صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (22) | طاووس بن كيسان رحمه الله (ج 2)

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:32 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو طالاً
0:13 جمهية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشر
0:26 رحمه الله
0:28 طاووس بن كيسان
0:32 رحمه الله
0:43 ما كاد خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك
0:47 يلقي رحاله في أكناف البيت العتيق
0:51 ويبل أشواقه إلى الكعبة المعظمة
0:54 حتى التفت إلى حاجبه وقال
0:57 إبتغي لنا عالم يفقهنا في الدين
1:01 ويذكرنا في هذا اليوم الأغر من أيام الله عز وجل
1:06 فمضى الحاجب إلى وجوه أهل الموسم
1:10 وطفق يسألهم عن بغية أمير المؤمنين
1:14 فقيل له
1:16 هذا طاووس بن كيسان
1:18 سيد فقهاء عصره
1:20 وأصدقهم لهجة في الدعوة إلى الله
1:23 فعليك به
1:25 فأقبل الحاجب على طاووس وقال
1:28 أجب دعوة أمير المؤمنين أيها الشيخ
1:32 فاستجاب طاووس له من غير إبطاء
1:36 ذلك أنه كان يؤمن بأن على الدعاة إلى الله تعالى
1:41 ألا تعرض لهم فرصة إلا اغتنموها
1:45 وألا تسنح لهم بادرة إلا ابتدروها
1:49 وكان يوقن أن أفضل كلمة تقال
1:53 هي كلمة حق أريد بها تقويم عوجاج ذوي السلطان
1:58 وتجنيبهم الحيف والجور
2:01 وتقريبهم من الله تعالى
2:06 مضى طاووس مع الحاجب
2:08 فلما دخل على أمير المؤمنين حياه
2:12 فرد الخليفة التحية بأحسن منها
2:16 وأكرم استقبال زائره وأدنى مجلسه
2:20 ثم أخذ يسائله عما أشكل عليه من مناسك الحج
2:24 وينصت إليه في توقير وإجلال
2:27 قال طاووس فلما شعرت أن أمير المؤمنين
2:32 قد بلغ بغيته
2:34 ولم يبق لديه ما يسأل عنه
2:37 قلت في نفسي إن هذا المجلس
2:40 لمجلس يسألك الله عنه يا طاووس
2:43 ثم توجهت إليه وقلت
2:46 يا أمير المؤمنين
2:49 إن صخرة كانت على شفير بئر
2:52 في قعر جهنم
2:54 وقد ظلت تهوي في هذه البئر سبعين خريفة
2:58 حتى بلغت قرارها
3:01 أتدري لمن أعد الله هذه البئر
3:04 من آبار جهنم يا أمير المؤمنين
3:07 فقال من غير رويه
3:10 لا ثم عاد إلى نفسه وقال
3:13 ويلك لمن أعدها
3:16 فقلت أعدها الله جل وعز
3:19 لمن أشركه في حكمه
3:21 فجار
3:23 فأخذت سليمان لذلك رعدة
3:26 ظننت معها أن روحه
3:29 ستصعد من بين جنبيه
3:31 وجعل يبكي
3:33 ولبكائه نشيج يقطع نياط القلوب
3:36 فتركته وانصرفت
3:39 وهو يجزيني خيرا
3:43 ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة
3:46 بعث إلى طاووس بن كيسان يقول
3:49 أو صني يا أبا عبد الرحمن
3:52 فكتب إليه طاووس رسالة
3:55 في سطر واحد قال فيها
3:58 إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله
4:01 فاستعمل أهل الخير
4:04 والسلام
4:06 فلما قرأ عمر الرسالة قال
4:09 كفى بها موعظة
4:12 كفى بها موعظة
4:16 ولما آلت الخلافة إله شام بن عبد الملك
4:19 كانت لطاووس بن كيسان معه
4:22 مواقف مشهورة مأثورة
4:25 من ذلك أنه شاما قدم
4:28 البيت الحرام حاجة
4:30 فلما صار في الحرم
4:32 قال لخاصته من أهل مكة
4:35 التمسوا لنا رجلا من صحابة
4:38 الرسول عليه الصلاة والسلام
4:41 فقالوا له إن الصحابة يا أمير
4:44 المؤمنين قد تلاحقوا بربهم
4:48 حتى لم يبق منهم أحد
4:51 فقال إذن فمن التابعين
4:54 فأتي بطاووس بن كيسان
4:57 فلما دخل عليه
5:00 خلعن عليه بحاشية بساطه
5:03 وسلم عليه من غير أن يدعوه
5:06 بأمير المؤمنين
5:08 وخاطبه باسمه دون أن يكنيه
5:11 وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس
5:14 فاستشاطه شام غضبا
5:17 حتى بدى الغيض في عينيه
5:20 ذلك أنه رأى في تصرفاته تلك
5:23 اجتراء عليه ونيلا من هيبته
5:26 أمام جلسائه ورجال حاشيته
5:29 بيد أنه ما لبث أن تذكر
5:32 أنه في حرم الله عز وجل
5:35 فرجع إلى نفسه وقال لطاووس
5:38 ما حملك يا طاووس على ما صنعت
5:41 فقال وما الذي صنعته
5:44 فعاد إلى الخليفة غضبه
5:47 وغيظه وقال
5:49 خلعتنا عليك بحاشية بساطي
5:52 ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين
5:55 وسميتني باسمي ولم تكنني
5:58 ثم جلست من غير إذني
6:01 فقال طاووس بهدو
6:04 أما خلعنا علي بحاشية بساطك
6:07 فأنا أخلعهما بين يدي رب العزة
6:10 كل يوم خمس مرات
6:13 فلا يعاتبني ولا يغضب علي
6:16 وأما قولك إني لم أسلم عليك
6:19 بإمرة المؤمنين فلأن جميع
6:22 المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك
6:25 وقد خشيت أن أكون كاذبا
6:28 إذا دعوتك بأمير المؤمنين
6:31 وأما ما أخذته علي من أني
6:34 ناديتك باسمك ولم أكنك
6:37 فقال ناد أنبياءه بأسمائهم
6:40 فقال يا داوود
6:43 يا يحيا يا عيسى
6:46 وكنا أعداءه فقال
6:49 تبت يدا أبي لهب وتب
6:52 وأما قولك إني جلست قبل أن تأذن لي
6:55 فإني سمعت أمير المؤمنين علي
6:58 بن أبي طالب يقول
7:01 إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل
7:04 فانظر إلى رجل جالس
7:07 وحوله قوم قيام بين يديه
7:10 فكرهت أن تكون ذلك الرجل
7:13 الذي عد من أهل النار
7:16 فأطرقه شام إلى الأرض خجلا
7:19 ثم رفع رأسه وقال
7:22 عظني يا أبا عبد الرحمن
7:25 فقال إني سمعت علي بن أبي طالب
7:28 رضي الله عنه يقول
7:32 وعقارب كالبغال
7:35 تلدغ كل راع لا يعدل في رعيته
7:38 ثم قام وانصرف
7:43 وكما كان طاووس يقبل على بعض أولي الأمر
7:46 تذكيرا لهم وتوجيها
7:49 فقد كان يعرض عن بعضهم الآخر
7:52 تبكيتا وتأنيبا
7:55 حدث ابنه قال
7:58 خرجنا ذات سنة مع أبي حجاجا من اليمن
8:01 فنزلنا في بعض المدن
8:04 وعليها عامل يقال له ابن نجيح
8:07 وكان من أخبث العمال
8:10 وأكثرهم جرأا على الحق
8:13 وأشدهم إيغالا في الباطل
8:16 فأتينا مسجد البلد نريد أداء المكتوبة
8:19 فإذا ابن نجيح قد علم بقدوم أبي
8:22 فجاء إلى المسجد
8:25 وقعد بين يديه وسلم عليه
8:28 لم يجبه أبي وأدار له ظهره
8:31 فأتاه عن يمينه وكلمه
8:34 فأعرض عنه
8:37 فعدل إلى يساره وكلمه
8:40 فأعرض عنه أيضا
8:43 فلما رأيت ذلك قمت إليه
8:46 ومددت يدي نحوه وسلمت عليه
8:49 وقلت له إن أبي لم يعرفك
8:52 فقال بل إن أباك يعرفني
8:55 وإن معرفته بي
8:58 هي التي جعلته يصنع ما رأيت
9:01 ثم مضى وهو ساكت لا يقول شيئا
9:04 فلما عدنا إلى المنزل
9:07 التفت إلي أبي وقال
9:10 يا لكع تسلق هؤلاء بألسنة حداد
9:13 في غيبتهم
9:16 فإذا حضروا خضعت لهم بالقول
9:19 وهل النفاق غير هذا
9:23 فطاووس بن كيسان لم يخص الخلفاء
9:26 والولاة بمواعظه
9:29 وإنما بذلها لكل من آنس به
9:32 حاجة إليها أو رغبة فيها
9:35 من ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح
9:38 قال رأاني طاووس بن كيسان
9:41 في موقف لم يرتح له
9:44 فقال يا عطاء
9:47 إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق
9:51 وأقام دونك حجابة
9:54 وإن مطلبها ممن أشرع لك أبوابة
9:57 وطالبك بأن تدعو وهو وعدك
10:00 بالإجابة
10:05 وكان يقول لابنه يا بني
10:08 صاحب العقلاء تنسب إليهم
10:11 وإن لم تكن منهم
10:14 ولا تصاحب الجهال
10:17 فإنك إن صحبتهم نسبت إليهم
10:20 وعلم أن لكل شيء غاية
10:23 وأن غاية المرئ تمام دينه
10:26 وكمال خلقه
10:29 وقد نشأ ابنه عبدالله
10:32 على ما رباه عليه أبوه
10:35 وتخلق بأخلاقه وسار بسيرته
10:38 من ذلك أن الخليفة العباسي
10:41 أبا جعفر المنصور
10:44 استدعى ولده عبدالله بن طاووس
10:47 فلما دخلوا عليه
10:50 وأخذوا مجلسيهما عنده
10:53 التفت الخليفة إلى عبدالله بن طاووس
10:56 وقال إروي لي شيئا مما كان
10:59 يحدثك به أبوك
11:02 فقال حدثني أبي
11:05 أن أشد الناس عذابا يوم القيامة
11:08 رجل أشركه الله عز وجل في سلطانه
11:11 فأدخل الجور في حكمه
11:15 فلما سمعت مقالته هذه
11:18 ضممت علي ثيابي
11:21 خوفا من أن يصيبني شيء من دمه
11:24 بيد أن أبا جعفر أمسك
11:27 ساعة لا يتكلم
11:30 ثم صرفنا بسلام
11:34 وقد امتدت الحياة بطاووس بن كيسان
11:37 حتى بلغ المئة أو جاوزها قليلا
11:40 غير أن الكبر والشيخوخة
11:43 كان من صفاء ذهنه وحدة خاطره
11:46 وسرعة بديهته
11:49 حدث عبد الله الشامي قال
11:52 أتيت طاووس في بيته لآخذ عنه
11:55 وأنا لا أعرفه
11:58 فلما طرقت الباب خرج إلي شيخ كبير
12:01 فحييته وقلت
12:04 أأنت طاووس بن كيسان
12:07 فقال بل أنا ابنه
12:10 فلا آمن أن يكون الشيخ قد هرم وخرف
12:13 وإني قصدته من أماكن بعيدة
12:16 لأفيد من علمه
12:19 فقال ويحك
12:22 إن حملت كتاب الله لا يخرفون
12:25 ادخل عليه
12:28 فدخلت على طاووس وسلمت
12:31 وقلت لقد أتيتك طالبا علمك
12:34 راغبا في نصحك
12:37 سأوجز
12:40 سأوجز ما وسعني الإيجاز إن شاء الله
12:43 فقال أتريد أن أجمع لك
12:46 صفوة ما في التوراة والزبور والإنجيل
12:49 والقرآن
12:52 فقلت نعم فقال
12:55 خف الله تعالى خوفا
12:58 بحيث لا يكون شيء أخوف لك منه
13:01 ورجه رجاء أشد من خوفك إياه
13:04 حب للناس ما تحب لنفسك
13:09 وفي ليلة العاشر من ذي الحجة
13:12 سنة ست ومائة
13:15 أفاض الشيخ المعمر طاووس بن كيسان
13:18 مع الحجيج من عرفات إلى المزدلفة
13:21 للمرة الأربعين
13:24 فلما حط رحاله في رحابها الطاهرة
13:27 وأدى المغرب مع العشاء
13:30 وأسلم جنبه إلى الأرض
13:34 أتاه اليقين
13:37 فلقيه بعيدا عن الأهل والوطن
13:40 تقربا لله
13:43 ملبيا محرما رجاء لثواب الله
13:46 خارجا من ذنوبه كما ولدته أمه
13:49 بفضل الله
13:52 فلما طلع عليه الصبح
13:55 وأرادوا دفنه
13:58 لم يتمكنوا من إخراج جنازته
14:02 فوجه إليهم أمير مكة حرسا
14:05 ليذود الناس عن الجنازة
14:08 حتى يتاح لهم دفنها
14:11 وقد صلى عليه خلق كثير
14:14 لا يحصي عددهم إلا الله
14:17 وكان في جملة المصلين
14:20 خليفة المسلمين
14:23 هشام بن عبد الملك
14:28 رأيتك يا أبا عبد الرحمن في الحلوم
14:33 والنبي صلى الله عليه وسلم على بابها
14:36 وهو يقول لك
14:39 اكشف قناعك
14:43 وبيّن قراءتك يا طاروس
15:04 ذكرهم يا تعالى
15:07 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
15:12 هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:17 ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
15:22 وزهت بهم دنيا الأناة