صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (15) | سعيد بن المسيب رحمه الله

◉ 0 مشاهدة ⏱ 17:59 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26 رحمه الله
0:30 سعيد بن المسير
0:32 رحمه الله
0:43 عقد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان العزم على حج بيت الله الحرام
0:49 وزيارة ثاني الحرمين الشريفين
0:52 والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
0:57 فلما أقبل شهر ذي القعدة
1:00 زم الخريفة العظيم ركائبه
1:03 وتوجه إلى أرض الحجاز
1:06 يصحبه السادة الأماجد من أمراء بني أمية
1:10 ونفر من كبار رجال الدولته وبعض أولاده
1:15 ومضى الركب في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة
1:20 من غير ريث ولا عجل
1:22 فكانوا كلما نزلوا منزلاً نصبت لهم الخيام
1:27 وفرشت لهم الفرش
1:29 وعقدت لهم مجالس العلم والتذكرة
1:32 ليزدادوا تفقها في الدين
1:35 ويتعهدوا قلوبهم ونفوسهم
1:38 بالحكمة والموعظات الحسنة
1:41 ولما بلغ الخليفة المدينة المنورة
1:45 أما حرمها الشريف
1:48 وتشرف بالسلام على ساكنها محمد عليه
1:52 أفضل الصلاة وأزكى التسليم
1:55 وسعد بالصلاة في الروضة المطهرة الغرى
1:59 فذاق من برد الراحة وسلام النفس
2:03 ما لم يذق مثلهما من قبل
2:06 وعزم على أن يقيل إقامته في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام
2:12 ما وجد إلى ذلك سبيلا
2:15 وكان من أشد ما استأثر بهتمامه في المدينة المنورة
2:20 حلقات العلم التي كانت تغمر المسجد النبوي الشريف
2:25 ويتألق فيها العلماء الأفذاذ من كبار التابعين
2:30 كما تتألق النجوم الزهر في كبد السماء
2:34 فهذه حلقة عروة بن الزبير
2:37 وتلك حلقة سعيد بن المسيب
2:40 وهناك حلقة عبد الله بن عتبة
2:44 وفي ذات يوم صحى الخليفة من قيلولته في وقت كان لا يصح فيه عادة
2:53 فنادا حاجبه وقال
2:56 قال يا ميسرة
2:58 قال لبيك يا أمير المؤمنين
3:02 قال امضي إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام
3:07 وادعو لنا أحد العلماء ليحدثنا
3:11 مضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف
3:15 وأجال نظره فيه
3:17 فلم يرى غير حلقة واحدة
3:20 توسطها شيخ نيف على الستين من عمره
3:23 فيه بساطة العلماء
3:25 وعليه هيبتهم ووقارهم
3:28 فوقف غير بعيد من الحلقة
3:31 وأشار للشيخ بإصبعه
3:34 فلم يلتفت إليه الشيخ ولم يأبه له
3:38 فاقترب منه وقال
3:40 ألم ترى أني أشير إليك
3:42 قال إلي أنا
3:45 قال نعم
3:46 قال وما حاجتك
3:49 قال استيقظ أمير المؤمنين وقال
3:53 قال إمضي إلى المسجد وانظر
3:55 هل ترى أحدا من حداثي فأتني به
3:59 فقال له الشيخ
4:01 ما أنا من حداثه
4:03 فقال له ميسرة
4:05 ولكنه يبغي محدثا يحدثه
4:09 فقال الشيخ
4:11 إن من يبغي شيئا يأتي إليه
4:14 وإن في حلقة المسجد متسعا له
4:17 إذا كان راغبا في ذلك
4:20 والحديث يؤتى إليه
4:22 ولكنه لا يأتي
4:24 فعاد الحاجب أدراجه
4:26 وقال للخليفة
4:28 ما وجدت في المسجد غير شيخ
4:31 أشرت إليه فلم يقم
4:34 فدنوت منه وقلت
4:36 إن أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت
4:39 وقال لي
4:41 أنظر هل ترى أحدا من حداثي في المسجد
4:44 فادعه لي
4:46 فقال لي في هدوء وحزم
4:49 إنني لست من حداثه
4:51 وإن في حلقة المسجد متسعا له
4:54 إذا كان راغبا في الحديث
4:57 فتنهد عبد الملك بن مروان
5:00 وهب قائما
5:02 واتجه إلى داخل المنزل
5:04 وهو يقول
5:06 ذلك سعيد بن المسيب
5:08 ليتك لم تأتهي ولم تكلمه
5:11 فلما ابتعد عن المجلس
5:14 وصار في الداخل
5:16 التفت أصغر أولاد عبد الملك
5:20 وقال
5:22 من هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين
5:25 ويستكبر على المثول بين يديه
5:28 وحضور مجلسه
5:30 وقد دانت له الدنيا
5:32 وخضعت لهيبته ملوك الروم
5:35 فقال الأخ الأكبر
5:37 ذاك الذي خطب أمير المؤمنين
5:40 بنته لأخيك الوليد
5:42 فأبى أن يزوجها منه
5:45 فقال الأخ الأصغر
5:47 أبى أن يزوجها من الوليد بن عبد الملك
5:51 وهل كان يروم لها بعلا أسمى
5:54 من ولي عهد أمير المؤمنين
5:57 وخليفة المسلمين من بعده
6:00 فسكت الأخ الأكبر
6:02 ولم يجبه بشيء
6:04 فقال الأخ الأصغر
6:06 إذا كان قضن ببنته
6:08 على ولي عهد أمير المؤمنين
6:11 فهل وجد لها الكفأ
6:13 الذي يليق بها
6:15 أم أنه حال دونها ودون الزواج
6:18 كما يفعل بعض الناس
6:20 وتركها قعيدة بيت
6:23 فقال له أخوه الأكبر
6:26 الحق أنني لا أعرف شيئا من خبرها
6:29 وخبره معها
6:31 فالتفت إليهما أحد الجلاس
6:34 من أبناء المدينة
6:36 وقال إذا أذن لي الأمير
6:39 قصصت عليه خبرها كله
6:42 فقد تزوجت فتا من فتيان حينا
6:45 يقال له أبو وداعة
6:47 وهو جارنا بيت بيت
6:50 ولزواجه منها قصة طريفة
6:53 رواها لي بنفسه
6:55 فقال له الأخوان
6:57 هاتها
6:59 فقال الرجل
7:01 حدثني أبو وداعة
7:03 قال كنت كما تعلم
7:05 ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:09 طلبا للعلم
7:11 توداوم على حلقة سعيد بن المسيب
7:14 وأزاحم الناس عليها بالمناكب
7:17 فتغيبت عن حلقة الشيخ أياما
7:21 فتفقدني وظن أنبي مرضا
7:24 أو عرض لي عارض
7:26 فسأل عني من حوله
7:28 فلم يجد عند أحد منهم خبرا
7:32 فلما عدت إليه بعد أيام
7:35 حياني ورحب بي وقال
7:38 أين كنت يا أبا وداعة
7:40 فقلت
7:42 توفيت زوجتي فاشتغلت بأمرها
7:45 فقال
7:47 هل لا أخبرتنا يا أبا وداعة
7:49 فنواسيك
7:51 ونشهد جنازتها معك
7:53 ونعينك على ما أنت فيه
7:56 فقلت جزاك الله خيرا
7:59 وهممت أن أقوم
8:01 فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس
8:06 ثم قال لي
8:08 أما فكرت في استحداث زوجة لك يا أبا وداعة
8:13 فقلت يرحمك الله
8:15 ومن يزوجني ابنته
8:17 وأنا شاب نشأ يتيما
8:20 وعاش فقيرا
8:22 فأنا لا أملك غير درهمين أو ثلاثة دراهم
8:26 فقال
8:28 أنا أزوجك ابنتي
8:30 فانعقد لساني وقلت
8:33 أنت
8:34 أتزوجني ابنتك
8:36 بعد أن عرفت من أمري ما عرفت
8:39 فقال نعم
8:41 فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوجناه
8:46 وأنت عندنا مرضي الدين والخلق
8:50 ثم التفت إلى من كان قريبا منا
8:53 وناداهم
8:55 فلما أقبلوا عليه وصاروا عنده
8:58 حمد الله عز وجل وأثنى عليه
9:02 محمد صلوات الله وسلامه عليه
9:06 وعقد لي على ابنته
9:08 وجعل مهرها درهمين اثنين
9:11 فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرح
9:16 ثم قصدت بيتي
9:18 وكنت يومئذ صائما
9:20 فنسيت صومي وجعلت أقول
9:23 ويحك يا أبا وداعه
9:26 ما الذي صنعت بنفسك
9:28 ممن تستدين
9:30 ممن تطلب المال
9:32 وظللت على حالي هذه حتى أذن للمغرب
9:36 فأديت المكتوبة
9:38 وجلست إلى فطوري
9:40 وكان خبزا وزيتا
9:43 فما إن تناولت منه لقمة أو لقمتين
9:46 حتى سمعت الباب يقرع
9:49 فقلت من الطارق
9:51 فقال سعيد
9:54 فوالله لقد مر بخاطري كل إنسان
9:57 نسمه سعيد أعرفه
9:59 إلا سعيد بن المسيب
10:02 ذلك لأنه لم ير منذ أربعين سنة
10:05 إلا بين بيته والمسجد
10:08 ففتحت الباب
10:10 فإذا بي أمام سعيد بن المسيب
10:13 فظننت أنه قد بدى له
10:16 في أمر زواجي من ابنته شيء
10:19 وقلت له
10:20 أبا محمد
10:22 هل لا أرسلت إلي فآتيك
10:25 فقال
10:26 بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم
10:30 فقلت تفضل علي
10:32 فقال كلا
10:34 وإنما جئت لأمر
10:36 فقلت
10:37 وما هو يرحمك الله
10:40 فقال
10:41 إن ابنتي أصبحت زوجة لك بشرع الله منذ الغدا
10:46 وأنا أعلم أنه ليس معك أحد
10:49 يؤنس وحشتك
10:51 فكرهت أن تبيت أنت في مكان
10:53 وزوجتك في مكان آخر
10:56 فجئتك بها
10:58 فقلت ويحي
11:00 جئتني بها
11:01 فقال نعم
11:03 فنظرت فإذا هي قائمة بطولها
11:07 فالتفت إليها وقال
11:09 أدخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله وبركته
11:14 فلما أرادت أن تخطو
11:17 تعثرت بملاءتها من الحياة
11:20 حتى كادت تسقط على الأرض
11:23 أما أنا
11:24 فقد وقفت أمامها مشدوها لا أدري ما أقول
11:29 ثم إني بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت
11:35 فنحيتها من ضوء السراج حتى لا تراها
11:39 ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران
11:43 فأقبلوا علي وقالوا
11:45 ما شأنك
11:46 فقلت
11:48 عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد
11:53 وقد جاءني بها الآن على غفلة
11:56 فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي
12:00 فهي بعيدة الدار
12:02 فقالت عجوز منهن
12:04 ويحك أتدري ما تقول
12:07 أزوجك سعيد بن المسيب ابنته
12:10 وحملها لك إلى البيت بنفسه
12:13 وهو الذي ضن بها على الوليد بن عبد الملك
12:17 فقلت نعم
12:18 وها هي ذي عندي في بيتي
12:21 فهلموا إليها وانظروها
12:24 فتوجه الجيران إلى البيت
12:26 وهم لا يكادون يصدقونني
12:29 ورحبوا بها وآنسوا وحشتها
12:35 وما هو إلا قليل حتى جاءت أمي
12:39 فلما رأتها
12:41 التفتت إلي وقالت
12:43 وجهي من وجهك حرام
12:45 إن لم تتركها لي حتى أصلح شأنها
12:49 ثم أزفها إليك كما تزفك رائم النساء
12:53 فقلت أنت وما تريدين
12:57 فضمتها إليها ثلاثة أيام
13:00 ثم زفتها إلي
13:02 فإذا هي من أبها نساء المدينة جمالا
13:06 وأحفظ الناس لكتاب الله عز وجل
13:10 وأرواهم لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام
13:14 وأعرف الناس بحقوق الزوج
13:17 فمكثت معها أياما لا يزورني أبوها أو أحد من أهلها
13:23 ثم إني أتيت حلقة الشيخ في المسجد
13:27 فسلمت عليه فرد عليه السلام
13:30 ولم يكلمني
13:32 فلما انفض المجلس ولم يبق غيري قال
13:36 ما حال زوجتك يا أبا وداعه
13:39 فقلت
13:41 هي على ما يحب الصديق ويكره العدو
13:45 فقال الحمد لله
13:48 فلما عدت إلى بيتي
13:50 وجدته قد وجه إلينا مبلغا وفيرا من المال
13:55 لنستعين به على حياتنا
13:58 فقال ابن عبد الملك
14:00 عجيب أمر هذا الرجل
14:03 فقال له رجل من أهل المدينة
14:06 وما وجه العجب فيه أيها الأمير
14:09 إنه مرء جعل دنياه مطية لأخراه
14:13 واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية
14:17 فوالله إنه ما ضن على ابن أمير المؤمنين بابنته
14:22 ولا رآه غير كفء لها
14:25 وإنما خاف عليها فتنة الدنيا
14:28 ولقد سأله بعض أصحابه فقال
14:32 أترد خطبة أمير المؤمنين
14:35 وتزوج ابنتك من رجل من عامة المسلمين
14:39 فقال إن ابنتي أمانة في عنقي
14:43 وقد تحريت فيما صنعته لها صلاح أمرها
14:48 فقيل له وكيف
14:50 فقال ما ظنكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أمية
14:56 وتقلبت بين رياشها وآثاثها
14:59 وقام الخدم والحشم والجواري بين يديها
15:04 وعن يمينها وعن شمالها
15:07 ثم وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة
15:11 أين يصبح دينها يومئذ
15:14 فقال رجل من أهل الشام
15:17 يبدو أن صاحبكم طراز فريد من الناس
15:21 فقال الرجل المدني
15:23 والله ما عدوت الحق أبدا
15:26 فهو صوام نهار قوام ليل
15:30 حج نحو من أربعين حجة
15:33 وما فاتته التكبيرة الأولى في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعين عاما
15:41 ولا عرف عنه أنه نظر إلى قفى رجل في الصلاة خلال ذلك أبدا
15:47 لمحافظته على الصف الأول
15:50 وقد كان في وسعه أن يتزوج بمن يشاء من نساء قريش
15:56 فآثر بنت أبي هريرة رضي الله عنه على سائر النساء
16:01 وذلك لمنزلته من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
16:06 وسعت روايته لحديثه
16:09 وشدة رغبته في الأخذ عنه
16:12 ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره
16:16 فدخل على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام
16:20 وتأثر بهن
16:22 وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت
16:25 وعبد الله بن عباس
16:27 وعبد الله بن عمر
16:29 وسمع من عثمان وعلي وصهيب
16:32 وغيرهم من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
16:38 وتخلق بأخلاقهم وتحلى بشمائلهم
16:42 ولقد كانت له كلمة يرددها على الدوام
16:46 حتى غدت وكأنها شعار له
16:50 وهي قوله
16:51 ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله
16:56 ولا أهانت نفسها بمثل معصيتهم
17:00 كان سعيد بن المسيب يفتي والصحابة أحياء المؤرخون
17:12 توقفاً ومثالا
17:18 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
17:23 كانوا هنا يسقون غيم حياتنا
17:28 فما مو فينا ذكرهم يتعالى
17:33 رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا
17:38 هل مثلهم نجم سما وتلالا
17:43 ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم
17:48 وزهت بهم دنيا الأناه