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:07 ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
15:12 وزهت بهم دنيا الأنا