ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 12 من 32
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (15) | سعيد بن المسيب رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:30
سعيد بن المسير
0:32
رحمه الله
0:43
عقد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان العزم على حج بيت الله الحرام
0:49
وزيارة ثاني الحرمين الشريفين
0:52
والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
0:57
فلما أقبل شهر ذي القعدة
1:00
زم الخريفة العظيم ركائبه
1:03
وتوجه إلى أرض الحجاز
1:06
يصحبه السادة الأماجد من أمراء بني أمية
1:10
ونفر من كبار رجال الدولته وبعض أولاده
1:15
ومضى الركب في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة
1:20
من غير ريث ولا عجل
1:22
فكانوا كلما نزلوا منزلاً نصبت لهم الخيام
1:27
وفرشت لهم الفرش
1:29
وعقدت لهم مجالس العلم والتذكرة
1:32
ليزدادوا تفقها في الدين
1:35
ويتعهدوا قلوبهم ونفوسهم
1:38
بالحكمة والموعظات الحسنة
1:41
ولما بلغ الخليفة المدينة المنورة
1:45
أما حرمها الشريف
1:48
وتشرف بالسلام على ساكنها محمد عليه
1:52
أفضل الصلاة وأزكى التسليم
1:55
وسعد بالصلاة في الروضة المطهرة الغرى
1:59
فذاق من برد الراحة وسلام النفس
2:03
ما لم يذق مثلهما من قبل
2:06
وعزم على أن يقيل إقامته في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام
2:12
ما وجد إلى ذلك سبيلا
2:15
وكان من أشد ما استأثر بهتمامه في المدينة المنورة
2:20
حلقات العلم التي كانت تغمر المسجد النبوي الشريف
2:25
ويتألق فيها العلماء الأفذاذ من كبار التابعين
2:30
كما تتألق النجوم الزهر في كبد السماء
2:34
فهذه حلقة عروة بن الزبير
2:37
وتلك حلقة سعيد بن المسيب
2:40
وهناك حلقة عبد الله بن عتبة
2:44
وفي ذات يوم صحى الخليفة من قيلولته في وقت كان لا يصح فيه عادة
2:53
فنادا حاجبه وقال
2:56
قال يا ميسرة
2:58
قال لبيك يا أمير المؤمنين
3:02
قال امضي إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام
3:07
وادعو لنا أحد العلماء ليحدثنا
3:11
مضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف
3:15
وأجال نظره فيه
3:17
فلم يرى غير حلقة واحدة
3:20
توسطها شيخ نيف على الستين من عمره
3:23
فيه بساطة العلماء
3:25
وعليه هيبتهم ووقارهم
3:28
فوقف غير بعيد من الحلقة
3:31
وأشار للشيخ بإصبعه
3:34
فلم يلتفت إليه الشيخ ولم يأبه له
3:38
فاقترب منه وقال
3:40
ألم ترى أني أشير إليك
3:42
قال إلي أنا
3:45
قال نعم
3:46
قال وما حاجتك
3:49
قال استيقظ أمير المؤمنين وقال
3:53
قال إمضي إلى المسجد وانظر
3:55
هل ترى أحدا من حداثي فأتني به
3:59
فقال له الشيخ
4:01
ما أنا من حداثه
4:03
فقال له ميسرة
4:05
ولكنه يبغي محدثا يحدثه
4:09
فقال الشيخ
4:11
إن من يبغي شيئا يأتي إليه
4:14
وإن في حلقة المسجد متسعا له
4:17
إذا كان راغبا في ذلك
4:20
والحديث يؤتى إليه
4:22
ولكنه لا يأتي
4:24
فعاد الحاجب أدراجه
4:26
وقال للخليفة
4:28
ما وجدت في المسجد غير شيخ
4:31
أشرت إليه فلم يقم
4:34
فدنوت منه وقلت
4:36
إن أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت
4:39
وقال لي
4:41
أنظر هل ترى أحدا من حداثي في المسجد
4:44
فادعه لي
4:46
فقال لي في هدوء وحزم
4:49
إنني لست من حداثه
4:51
وإن في حلقة المسجد متسعا له
4:54
إذا كان راغبا في الحديث
4:57
فتنهد عبد الملك بن مروان
5:00
وهب قائما
5:02
واتجه إلى داخل المنزل
5:04
وهو يقول
5:06
ذلك سعيد بن المسيب
5:08
ليتك لم تأتهي ولم تكلمه
5:11
فلما ابتعد عن المجلس
5:14
وصار في الداخل
5:16
التفت أصغر أولاد عبد الملك
5:20
وقال
5:22
من هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين
5:25
ويستكبر على المثول بين يديه
5:28
وحضور مجلسه
5:30
وقد دانت له الدنيا
5:32
وخضعت لهيبته ملوك الروم
5:35
فقال الأخ الأكبر
5:37
ذاك الذي خطب أمير المؤمنين
5:40
بنته لأخيك الوليد
5:42
فأبى أن يزوجها منه
5:45
فقال الأخ الأصغر
5:47
أبى أن يزوجها من الوليد بن عبد الملك
5:51
وهل كان يروم لها بعلا أسمى
5:54
من ولي عهد أمير المؤمنين
5:57
وخليفة المسلمين من بعده
6:00
فسكت الأخ الأكبر
6:02
ولم يجبه بشيء
6:04
فقال الأخ الأصغر
6:06
إذا كان قضن ببنته
6:08
على ولي عهد أمير المؤمنين
6:11
فهل وجد لها الكفأ
6:13
الذي يليق بها
6:15
أم أنه حال دونها ودون الزواج
6:18
كما يفعل بعض الناس
6:20
وتركها قعيدة بيت
6:23
فقال له أخوه الأكبر
6:26
الحق أنني لا أعرف شيئا من خبرها
6:29
وخبره معها
6:31
فالتفت إليهما أحد الجلاس
6:34
من أبناء المدينة
6:36
وقال إذا أذن لي الأمير
6:39
قصصت عليه خبرها كله
6:42
فقد تزوجت فتا من فتيان حينا
6:45
يقال له أبو وداعة
6:47
وهو جارنا بيت بيت
6:50
ولزواجه منها قصة طريفة
6:53
رواها لي بنفسه
6:55
فقال له الأخوان
6:57
هاتها
6:59
فقال الرجل
7:01
حدثني أبو وداعة
7:03
قال كنت كما تعلم
7:05
ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:09
طلبا للعلم
7:11
توداوم على حلقة سعيد بن المسيب
7:14
وأزاحم الناس عليها بالمناكب
7:17
فتغيبت عن حلقة الشيخ أياما
7:21
فتفقدني وظن أنبي مرضا
7:24
أو عرض لي عارض
7:26
فسأل عني من حوله
7:28
فلم يجد عند أحد منهم خبرا
7:32
فلما عدت إليه بعد أيام
7:35
حياني ورحب بي وقال
7:38
أين كنت يا أبا وداعة
7:40
فقلت
7:42
توفيت زوجتي فاشتغلت بأمرها
7:45
فقال
7:47
هل لا أخبرتنا يا أبا وداعة
7:49
فنواسيك
7:51
ونشهد جنازتها معك
7:53
ونعينك على ما أنت فيه
7:56
فقلت جزاك الله خيرا
7:59
وهممت أن أقوم
8:01
فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس
8:06
ثم قال لي
8:08
أما فكرت في استحداث زوجة لك يا أبا وداعة
8:13
فقلت يرحمك الله
8:15
ومن يزوجني ابنته
8:17
وأنا شاب نشأ يتيما
8:20
وعاش فقيرا
8:22
فأنا لا أملك غير درهمين أو ثلاثة دراهم
8:26
فقال
8:28
أنا أزوجك ابنتي
8:30
فانعقد لساني وقلت
8:33
أنت
8:34
أتزوجني ابنتك
8:36
بعد أن عرفت من أمري ما عرفت
8:39
فقال نعم
8:41
فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوجناه
8:46
وأنت عندنا مرضي الدين والخلق
8:50
ثم التفت إلى من كان قريبا منا
8:53
وناداهم
8:55
فلما أقبلوا عليه وصاروا عنده
8:58
حمد الله عز وجل وأثنى عليه
9:02
محمد صلوات الله وسلامه عليه
9:06
وعقد لي على ابنته
9:08
وجعل مهرها درهمين اثنين
9:11
فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرح
9:16
ثم قصدت بيتي
9:18
وكنت يومئذ صائما
9:20
فنسيت صومي وجعلت أقول
9:23
ويحك يا أبا وداعه
9:26
ما الذي صنعت بنفسك
9:28
ممن تستدين
9:30
ممن تطلب المال
9:32
وظللت على حالي هذه حتى أذن للمغرب
9:36
فأديت المكتوبة
9:38
وجلست إلى فطوري
9:40
وكان خبزا وزيتا
9:43
فما إن تناولت منه لقمة أو لقمتين
9:46
حتى سمعت الباب يقرع
9:49
فقلت من الطارق
9:51
فقال سعيد
9:54
فوالله لقد مر بخاطري كل إنسان
9:57
نسمه سعيد أعرفه
9:59
إلا سعيد بن المسيب
10:02
ذلك لأنه لم ير منذ أربعين سنة
10:05
إلا بين بيته والمسجد
10:08
ففتحت الباب
10:10
فإذا بي أمام سعيد بن المسيب
10:13
فظننت أنه قد بدى له
10:16
في أمر زواجي من ابنته شيء
10:19
وقلت له
10:20
أبا محمد
10:22
هل لا أرسلت إلي فآتيك
10:25
فقال
10:26
بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم
10:30
فقلت تفضل علي
10:32
فقال كلا
10:34
وإنما جئت لأمر
10:36
فقلت
10:37
وما هو يرحمك الله
10:40
فقال
10:41
إن ابنتي أصبحت زوجة لك بشرع الله منذ الغدا
10:46
وأنا أعلم أنه ليس معك أحد
10:49
يؤنس وحشتك
10:51
فكرهت أن تبيت أنت في مكان
10:53
وزوجتك في مكان آخر
10:56
فجئتك بها
10:58
فقلت ويحي
11:00
جئتني بها
11:01
فقال نعم
11:03
فنظرت فإذا هي قائمة بطولها
11:07
فالتفت إليها وقال
11:09
أدخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله وبركته
11:14
فلما أرادت أن تخطو
11:17
تعثرت بملاءتها من الحياة
11:20
حتى كادت تسقط على الأرض
11:23
أما أنا
11:24
فقد وقفت أمامها مشدوها لا أدري ما أقول
11:29
ثم إني بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت
11:35
فنحيتها من ضوء السراج حتى لا تراها
11:39
ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران
11:43
فأقبلوا علي وقالوا
11:45
ما شأنك
11:46
فقلت
11:48
عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد
11:53
وقد جاءني بها الآن على غفلة
11:56
فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي
12:00
فهي بعيدة الدار
12:02
فقالت عجوز منهن
12:04
ويحك أتدري ما تقول
12:07
أزوجك سعيد بن المسيب ابنته
12:10
وحملها لك إلى البيت بنفسه
12:13
وهو الذي ضن بها على الوليد بن عبد الملك
12:17
فقلت نعم
12:18
وها هي ذي عندي في بيتي
12:21
فهلموا إليها وانظروها
12:24
فتوجه الجيران إلى البيت
12:26
وهم لا يكادون يصدقونني
12:29
ورحبوا بها وآنسوا وحشتها
12:35
وما هو إلا قليل حتى جاءت أمي
12:39
فلما رأتها
12:41
التفتت إلي وقالت
12:43
وجهي من وجهك حرام
12:45
إن لم تتركها لي حتى أصلح شأنها
12:49
ثم أزفها إليك كما تزفك رائم النساء
12:53
فقلت أنت وما تريدين
12:57
فضمتها إليها ثلاثة أيام
13:00
ثم زفتها إلي
13:02
فإذا هي من أبها نساء المدينة جمالا
13:06
وأحفظ الناس لكتاب الله عز وجل
13:10
وأرواهم لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام
13:14
وأعرف الناس بحقوق الزوج
13:17
فمكثت معها أياما لا يزورني أبوها أو أحد من أهلها
13:23
ثم إني أتيت حلقة الشيخ في المسجد
13:27
فسلمت عليه فرد عليه السلام
13:30
ولم يكلمني
13:32
فلما انفض المجلس ولم يبق غيري قال
13:36
ما حال زوجتك يا أبا وداعه
13:39
فقلت
13:41
هي على ما يحب الصديق ويكره العدو
13:45
فقال الحمد لله
13:48
فلما عدت إلى بيتي
13:50
وجدته قد وجه إلينا مبلغا وفيرا من المال
13:55
لنستعين به على حياتنا
13:58
فقال ابن عبد الملك
14:00
عجيب أمر هذا الرجل
14:03
فقال له رجل من أهل المدينة
14:06
وما وجه العجب فيه أيها الأمير
14:09
إنه مرء جعل دنياه مطية لأخراه
14:13
واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية
14:17
فوالله إنه ما ضن على ابن أمير المؤمنين بابنته
14:22
ولا رآه غير كفء لها
14:25
وإنما خاف عليها فتنة الدنيا
14:28
ولقد سأله بعض أصحابه فقال
14:32
أترد خطبة أمير المؤمنين
14:35
وتزوج ابنتك من رجل من عامة المسلمين
14:39
فقال إن ابنتي أمانة في عنقي
14:43
وقد تحريت فيما صنعته لها صلاح أمرها
14:48
فقيل له وكيف
14:50
فقال ما ظنكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أمية
14:56
وتقلبت بين رياشها وآثاثها
14:59
وقام الخدم والحشم والجواري بين يديها
15:04
وعن يمينها وعن شمالها
15:07
ثم وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة
15:11
أين يصبح دينها يومئذ
15:14
فقال رجل من أهل الشام
15:17
يبدو أن صاحبكم طراز فريد من الناس
15:21
فقال الرجل المدني
15:23
والله ما عدوت الحق أبدا
15:26
فهو صوام نهار قوام ليل
15:30
حج نحو من أربعين حجة
15:33
وما فاتته التكبيرة الأولى في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعين عاما
15:41
ولا عرف عنه أنه نظر إلى قفى رجل في الصلاة خلال ذلك أبدا
15:47
لمحافظته على الصف الأول
15:50
وقد كان في وسعه أن يتزوج بمن يشاء من نساء قريش
15:56
فآثر بنت أبي هريرة رضي الله عنه على سائر النساء
16:01
وذلك لمنزلته من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
16:06
وسعت روايته لحديثه
16:09
وشدة رغبته في الأخذ عنه
16:12
ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره
16:16
فدخل على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام
16:20
وتأثر بهن
16:22
وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت
16:25
وعبد الله بن عباس
16:27
وعبد الله بن عمر
16:29
وسمع من عثمان وعلي وصهيب
16:32
وغيرهم من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
16:38
وتخلق بأخلاقهم وتحلى بشمائلهم
16:42
ولقد كانت له كلمة يرددها على الدوام
16:46
حتى غدت وكأنها شعار له
16:50
وهي قوله
16:51
ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله
16:56
ولا أهانت نفسها بمثل معصيتهم
17:00
كان سعيد بن المسيب يفتي والصحابة أحياء المؤرخون
17:12
توقفاً ومثالا
17:18
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
17:23
كانوا هنا يسقون غيم حياتنا
17:28
فما مو فينا ذكرهم يتعالى
17:33
رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
17:38
هل مثلهم نجم سما وتلالا
17:43
ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم
17:48
وزهت بهم دنيا الأناه