ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 3 من 13
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (17) | محمد بن واسع الأزدي رحمه الله (ج1)
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالاً
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:25
رحمه الله
0:27
رحمد بن واسع الأزدي
0:32
رحمه الله
0:43
نحن الآن في خلافة أمير المؤمنين
0:46
سليمان بن عبد الملك
0:48
وهذا يزيد بن المهلب بن أبي صفرى
0:51
أحد سيوف الإسلام المسلولة
0:54
ووالي خراسان العتيد
0:57
ينهد بجيشه البالغ مئة ألف مقاتل
1:01
عدى المتطوعين من طلاب الشهادة ورغا بالمثوبة
1:06
وقد عقد العزم على فتح جرجان وطبرستان
1:11
وكان في طليعة المتطوعين معه
1:14
التابعي الجليل محمد بن واسع الأزدي البصري
1:19
الملقب بزين الفقهاء
1:22
المعروف بعابد البصرة
1:25
وتلميذ الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري
1:30
خادم الرسول عليه الصلاة والسلام
1:35
نزل يزيد بن المهلب بجيشه على دهستان
1:39
وكان يقطنها قوم من الترك
1:42
شديد بأسهم
1:44
قوي مراسهم
1:46
منيعة حصونهم
1:48
فكانوا يخرجون لقتال المسلمين كل يوم
1:52
فإذا نال منهم الجهد
1:54
أو اشتد عليهم البأس
1:56
انحازوا إلى معاقلهم في شعاب الجبال
2:00
وتحصنوا بحصونها المنيعة
2:03
ولا ذوب ذراها الرفيعة
2:06
وقد كان لمحمد بن واسع الأزدي
2:09
مقام كبير في هذه الحرب
2:12
على الرغم من ضعف بنيته وتقدم سنه
2:16
فلقد كان جند المسلمين يستررحون
2:19
بنور الإيمان الذي يتهلل من وجهه السمح
2:23
وينشطون لحرارة الذكر
2:26
التي تشع من لسانه العذب
2:29
ويطمئنون إلى دعواته المستجابة
2:32
في لحظات الشدة والكرب
2:35
وكان من شأنه
2:37
إذا أنشب قائد الجيش القتال
2:40
أن ينادي
2:42
يا خيل الله ركبي
2:44
يا خيل الله ركبي
2:46
فلا يكاد جند المسلمين
2:48
يسمعون نداءه
2:50
حتى يهبوا إلى قتال عدوهم
2:53
كما تهب الأسود المستنفرة
2:56
ويقبلوا على ساحة الوغى
2:59
إقبال الضماء على الماء البرود
3:02
في اليوم القائظ
3:04
وفي ذات معركة من تلك المعارك
3:08
الطاحنة الضروس
3:10
برز من صفوف الأعداء فارس
3:13
لم تقع العين على أجسم منه جسامه
3:17
ولا أشد منه قوة
3:19
ولا أوفى جرأة ولا أمضى عزما
3:23
وطفق يصول بين الصفوف ويجول
3:26
حتى نحى المسلمين عن مواقعهم
3:29
وبعث الخشية والهيبة في قلوبهم
3:33
ثم جعل يدعوهم إلى المبارزة
3:36
متحديا مستكبرا
3:38
ويلح في الدعاء
3:40
فما كان من محمد بن واسع
3:43
إلا أن هم بأن يبرز له
3:46
عند ذلك دبت الحمية في نفوس فرسان المسلمين
3:51
وأقبل على الشيخ واحد منهم
3:54
وأقسم عليه بأن لا يفعل
3:57
وسأله بأن يترك له ذلك
4:00
فأبر الشيخ قسمه
4:02
ودعا له بالنصر والتأييد
4:05
أقبل كل من الفارسين على عدوه
4:08
إقبال المنون
4:10
وتصاولا مصاولة أسدين خادرين
4:14
فتعلقت بهما عيون الجند وقلوبهم من كل مكان
4:19
واستمر ساعة يتصاولان ويتجاولان
4:23
حتى أخذ الجهد منهما كلما أخذ
4:27
ثم اختلفا ضربتين بسيفيهما على رأسيهما في لحظة واحدة
4:33
فثبت سيف التركي في حديد بيضة الفارس المسلم
4:38
ونزل سيف المسلم على جبين الفارس التركي
4:42
فشطر رأسه شطرين
4:45
وفلق هامته في القتين
4:48
ثم عاد الفارس المنتصر إلى صفوف المسلمين
4:52
في منظر لم تشهد العين مثله قط
4:56
فسيف في يده يقطر دمى
4:59
وسيف مثبة في خوذته يلتمع تحت أشعة الشمس
5:05
فاستقبله المسلمون بالتهليل والتكبير والتحميد
5:10
ونظر يزيد بن المهلب إلى اتلاق السيفين والبيضة والسلاح على الرجل
5:17
فقال لله أبوه من فارس أي رجل هذا
5:23
فقيل له إنه رجل باركته دعوات محمد بن واسعين الأزدي
5:30
انقلب ميزان القوى بعد مصرع الفارس التركي
5:37
فسر الجزع والهلع في نفوس المشركين سريان النار في الهشيم
5:43
والطرمت نيران النخوة والعزة في صدور المسلمين
5:48
فأقبلوا على أعداء الله إقبال السيل
5:52
وأحاطوا بهم إحاطة الغل بالعنق
5:55
وقطعوا عنهم الماء والميرة
5:58
فلم يجد ملكهم بد من المصالحة
6:02
فبعث إلى يزيد يعرض عليه الصلح
6:05
ويعلن استعداده لتسليمه ما في يده من البلاد
6:10
بكل ما فيها ومن فيها
6:13
على أن يؤمنه على نفسه وماله وأهل بيته
6:18
فقبل يزيد مصالحته
6:20
واشترط عليه أن يقدم له سبعمائة ألف درهم مقسطة
6:26
وأن ينقده أربعمائة ألف معجلة
6:29
وأن يقدم له أربعمائة دابة محملة زعفرانا
6:34
وأن يسوق له أربعمائة رجل
6:37
في يد كل واحد منهم جام من الفضة
6:41
وعلى رأسه برنس من الخز
6:44
وعلى البرنس طيل سان من القطيفة
6:47
وسرقة من الحرير
6:49
لتلبسها نساء الجند
6:52
ولما وضعت المعارك أوزارها
6:57
قال يزيد بن المهلب لخازنه
7:00
أحصلنا الغنائم
7:02
حتى نعطي كل ذي حق حقه
7:05
فحاول الخازن ومن معه أن يحصوها
7:09
فعجزوا عن ذلك
7:11
فقسمت الغنائم بين الجند قسمة قائمة على التسامح
7:16
وقد وجد المسلمون في هذه الغنائم
7:20
تاجا مصوغا من خارص الذهب
7:23
محلا بالدر والجوهر
7:26
مزخرفا بروائع النقوش
7:29
فتطاولت نحوه الرقاب
7:31
وتسمرت على لآلئه العيون
7:34
فأخذه يزيد بيده
7:37
ورفعه حتى يراه من لم يستطع رؤيته من الجند
7:42
ثم قال
7:44
أترون أن أحدا يزهد في هذا التاج
7:47
فقالوا أصلح الله الأمير
7:51
ومن ذا الذي يزهد به
7:53
فقال
7:55
سترون أنه ما زال في أمة محمد عليه الصلاة والسلام
8:00
من يزهد به
8:02
وبملء الأرض من مثله
8:05
ثم التفت إلى حاجبه وقال
8:08
التمس لنا محمد بن واسع الأزدي
8:12
فانطلق الحاجب يبحث عنه في كل جهة
8:16
فألفاه قد انتحى مكانا قصيا عن الناس
8:20
وانتصب قائما يتنفل ويدعو
8:23
ويبتهل ويستغفر
8:26
فأقبل عليه وقال
8:28
إن الأمير يدعوك للقائه
8:31
ويسألك أن تمضي إليه الساعة
8:34
فمضى مع الحاجب
8:37
حتى إذا صار عند الأمير
8:40
حيا وجلس قريبا منه
8:43
فرد الأمير التحية بأحسن منها
8:46
ثم رفع التاج بيده وقال
8:49
يا أبا عبد الله
8:51
إن جند المسلمين قد ظفروا بهذا التاج الثمين
8:56
وقد رأيت أن أوثرك به
8:59
وأن أجعله من نصيبك
9:01
فطابت نفوس الجند بذلك
9:04
فقال
9:06
تجعله من نصيبي أنا أيها الأمير
9:09
فقال نعم من نصيبك أنت
9:12
فقال
9:14
لا حاجة لي به أيها الأمير
9:17
وجزيت وإياهم عني خيرا
9:20
فقال
9:22
أقسمت عليك بالله لتأخذنه
9:25
فلما وقع قسم الأمير
9:27
أخذ محمد بن واسع التاج
9:30
ثم استأذنه وانصرف
9:33
فقال بعض الذين لا يعرفون الشيخ
9:36
ها هو ذا قد استأثر بالتاج ومضابه
9:40
فأمر يزيد غلاما من غلمانه
9:43
أن يتبعه مستخفيا عنه
9:46
وأن ينظر ماذا يصنع بالتاج
9:49
وأن يأتيه بخبره
9:51
فتبعه الغلام
9:53
وهو لا يدري به
9:56
مضى محمد بن واسع في طريقه
9:59
والتاج في يده
10:01
فعرض له رجل أشعث أغبر
10:04
زري الهيئة
10:06
فسأله قائلا
10:08
من ما لله
10:10
فنظر الشيخ عن يمينه وعن شماله ومن خلفه
10:14
فلما استيقن أن أحدا لا يراه
10:17
دفع بالتاج إلى السائل
10:20
ثم انطلق فريحا جذلا
10:23
لما ألقى عن كاهله عبأ
10:25
كان يثقل ظهره
10:27
فأمسك الغلام بيد السائل
10:30
وأتى به الأمير
10:32
وقص عليه خبره
10:34
فأخذ الأمير التاج من السائل
10:37
وعوض عليه بمال وفير حتى أرضاه
10:41
ثم التفت إلى الجند وقال
10:44
أما قلت لكم إنه ما زال في أمة محمد
10:48
عليه الصلاة والسلام من يزهد بهذا التاج
10:52
أمثال أمثاله
10:56
ظل محمد بن واسع الأزدي
10:59
يجاهد المشركين تحت راية يزيد بن المهلب
11:03
حتى اقترب موعد الحج
11:06
فلما لم يبق أمامه غير وقت قصير
11:10
دخل على يزيد
11:12
واستأذنه في الانصراف إلى القيام بالنسك
11:16
فقال له يزيد
11:18
إذنك بيدك يا أبا عبد الله
11:21
فامضي متى شئت
11:23
قرنا لك بمبلغ من المال
11:25
يعينك على حجك
11:27
فقال له
11:29
وهل ستأمر بمثل هذا المال لكل جندي من جنودك أيها الأمير
11:35
فقال لا
11:37
فقال لا حاجة لي بشيء أخص به من دون جند المسلمين
11:43
ثم ودعه وانصرف
11:48
شق سفر محمد بن واسع الأزدي على يزيد بن المهلب
11:53
كما شق على جند المسلمين الذين حضوا بصحبته
11:58
وأسفوا لحرمان جيشهم الظافر من بركاته
12:02
وتمنوا عليه أن يعود إليهم حين يفرغوا من قضاء نسكه
12:08
ولا غروا
12:09
فقد كان قواد المسلمين المنتشرون في أرجاء المعمورة
12:14
يحرصون أشد الحرص على أن يكون عابد البصرة
12:19
محمد بن واسع الأزدي في عداد جيشهم
12:24
وكانوا يستبشرون بوجوده معهم خيرا كثيرا
12:29
ويرجون الله عز وجل أن يهبهم النصر المؤزر بصالح دعواته وجزيل بركاته
12:38
وبعد
12:40
فما أكرم هذه النفوس التي كانت صغيرة في عيون أنفسها
12:46
كبيرة عند الله والناس
12:49
وما أجل هذا التاريخ الذي ظفر بهؤلاء الأفذاذ من روائع الرجال
12:56
وإلى لقاء آخر مع عابد البصرة محمد بن واسع الأزدي
13:03
للأمراء قراء
13:08
وللأغنياء قراء
13:12
وإن محمد بن واسع لمن قراء الرحمن
13:17
مالك بن دينا
13:20
مواقفا ومثالا
13:25
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
13:30
كانوا هنا يسقون غيما حياتنا
13:35
فما مو فينا ذكرهم يتعالا
13:40
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
13:46
هل مثلهم نجم سما وتلالا
13:51
ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم
13:56
وزهت بهم دنيا الأنا