صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (17) | محمد بن واسع الأزدي رحمه الله (ج1)

◉ 0 مشاهدة ⏱ 14:05 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالاً
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25 رحمه الله
0:27 رحمد بن واسع الأزدي
0:32 رحمه الله
0:43 نحن الآن في خلافة أمير المؤمنين
0:46 سليمان بن عبد الملك
0:48 وهذا يزيد بن المهلب بن أبي صفرى
0:51 أحد سيوف الإسلام المسلولة
0:54 ووالي خراسان العتيد
0:57 ينهد بجيشه البالغ مئة ألف مقاتل
1:01 عدى المتطوعين من طلاب الشهادة ورغا بالمثوبة
1:06 وقد عقد العزم على فتح جرجان وطبرستان
1:11 وكان في طليعة المتطوعين معه
1:14 التابعي الجليل محمد بن واسع الأزدي البصري
1:19 الملقب بزين الفقهاء
1:22 المعروف بعابد البصرة
1:25 وتلميذ الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري
1:30 خادم الرسول عليه الصلاة والسلام
1:35 نزل يزيد بن المهلب بجيشه على دهستان
1:39 وكان يقطنها قوم من الترك
1:42 شديد بأسهم
1:44 قوي مراسهم
1:46 منيعة حصونهم
1:48 فكانوا يخرجون لقتال المسلمين كل يوم
1:52 فإذا نال منهم الجهد
1:54 أو اشتد عليهم البأس
1:56 انحازوا إلى معاقلهم في شعاب الجبال
2:00 وتحصنوا بحصونها المنيعة
2:03 ولا ذوب ذراها الرفيعة
2:06 وقد كان لمحمد بن واسع الأزدي
2:09 مقام كبير في هذه الحرب
2:12 على الرغم من ضعف بنيته وتقدم سنه
2:16 فلقد كان جند المسلمين يستررحون
2:19 بنور الإيمان الذي يتهلل من وجهه السمح
2:23 وينشطون لحرارة الذكر
2:26 التي تشع من لسانه العذب
2:29 ويطمئنون إلى دعواته المستجابة
2:32 في لحظات الشدة والكرب
2:35 وكان من شأنه
2:37 إذا أنشب قائد الجيش القتال
2:40 أن ينادي
2:42 يا خيل الله ركبي
2:44 يا خيل الله ركبي
2:46 فلا يكاد جند المسلمين
2:48 يسمعون نداءه
2:50 حتى يهبوا إلى قتال عدوهم
2:53 كما تهب الأسود المستنفرة
2:56 ويقبلوا على ساحة الوغى
2:59 إقبال الضماء على الماء البرود
3:02 في اليوم القائظ
3:04 وفي ذات معركة من تلك المعارك
3:08 الطاحنة الضروس
3:10 برز من صفوف الأعداء فارس
3:13 لم تقع العين على أجسم منه جسامه
3:17 ولا أشد منه قوة
3:19 ولا أوفى جرأة ولا أمضى عزما
3:23 وطفق يصول بين الصفوف ويجول
3:26 حتى نحى المسلمين عن مواقعهم
3:29 وبعث الخشية والهيبة في قلوبهم
3:33 ثم جعل يدعوهم إلى المبارزة
3:36 متحديا مستكبرا
3:38 ويلح في الدعاء
3:40 فما كان من محمد بن واسع
3:43 إلا أن هم بأن يبرز له
3:46 عند ذلك دبت الحمية في نفوس فرسان المسلمين
3:51 وأقبل على الشيخ واحد منهم
3:54 وأقسم عليه بأن لا يفعل
3:57 وسأله بأن يترك له ذلك
4:00 فأبر الشيخ قسمه
4:02 ودعا له بالنصر والتأييد
4:05 أقبل كل من الفارسين على عدوه
4:08 إقبال المنون
4:10 وتصاولا مصاولة أسدين خادرين
4:14 فتعلقت بهما عيون الجند وقلوبهم من كل مكان
4:19 واستمر ساعة يتصاولان ويتجاولان
4:23 حتى أخذ الجهد منهما كلما أخذ
4:27 ثم اختلفا ضربتين بسيفيهما على رأسيهما في لحظة واحدة
4:33 فثبت سيف التركي في حديد بيضة الفارس المسلم
4:38 ونزل سيف المسلم على جبين الفارس التركي
4:42 فشطر رأسه شطرين
4:45 وفلق هامته في القتين
4:48 ثم عاد الفارس المنتصر إلى صفوف المسلمين
4:52 في منظر لم تشهد العين مثله قط
4:56 فسيف في يده يقطر دمى
4:59 وسيف مثبة في خوذته يلتمع تحت أشعة الشمس
5:05 فاستقبله المسلمون بالتهليل والتكبير والتحميد
5:10 ونظر يزيد بن المهلب إلى اتلاق السيفين والبيضة والسلاح على الرجل
5:17 فقال لله أبوه من فارس أي رجل هذا
5:23 فقيل له إنه رجل باركته دعوات محمد بن واسعين الأزدي
5:30 انقلب ميزان القوى بعد مصرع الفارس التركي
5:37 فسر الجزع والهلع في نفوس المشركين سريان النار في الهشيم
5:43 والطرمت نيران النخوة والعزة في صدور المسلمين
5:48 فأقبلوا على أعداء الله إقبال السيل
5:52 وأحاطوا بهم إحاطة الغل بالعنق
5:55 وقطعوا عنهم الماء والميرة
5:58 فلم يجد ملكهم بد من المصالحة
6:02 فبعث إلى يزيد يعرض عليه الصلح
6:05 ويعلن استعداده لتسليمه ما في يده من البلاد
6:10 بكل ما فيها ومن فيها
6:13 على أن يؤمنه على نفسه وماله وأهل بيته
6:18 فقبل يزيد مصالحته
6:20 واشترط عليه أن يقدم له سبعمائة ألف درهم مقسطة
6:26 وأن ينقده أربعمائة ألف معجلة
6:29 وأن يقدم له أربعمائة دابة محملة زعفرانا
6:34 وأن يسوق له أربعمائة رجل
6:37 في يد كل واحد منهم جام من الفضة
6:41 وعلى رأسه برنس من الخز
6:44 وعلى البرنس طيل سان من القطيفة
6:47 وسرقة من الحرير
6:49 لتلبسها نساء الجند
6:52 ولما وضعت المعارك أوزارها
6:57 قال يزيد بن المهلب لخازنه
7:00 أحصلنا الغنائم
7:02 حتى نعطي كل ذي حق حقه
7:05 فحاول الخازن ومن معه أن يحصوها
7:09 فعجزوا عن ذلك
7:11 فقسمت الغنائم بين الجند قسمة قائمة على التسامح
7:16 وقد وجد المسلمون في هذه الغنائم
7:20 تاجا مصوغا من خارص الذهب
7:23 محلا بالدر والجوهر
7:26 مزخرفا بروائع النقوش
7:29 فتطاولت نحوه الرقاب
7:31 وتسمرت على لآلئه العيون
7:34 فأخذه يزيد بيده
7:37 ورفعه حتى يراه من لم يستطع رؤيته من الجند
7:42 ثم قال
7:44 أترون أن أحدا يزهد في هذا التاج
7:47 فقالوا أصلح الله الأمير
7:51 ومن ذا الذي يزهد به
7:53 فقال
7:55 سترون أنه ما زال في أمة محمد عليه الصلاة والسلام
8:00 من يزهد به
8:02 وبملء الأرض من مثله
8:05 ثم التفت إلى حاجبه وقال
8:08 التمس لنا محمد بن واسع الأزدي
8:12 فانطلق الحاجب يبحث عنه في كل جهة
8:16 فألفاه قد انتحى مكانا قصيا عن الناس
8:20 وانتصب قائما يتنفل ويدعو
8:23 ويبتهل ويستغفر
8:26 فأقبل عليه وقال
8:28 إن الأمير يدعوك للقائه
8:31 ويسألك أن تمضي إليه الساعة
8:34 فمضى مع الحاجب
8:37 حتى إذا صار عند الأمير
8:40 حيا وجلس قريبا منه
8:43 فرد الأمير التحية بأحسن منها
8:46 ثم رفع التاج بيده وقال
8:49 يا أبا عبد الله
8:51 إن جند المسلمين قد ظفروا بهذا التاج الثمين
8:56 وقد رأيت أن أوثرك به
8:59 وأن أجعله من نصيبك
9:01 فطابت نفوس الجند بذلك
9:04 فقال
9:06 تجعله من نصيبي أنا أيها الأمير
9:09 فقال نعم من نصيبك أنت
9:12 فقال
9:14 لا حاجة لي به أيها الأمير
9:17 وجزيت وإياهم عني خيرا
9:20 فقال
9:22 أقسمت عليك بالله لتأخذنه
9:25 فلما وقع قسم الأمير
9:27 أخذ محمد بن واسع التاج
9:30 ثم استأذنه وانصرف
9:33 فقال بعض الذين لا يعرفون الشيخ
9:36 ها هو ذا قد استأثر بالتاج ومضابه
9:40 فأمر يزيد غلاما من غلمانه
9:43 أن يتبعه مستخفيا عنه
9:46 وأن ينظر ماذا يصنع بالتاج
9:49 وأن يأتيه بخبره
9:51 فتبعه الغلام
9:53 وهو لا يدري به
9:56 مضى محمد بن واسع في طريقه
9:59 والتاج في يده
10:01 فعرض له رجل أشعث أغبر
10:04 زري الهيئة
10:06 فسأله قائلا
10:08 من ما لله
10:10 فنظر الشيخ عن يمينه وعن شماله ومن خلفه
10:14 فلما استيقن أن أحدا لا يراه
10:17 دفع بالتاج إلى السائل
10:20 ثم انطلق فريحا جذلا
10:23 لما ألقى عن كاهله عبأ
10:25 كان يثقل ظهره
10:27 فأمسك الغلام بيد السائل
10:30 وأتى به الأمير
10:32 وقص عليه خبره
10:34 فأخذ الأمير التاج من السائل
10:37 وعوض عليه بمال وفير حتى أرضاه
10:41 ثم التفت إلى الجند وقال
10:44 أما قلت لكم إنه ما زال في أمة محمد
10:48 عليه الصلاة والسلام من يزهد بهذا التاج
10:52 أمثال أمثاله
10:56 ظل محمد بن واسع الأزدي
10:59 يجاهد المشركين تحت راية يزيد بن المهلب
11:03 حتى اقترب موعد الحج
11:06 فلما لم يبق أمامه غير وقت قصير
11:10 دخل على يزيد
11:12 واستأذنه في الانصراف إلى القيام بالنسك
11:16 فقال له يزيد
11:18 إذنك بيدك يا أبا عبد الله
11:21 فامضي متى شئت
11:23 قرنا لك بمبلغ من المال
11:25 يعينك على حجك
11:27 فقال له
11:29 وهل ستأمر بمثل هذا المال لكل جندي من جنودك أيها الأمير
11:35 فقال لا
11:37 فقال لا حاجة لي بشيء أخص به من دون جند المسلمين
11:43 ثم ودعه وانصرف
11:48 شق سفر محمد بن واسع الأزدي على يزيد بن المهلب
11:53 كما شق على جند المسلمين الذين حضوا بصحبته
11:58 وأسفوا لحرمان جيشهم الظافر من بركاته
12:02 وتمنوا عليه أن يعود إليهم حين يفرغوا من قضاء نسكه
12:08 ولا غروا
12:09 فقد كان قواد المسلمين المنتشرون في أرجاء المعمورة
12:14 يحرصون أشد الحرص على أن يكون عابد البصرة
12:19 محمد بن واسع الأزدي في عداد جيشهم
12:24 وكانوا يستبشرون بوجوده معهم خيرا كثيرا
12:29 ويرجون الله عز وجل أن يهبهم النصر المؤزر بصالح دعواته وجزيل بركاته
12:38 وبعد
12:40 فما أكرم هذه النفوس التي كانت صغيرة في عيون أنفسها
12:46 كبيرة عند الله والناس
12:49 وما أجل هذا التاريخ الذي ظفر بهؤلاء الأفذاذ من روائع الرجال
12:56 وإلى لقاء آخر مع عابد البصرة محمد بن واسع الأزدي
13:03 للأمراء قراء
13:08 وللأغنياء قراء
13:12 وإن محمد بن واسع لمن قراء الرحمن
13:17 مالك بن دينا
13:20 مواقفا ومثالا
13:25 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
13:30 كانوا هنا يسقون غيما حياتنا
13:35 فما مو فينا ذكرهم يتعالا
13:40 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
13:46 هل مثلهم نجم سما وتلالا
13:51 ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
13:56 وزهت بهم دنيا الأنا