ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 6 من 17
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (14) | سلمة بن دينار (أبو حازم) رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:31
سلمة بن دينار
0:33
رحمه الله
0:44
في السنة السابعة والتسعين للهجرة
0:47
شد خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك
0:50
الرحال إلى الديار المقدسة
0:53
ملبياً نداء أبي الأنبياء
0:56
إبراهيم عليه السلام
0:58
ومضت ركائبه تحث الخطى
1:01
دمشق عاصمة الأمويين
1:03
إلى المدينة المنورة
1:06
فقد كان في نفسه شوق إلى الصلاة
1:09
في الروضة المطهرة
1:11
وتوق إلى السلام على محمد
1:13
الرسول الله صلوات الله وسلامه عليه
1:17
وقد حفل موكب الخليفة
1:19
بالقراء والمحدثين
1:21
والفقهاء والعلماء
1:23
والأمراء والقادة
1:26
فلما بلغ المدينة المنورة
1:28
وحط رحاله فيها
1:30
أقبل وجوه الناس وذو الأقدار
1:33
للسلام عليه والترحيب به
1:36
لكن سلمة ابن دينار
1:38
قاضي المدينة وعالمها الحجة
1:41
وإمامها الثقة
1:43
لم يكن في عداد منزار
1:45
الخليفة مرحبين مسلمين
1:48
ولما فرغ سليمان بن عبد الملك
1:51
من استقبال المرحبين به
1:53
قال لبعض جلسائه
1:55
إن النفوس لتصدأ
1:57
كما تصدأ المعادن
1:59
إذا لم تجد من يذكرها
2:01
الفينة بعد الفينة
2:03
ويجلو عنها صدأها
2:05
فقالوا نعم يا أمير المؤمنين
2:08
فقال أما في المدينة
2:11
رجل أدرك طائفة
2:13
من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
2:16
يذكرنا
2:18
فقالوا بلى يا أمير المؤمنين
2:21
ها هنا أبو حازم من الأعرج
2:24
فقال ومن أبو حازم من الأعرج
2:27
فقالوا سلمة بن دينار
2:30
عالم المدينة وإمامها
2:33
وأحد التابعين الذين أدركوا عدد
2:36
من الصحابة الكرام
2:38
فقال أدعوه لنا
2:41
وتلطفوا في دعوته
2:43
فذهبوا إليه ودعوه
2:45
فلما أتاه
2:47
رحب به وأدنى مجلسه
2:50
وقال له معاتبا
2:52
ما هذا الجفاء يا أبو حازم
2:55
فقال
2:57
وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين
3:00
فقال
3:02
زارني وجوه الناس ولم تزرني
3:05
فقال
3:07
إنما يكون الجفاء بعد المعرفة
3:10
وأنت ما عرفتني قبل اليوم
3:13
ولا أنا رأيتك
3:15
فأي جفاء وقع مني
3:17
فقال الخليفة لجلسائه
3:20
أصاب الشيخ في اعتذاره
3:22
وأخطأ الخليفة في عت به عليه
3:25
ثم التفت إلى أبي حازم
3:27
وقال
3:29
إن في النفس شؤونا
3:31
أحببت أن أفضي بها إليك يا أبا حازم
3:34
فقال
3:36
هاتها يا أمير المؤمنين
3:38
والله المستعان
3:40
فقال الخليفة
3:42
يا أبا حازم
3:44
ما لنا نكره الموت
3:46
فقال
3:48
لأننا عمرنا دنيانا
3:50
وخربنا آخرتنا
3:52
فنكره الخروج من العمار إلى الخراب
3:56
فقال الخليفة
3:58
صدقت
4:00
ثم أردف قائلا
4:02
يا أبا حازم
4:04
ليت شعري ما لنا عند الله غدا
4:07
فقال
4:09
اعرض عملك على كتاب الله جل وعز
4:12
تجد ذلك
4:14
فقال
4:16
وأين أجده في كتاب الله تعالى
4:18
قال
4:20
تجده في قوله علت كلمته
4:22
فقال الخليفة
4:38
إذن
4:40
فأين رحمة الله
4:42
فقال أبو حازم
4:44
إن رحمة الله
4:46
قريب
4:48
من المحسنين
4:50
فقال
4:52
الخليفة
4:54
ليت شعري كيف القدوم
4:56
على الله جل وعز
4:58
غدا
5:00
فقال أبو حازم
5:02
أما المحسن
5:04
فكالغائب يقدم على أهله
5:06
وأما المسي
5:08
فكالعبد الآبق
5:10
يساق إلى مولاه سوقا
5:12
فبك الخليفة حتى على نحيبه
5:14
واشتد بكاءه
5:16
ثم قال
5:18
يا أبا حازم
5:20
كيف لنا أن نصلح
5:22
فقال
5:24
تدعون عنكم الصلف
5:26
أي التكبر
5:28
فقال
5:30
الخليفة
5:32
وهذا المال
5:34
ما السبيل إلى تقوى الله فيه
5:36
فقال أبو حازم
5:38
إذا أخذتموه بحقه
5:40
ووضعتموه في أهله
5:42
وقسمتموه بالسوية
5:44
وعدلتم فيه بين
5:46
الرعية
5:48
فقال الخليفة
5:50
يا أبا حازم
5:52
أخبرني من أفضل الناس
5:54
فقال
5:56
فقال
5:59
الخليفة
6:01
وما أعدل القول يا أبا حازم
6:03
فقال
6:05
كلمة حق يقولها المرء
6:07
عند من يخافه وعند من
6:09
يرجوه
6:11
فقال الخليفة
6:13
فما أسرع الدعاء إجابة
6:15
يا أبا حازم
6:17
فقال
6:19
دعاء المحسن للمحسنين
6:21
فقال الخليفة
6:23
وما أفضل الصدقة
6:25
فقال جهد المقل
6:27
أي ما يستطيعه
6:29
قليل المال
6:31
يضعه في يد البائس الفقير
6:33
من غير أن يتبعه
6:35
من ولا أذى
6:37
فقال الخليفة
6:39
من أكيس الناس يا أبا حازم
6:41
فقال
6:43
رجل ضفر بطاعة الله
6:45
تعالى
6:47
فعمل بها ثم دل الناس
6:49
عليها
6:51
فقال الخليفة
6:54
فقال
6:56
رجل ساق مع هوا صاحبه
6:58
وصاحبه ظالم
7:00
فباع آخرته
7:02
بدنيا غيره
7:04
فقال الخليفة
7:06
هل لك أن تصحبنا يا أبا حازم
7:08
فتصيب منا ونصيب
7:10
منك
7:12
فقال
7:14
كلا يا أمير المؤمنين
7:16
فقال الخليفة ولما
7:18
فقال
7:20
أخشى أن أركن إليكم قليلا
7:22
فيذيقني الله ضعف
7:24
الحياة وضعف الممات
7:26
فقال الخليفة
7:28
ارفع إلينا حاجتك
7:30
يا أبا حازم
7:32
فسكت ولم يجب
7:34
فأعاد عليه قولا
7:36
ارفع إلينا حاجتك
7:38
يا أبا حازم
7:40
نقضها لك مهما كانت
7:42
فقال
7:44
حاجتي أن تنقذني
7:46
من النار
7:48
وتدخلني الجنة
7:50
فقال الخليفة
7:52
ذلك ليس من شأني يا أبا
7:54
حازم
7:56
فقال أبو حازم
7:58
ما لي من حاجة سواها
8:00
يا أمير المؤمنين
8:02
فقال الخليفة
8:04
ادعلي يا أبا حازم
8:06
فقال
8:08
اللهم إن كان عبدك
8:10
سليمان من أوليائك
8:12
فيسره إلى خيري الدنيا
8:14
والآخرة
8:16
وإن كان من أعدائك
8:18
فأصلحه واهده
8:20
إلى ما تحب وترضى
8:22
فقال رجل من الحاضرين
8:24
بئس ما قلت
8:26
منذ دخلت على أمير
8:28
المؤمنين
8:30
فلقد جعلت خليفة المسلمين
8:32
من أعداء الله
8:34
وآذيته
8:36
فقال أبو حازم
8:38
بل بئس ما قلت أنت
8:40
فلقد أخذ الله على العلماء
8:42
الميثاق بأن يقولوا
8:44
كلمة الحق
8:46
فقال
8:48
لتبيننه للناس
8:50
ولا تكتمونه
8:52
ثم التفت إلى الخليفة
8:54
وقال يا أمير
8:56
المؤمنين
8:58
إن الذين مضوا قبلنا
9:00
من الأمم الخالية
9:02
ظلوا في خير وعافية
9:04
مادام أمراؤهم يأتون
9:06
علماءهم رغبة فيما
9:08
عندهم
9:10
ثم وجد قوم من أراذ
9:12
للناس
9:14
يريدون أن ينالوا به
9:16
شيئا من عرض الدنيا
9:18
فاستغنت الأمراء
9:20
عن العلماء
9:22
فتعسوا ونكسوا
9:24
وسقطوا من عين الله عز وجل
9:26
ولو أن العلماء
9:28
زهدوا فيما عند
9:30
الأمراء لرغب
9:32
الأمراء في علمهم
9:34
ولكنهم رغبوا فيما
9:36
عند الأمراء فزهدوا
9:38
فيهم وهانوا عليهم
9:40
فقال الخليفة
9:43
صدقت
9:45
زدني من موعظتك يا أبا حازم
9:47
فما رأيت أحدا
9:49
الحكمة أقرب
9:51
إلى فمه منك
9:53
فقال إن كنت
9:55
من أهل الاستجابة
9:57
فقد قلت لك ما فيه الكفاية
9:59
وإن لم تكن
10:01
من أهلها فما
10:03
ينبغي لي أن أرمي عن قوس
10:05
ليس لها وتر
10:07
فقال الخليفة
10:09
عزمت عليك أن توصيني
10:11
يا أبا حازم
10:13
فقال نعم
10:15
سوف أوصيك وأوجز
10:17
عظم ربك عز وجل
10:19
ونزه
10:21
أن يراك حيث نهاك
10:23
وأن يفقدك حيث أمرك
10:25
ثم سلم وانصرف
10:27
فقال له
10:29
الخليفة جزاك الله
10:31
خيرا من عالم
10:33
ناصح ما كاد
10:36
أبو حازم يبلغ بيته
10:38
حتى وجد أن أمير
10:40
المؤمنين قد بعث إليه
10:42
بصرة ملئة دنانير
10:44
وكتب إليه يقول
10:46
أنفقها
10:48
ولك مثلها كثير
10:50
عندي فردها
10:52
وكتب إليه يقول
10:54
يا أمير المؤمنين
10:56
أعوذ بالله أن يكون
10:58
سؤالك إياي هزلا
11:00
وردي عليك باطلا
11:02
فوالله ما أرضى
11:04
ذلك يا أمير
11:06
المؤمنين لك
11:08
لنفسي
11:10
يا أمير المؤمنين
11:12
إن كانت هذه الدنانير
11:14
لقاء حديث الذي حدثتك
11:16
به فالميتة
11:18
والحم الخنزير في حال
11:20
للضطرار أحل منها
11:22
وإن كانت حقا لي في
11:24
بيت مال المسلمين
11:26
فهل سويت بيني وبين
11:28
الناس جميعا في هذا
11:30
الحق ولقد كان
11:34
منزل سلمة بن دينار
11:36
موردا عذبا لقلاب
11:38
غاب الصلاح
11:40
لا فرق في ذلك بين
11:42
إخوانه وطلابه
11:44
فقد دخل عليه ذات مرة
11:46
عبد الرحمن بن جرير
11:48
ومعه ابنه
11:50
وأخذ مجلسهما عنده
11:52
وسلما عليه ودعوا
11:54
له بخيري الدنيا والآخرة
11:56
فردت تحية
11:58
بأحسن منها ورحب
12:00
بهما ثم دار
12:02
بينهم الحديث
12:04
فقال له عبد الرحمن بن جرير
12:06
كيف نحظى بالفتوح
12:08
يا أبا حازم
12:10
فقال
12:12
عند تصحيح الضمائر
12:14
تغفر الكبائر
12:16
وإذا عزم العبد على ترك
12:18
الآثام أمه الفتوح
12:20
أي فتح عليه
12:22
ولا تنسى يا عبد الرحمن
12:24
أن يسير الدنيا
12:26
يشغلنا عن كثير الآخرة
12:28
وكل نعمة
12:30
لا تقربك من الله عز وجل
12:32
فهي نقمة
12:34
فقال له ابنه
12:36
إن أشياخنا كثيرون
12:38
فبمن نقتدي منهم
12:40
فقال
12:42
يا بني
12:44
اقتدي بمن يخاف الله في ظهر الغيب
12:46
ويعف عن التلبس
12:48
بالعيب
12:50
ويصلح نفسه في أوان الصبا
12:52
ولا يرجئ ذلك
12:54
إلى عهد الشيب
12:56
وعلم يا بني
12:58
أنه ما من يوم تطلع فيه
13:00
الشمس إلا ويقبل
13:02
على طالب العلم هواه وعلمه
13:04
ثم يتغالبان
13:06
في صدره تغالب
13:08
المتخاصمين
13:10
فإذا غلب علمه هواه
13:12
كان يومه يوم غنم
13:14
له
13:16
وإذا غلب هواه علمه
13:18
كان يومه يوم خسران
13:20
عليه
13:22
فقال له عبد الرحمن بن جرير
13:24
كثيرا ما حضضتنا
13:26
على الشكر يا أبا حازم
13:28
فما حقيقة الشكر
13:30
فقال لكل عضو
13:32
من أعضائنا حق
13:34
علينا من الشكر
13:36
فقال عبد الرحمن
13:38
ما شكر العينين
13:40
فقال إن رأيت به
13:42
ما خيرا أعلنته
13:44
وإن رأيت به ما شرا
13:46
سترته
13:48
فقال عبد الرحمن
13:50
فما شكر الأذنين
13:52
فقال إن سمعت به
13:54
ما خيرا وعيته
13:56
وإن سمعت به ما شرا
13:58
دفنته. فقال عبد الرحمن فما شكر اليدين. فقال ان لا تأخذ
14:06
بهما ما ليس لك وان لا تمنع بهما حقا من حقوق الله. ولا يفتك
14:14
يا عبد الرحمن ان من يقصر شكره على لسانه ولا يشرك معه جميع
14:20
اعضائه وجنانه. فمثله كمثل رجل له كساء غير انه اخذ
14:27
بطرفه ولم يلبسه. فان ذلك لا يقيه من الحر ولا يصونه من
14:34
البرد. وفي ذات سنة نفر سلمة ابن دينار مع جيوش المسلمين
14:42
المتجهة الى بلاد الروم. يبتغي الجهاد في سبيل الله مع
14:47
المجاهدين. فلما بلغ الجيش اخر مرحلة من مراحل السفر
14:53
آثر الراحة والاستجمام قبل لقاء العدو وخوض المعارك. وقد
14:59
كان في الجيش امير من امراء بني اميه. فارسل رسولا الى ابي
15:05
حازم يقول له ان الامير يدعوك اليه لتحدثه وتفقهه. فكتب
15:12
الى الامير يقول ايها الامير لقد ادركت اهل العلم وهم لا
15:18
يحملون الدين الى اهل الدنيا. ولا احسبك تريد ان اكون اول من
15:24
يفعل ذلك. فان كانت لك بنا حاجة فأتنا. والسلام عليك
15:31
وعلى من معك. فلما قرأ الامير رسالته مضى اليه وحياه
15:37
وبياه. وقال يا ابا حازم لقد وقفنا على ما كتبته لنا فازددت
15:45
به كرامة عندنا وعزة لدينا. فذكرنا وعظنا جزيت عنا خير
15:53
الجزاء. فطفق ابو حازم يعظه ويذكره. وكان في جملة ما قاله
16:00
له انظر ما تحب ان يكون معك في الاخرة فحرص عليه في الدنيا
16:07
وانظر ما تكره ان يكون معك هناك فازهد فيه هنا. واعلم
16:13
ايها الامير انه ان نفق الباطل عندك وراج. اقبل عليك المبطلون
16:20
المنافقون والتفوا حولك. وان نفق عندك الحق وراج. التف حولك
16:27
اهل الخير واعانوك عليه. فاختر لنفسك ما يحلو. ولما اقبل
16:35
الموت على ابي حازم الاعرج. قال له اصحابه كيف تجدك يا
16:41
ابا حازم. فقال لان نجونا من شر ما اصبناه من الدنيا. فما يضرنا
16:50
ما زوى عنا منها. ثم قرأ الآية الكريمة. لا يكررها حتى
17:09
اتاه اليقين. ما رأيت احدا. الحكمة اقرب الى فمه من ابي
17:22
حازم. عبد الرحمن ابن زيد.
17:55
ملأ الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا