ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 9 من 16
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (22) | طاووس بن كيسان رحمه الله (ج 2)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو طالاً
0:13
جمهية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشر
0:26
رحمه الله
0:28
طاووس بن كيسان
0:32
رحمه الله
0:43
ما كاد خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك
0:47
يلقي رحاله في أكناف البيت العتيق
0:51
ويبل أشواقه إلى الكعبة المعظمة
0:54
حتى التفت إلى حاجبه وقال
0:57
إبتغي لنا عالم يفقهنا في الدين
1:01
ويذكرنا في هذا اليوم الأغر من أيام الله عز وجل
1:06
فمضى الحاجب إلى وجوه أهل الموسم
1:10
وطفق يسألهم عن بغية أمير المؤمنين
1:14
فقيل له
1:16
هذا طاووس بن كيسان
1:18
سيد فقهاء عصره
1:20
وأصدقهم لهجة في الدعوة إلى الله
1:23
فعليك به
1:25
فأقبل الحاجب على طاووس وقال
1:28
أجب دعوة أمير المؤمنين أيها الشيخ
1:32
فاستجاب طاووس له من غير إبطاء
1:36
ذلك أنه كان يؤمن بأن على الدعاة إلى الله تعالى
1:41
ألا تعرض لهم فرصة إلا اغتنموها
1:45
وألا تسنح لهم بادرة إلا ابتدروها
1:49
وكان يوقن أن أفضل كلمة تقال
1:53
هي كلمة حق أريد بها تقويم عوجاج ذوي السلطان
1:58
وتجنيبهم الحيف والجور
2:01
وتقريبهم من الله تعالى
2:06
مضى طاووس مع الحاجب
2:08
فلما دخل على أمير المؤمنين حياه
2:12
فرد الخليفة التحية بأحسن منها
2:16
وأكرم استقبال زائره وأدنى مجلسه
2:20
ثم أخذ يسائله عما أشكل عليه من مناسك الحج
2:24
وينصت إليه في توقير وإجلال
2:27
قال طاووس فلما شعرت أن أمير المؤمنين
2:32
قد بلغ بغيته
2:34
ولم يبق لديه ما يسأل عنه
2:37
قلت في نفسي إن هذا المجلس
2:40
لمجلس يسألك الله عنه يا طاووس
2:43
ثم توجهت إليه وقلت
2:46
يا أمير المؤمنين
2:49
إن صخرة كانت على شفير بئر
2:52
في قعر جهنم
2:54
وقد ظلت تهوي في هذه البئر سبعين خريفة
2:58
حتى بلغت قرارها
3:01
أتدري لمن أعد الله هذه البئر
3:04
من آبار جهنم يا أمير المؤمنين
3:07
فقال من غير رويه
3:10
لا ثم عاد إلى نفسه وقال
3:13
ويلك لمن أعدها
3:16
فقلت أعدها الله جل وعز
3:19
لمن أشركه في حكمه
3:21
فجار
3:23
فأخذت سليمان لذلك رعدة
3:26
ظننت معها أن روحه
3:29
ستصعد من بين جنبيه
3:31
وجعل يبكي
3:33
ولبكائه نشيج يقطع نياط القلوب
3:36
فتركته وانصرفت
3:39
وهو يجزيني خيرا
3:43
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة
3:46
بعث إلى طاووس بن كيسان يقول
3:49
أو صني يا أبا عبد الرحمن
3:52
فكتب إليه طاووس رسالة
3:55
في سطر واحد قال فيها
3:58
إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله
4:01
فاستعمل أهل الخير
4:04
والسلام
4:06
فلما قرأ عمر الرسالة قال
4:09
كفى بها موعظة
4:12
كفى بها موعظة
4:16
ولما آلت الخلافة إله شام بن عبد الملك
4:19
كانت لطاووس بن كيسان معه
4:22
مواقف مشهورة مأثورة
4:25
من ذلك أنه شاما قدم
4:28
البيت الحرام حاجة
4:30
فلما صار في الحرم
4:32
قال لخاصته من أهل مكة
4:35
التمسوا لنا رجلا من صحابة
4:38
الرسول عليه الصلاة والسلام
4:41
فقالوا له إن الصحابة يا أمير
4:44
المؤمنين قد تلاحقوا بربهم
4:48
حتى لم يبق منهم أحد
4:51
فقال إذن فمن التابعين
4:54
فأتي بطاووس بن كيسان
4:57
فلما دخل عليه
5:00
خلعن عليه بحاشية بساطه
5:03
وسلم عليه من غير أن يدعوه
5:06
بأمير المؤمنين
5:08
وخاطبه باسمه دون أن يكنيه
5:11
وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس
5:14
فاستشاطه شام غضبا
5:17
حتى بدى الغيض في عينيه
5:20
ذلك أنه رأى في تصرفاته تلك
5:23
اجتراء عليه ونيلا من هيبته
5:26
أمام جلسائه ورجال حاشيته
5:29
بيد أنه ما لبث أن تذكر
5:32
أنه في حرم الله عز وجل
5:35
فرجع إلى نفسه وقال لطاووس
5:38
ما حملك يا طاووس على ما صنعت
5:41
فقال وما الذي صنعته
5:44
فعاد إلى الخليفة غضبه
5:47
وغيظه وقال
5:49
خلعتنا عليك بحاشية بساطي
5:52
ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين
5:55
وسميتني باسمي ولم تكنني
5:58
ثم جلست من غير إذني
6:01
فقال طاووس بهدو
6:04
أما خلعنا علي بحاشية بساطك
6:07
فأنا أخلعهما بين يدي رب العزة
6:10
كل يوم خمس مرات
6:13
فلا يعاتبني ولا يغضب علي
6:16
وأما قولك إني لم أسلم عليك
6:19
بإمرة المؤمنين فلأن جميع
6:22
المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك
6:25
وقد خشيت أن أكون كاذبا
6:28
إذا دعوتك بأمير المؤمنين
6:31
وأما ما أخذته علي من أني
6:34
ناديتك باسمك ولم أكنك
6:37
فقال ناد أنبياءه بأسمائهم
6:40
فقال يا داوود
6:43
يا يحيا يا عيسى
6:46
وكنا أعداءه فقال
6:49
تبت يدا أبي لهب وتب
6:52
وأما قولك إني جلست قبل أن تأذن لي
6:55
فإني سمعت أمير المؤمنين علي
6:58
بن أبي طالب يقول
7:01
إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل
7:04
فانظر إلى رجل جالس
7:07
وحوله قوم قيام بين يديه
7:10
فكرهت أن تكون ذلك الرجل
7:13
الذي عد من أهل النار
7:16
فأطرقه شام إلى الأرض خجلا
7:19
ثم رفع رأسه وقال
7:22
عظني يا أبا عبد الرحمن
7:25
فقال إني سمعت علي بن أبي طالب
7:28
رضي الله عنه يقول
7:32
وعقارب كالبغال
7:35
تلدغ كل راع لا يعدل في رعيته
7:38
ثم قام وانصرف
7:43
وكما كان طاووس يقبل على بعض أولي الأمر
7:46
تذكيرا لهم وتوجيها
7:49
فقد كان يعرض عن بعضهم الآخر
7:52
تبكيتا وتأنيبا
7:55
حدث ابنه قال
7:58
خرجنا ذات سنة مع أبي حجاجا من اليمن
8:01
فنزلنا في بعض المدن
8:04
وعليها عامل يقال له ابن نجيح
8:07
وكان من أخبث العمال
8:10
وأكثرهم جرأا على الحق
8:13
وأشدهم إيغالا في الباطل
8:16
فأتينا مسجد البلد نريد أداء المكتوبة
8:19
فإذا ابن نجيح قد علم بقدوم أبي
8:22
فجاء إلى المسجد
8:25
وقعد بين يديه وسلم عليه
8:28
لم يجبه أبي وأدار له ظهره
8:31
فأتاه عن يمينه وكلمه
8:34
فأعرض عنه
8:37
فعدل إلى يساره وكلمه
8:40
فأعرض عنه أيضا
8:43
فلما رأيت ذلك قمت إليه
8:46
ومددت يدي نحوه وسلمت عليه
8:49
وقلت له إن أبي لم يعرفك
8:52
فقال بل إن أباك يعرفني
8:55
وإن معرفته بي
8:58
هي التي جعلته يصنع ما رأيت
9:01
ثم مضى وهو ساكت لا يقول شيئا
9:04
فلما عدنا إلى المنزل
9:07
التفت إلي أبي وقال
9:10
يا لكع تسلق هؤلاء بألسنة حداد
9:13
في غيبتهم
9:16
فإذا حضروا خضعت لهم بالقول
9:19
وهل النفاق غير هذا
9:23
فطاووس بن كيسان لم يخص الخلفاء
9:26
والولاة بمواعظه
9:29
وإنما بذلها لكل من آنس به
9:32
حاجة إليها أو رغبة فيها
9:35
من ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح
9:38
قال رأاني طاووس بن كيسان
9:41
في موقف لم يرتح له
9:44
فقال يا عطاء
9:47
إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق
9:51
وأقام دونك حجابة
9:54
وإن مطلبها ممن أشرع لك أبوابة
9:57
وطالبك بأن تدعو وهو وعدك
10:00
بالإجابة
10:05
وكان يقول لابنه يا بني
10:08
صاحب العقلاء تنسب إليهم
10:11
وإن لم تكن منهم
10:14
ولا تصاحب الجهال
10:17
فإنك إن صحبتهم نسبت إليهم
10:20
وعلم أن لكل شيء غاية
10:23
وأن غاية المرئ تمام دينه
10:26
وكمال خلقه
10:29
وقد نشأ ابنه عبدالله
10:32
على ما رباه عليه أبوه
10:35
وتخلق بأخلاقه وسار بسيرته
10:38
من ذلك أن الخليفة العباسي
10:41
أبا جعفر المنصور
10:44
استدعى ولده عبدالله بن طاووس
10:47
فلما دخلوا عليه
10:50
وأخذوا مجلسيهما عنده
10:53
التفت الخليفة إلى عبدالله بن طاووس
10:56
وقال إروي لي شيئا مما كان
10:59
يحدثك به أبوك
11:02
فقال حدثني أبي
11:05
أن أشد الناس عذابا يوم القيامة
11:08
رجل أشركه الله عز وجل في سلطانه
11:11
فأدخل الجور في حكمه
11:15
فلما سمعت مقالته هذه
11:18
ضممت علي ثيابي
11:21
خوفا من أن يصيبني شيء من دمه
11:24
بيد أن أبا جعفر أمسك
11:27
ساعة لا يتكلم
11:30
ثم صرفنا بسلام
11:34
وقد امتدت الحياة بطاووس بن كيسان
11:37
حتى بلغ المئة أو جاوزها قليلا
11:40
غير أن الكبر والشيخوخة
11:43
كان من صفاء ذهنه وحدة خاطره
11:46
وسرعة بديهته
11:49
حدث عبد الله الشامي قال
11:52
أتيت طاووس في بيته لآخذ عنه
11:55
وأنا لا أعرفه
11:58
فلما طرقت الباب خرج إلي شيخ كبير
12:01
فحييته وقلت
12:04
أأنت طاووس بن كيسان
12:07
فقال بل أنا ابنه
12:10
فلا آمن أن يكون الشيخ قد هرم وخرف
12:13
وإني قصدته من أماكن بعيدة
12:16
لأفيد من علمه
12:19
فقال ويحك
12:22
إن حملت كتاب الله لا يخرفون
12:25
ادخل عليه
12:28
فدخلت على طاووس وسلمت
12:31
وقلت لقد أتيتك طالبا علمك
12:34
راغبا في نصحك
12:37
سأوجز
12:40
سأوجز ما وسعني الإيجاز إن شاء الله
12:43
فقال أتريد أن أجمع لك
12:46
صفوة ما في التوراة والزبور والإنجيل
12:49
والقرآن
12:52
فقلت نعم فقال
12:55
خف الله تعالى خوفا
12:58
بحيث لا يكون شيء أخوف لك منه
13:01
ورجه رجاء أشد من خوفك إياه
13:04
حب للناس ما تحب لنفسك
13:09
وفي ليلة العاشر من ذي الحجة
13:12
سنة ست ومائة
13:15
أفاض الشيخ المعمر طاووس بن كيسان
13:18
مع الحجيج من عرفات إلى المزدلفة
13:21
للمرة الأربعين
13:24
فلما حط رحاله في رحابها الطاهرة
13:27
وأدى المغرب مع العشاء
13:30
وأسلم جنبه إلى الأرض
13:34
أتاه اليقين
13:37
فلقيه بعيدا عن الأهل والوطن
13:40
تقربا لله
13:43
ملبيا محرما رجاء لثواب الله
13:46
خارجا من ذنوبه كما ولدته أمه
13:49
بفضل الله
13:52
فلما طلع عليه الصبح
13:55
وأرادوا دفنه
13:58
لم يتمكنوا من إخراج جنازته
14:02
فوجه إليهم أمير مكة حرسا
14:05
ليذود الناس عن الجنازة
14:08
حتى يتاح لهم دفنها
14:11
وقد صلى عليه خلق كثير
14:14
لا يحصي عددهم إلا الله
14:17
وكان في جملة المصلين
14:20
خليفة المسلمين
14:23
هشام بن عبد الملك
14:28
رأيتك يا أبا عبد الرحمن في الحلوم
14:33
والنبي صلى الله عليه وسلم على بابها
14:36
وهو يقول لك
14:39
اكشف قناعك
14:43
وبيّن قراءتك يا طاروس
15:04
ذكرهم يا تعالى
15:07
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
15:12
هل مثلهم نجم سما وتلالا
15:17
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
15:22
وزهت بهم دنيا الأناة