ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 6 من 37
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | الحلقة (6) | عمر بن عبدالعزيز وابنه رحمهما الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمهية مودة تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:30
عمر بن عبد العزيز
0:32
وابنه عبد الملك
0:42
ما كاد التابعي الجليل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
0:47
ينفض يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك
0:52
حتى سمع للأرض من حوله رجة
0:55
فقال ما هذه
0:57
فقالوا هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين
1:02
قد أعدت لك لتركبها
1:05
فنظر إليها عمر بطرف عينه
1:08
وقال بصوته المتهدج الذين هكه التعب
1:12
وأذبله السهر
1:14
ما لي ولها نحوها عني بارك الله عليكم
1:19
وقربوا لي بغلتي
1:21
فإن لي فيها بلاغا
1:25
ثم إنه ما كاد يستوي على ظهر البغلة
1:28
حتى جاء صاحب الشرط ليمشي بين يديه
1:33
ومعه ثلة من رجاله اصطفوا عن يمينه وعن شماله
1:38
وفي أيديهم حرابهم اللامعة
1:41
فالتفت إليه وقال
1:43
ما لي بك وبهم حاجة
1:46
فما أنا إلا رجل من المسلمين
1:49
أغدوا كما يغدون
1:51
وأروح كما يروحون
1:54
ثم سار وسار الناس معه حتى دخل المسجد
1:59
ونودي في الناس
2:01
الصلاة جامعه
2:03
الصلاة جامعه
2:05
فتسايل الناس على المسجد من كل ناحية
2:09
فلما اكتملت جموعهم
2:11
قام فيهم خطيبا
2:13
فحمد الله وأثنى عليه
2:16
وصلى على نبيه ثم قال
2:19
أيها الناس
2:21
إني قد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي مني فيه
2:26
ولا طلب له
2:28
ولا مشورة من المسلمين
2:30
وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي
2:34
فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه
2:38
فصاح الناس صيحة واحدة
2:41
قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك
2:45
فلأمرنا باليمن والبركة
2:48
فلما رأى أن الأصوات قد هدأت
2:51
والقلوب قد اطمأنت
2:53
حمد الله كرة أخرى وأثنى عليه
2:57
وصلى وسلم على محمد عبده ورسوله
3:01
وطفق يحض الناس على التقوى
3:04
ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة
3:08
ويذكرهم بالموت بلهجة تستلين القلوب القاسية
3:13
وتستدر الدموع العاصية
3:16
وتخرج من فؤاد صاحبها
3:19
فتستقر في أفئدة السامعين
3:22
ثم رفع صوته المتعب حتى أسمع الناس جميعا وقال
3:28
أيها الناس من أطاع الله وجب الطاعته
3:33
ومن عصى الله فلا طاعت له على أحد
3:38
أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم
3:42
فإذا عصيت الله فلا طاعت لي عليكم
3:47
ثم نزل عن المنبر
3:49
واتجه إلى بيته وأوى إلى حجرته
3:53
فقد كان يبتغي أن يصيب ساعة من الراحة
3:57
بعد ذلك الجهد الجاهد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة
4:03
لكن عمر بن عبد العزيز
4:07
ما كاد يسلم جنبه إلى مطجعه
4:10
حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك
4:13
وكان يومئذ يتجه نحو السابعة عشرة من عمره
4:18
وقال ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين
4:23
فقال أي بني أريد أن أغفو قليلا
4:28
فلم تبق في جسدي طاقة
4:31
فقال أتغفو قبل أن ترد المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين
4:38
فقال أي بني إني قد سهرت البارحة في عمك سليمان
4:44
وإني إذا حان الظهر صليت في الناس
4:48
ورددت المظالم إلى أهلها إن شاء الله
4:52
فقال ومن لك يا أمير المؤمنين بأن تعيش إلى الظهر
4:58
فألهبت هذه الكلمة عزيمة عمر
5:01
وأطارت النوم من عينيه
5:04
وبعثت القوة والعزم في جسده المتعب
5:07
وقال أدن مني أي بني فدنا منه
5:12
فضمه إليه وقبل ما بين عينيه وقال
5:17
الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني
5:22
ثم قام وأمر أن ينادا في الناس
5:26
ألا من كانت له مظلمة فليرفعها
5:30
فمن عبد الملك هذا
5:34
ما خبر هذا الفتى الذي قال عنه الناس
5:38
إنه هو الذي أدخل أباه في العبادة
5:41
وسلكه مسلك الزهادة
5:44
تعالوا نلم بقصة هذا الفتى الصالح من أولها
5:50
كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا
5:54
فيهم ثلاث بنات
5:56
وكانوا جميعا على حظ موفور من التقى
6:00
ومقام كبير من الصلاح
6:03
لكن عبد الملك كان واسطة عقد إخوته
6:07
وكوكبهم المتألق
6:09
لقد كان أديبا أريبا
6:12
له سن الفتيان وعقل الكهول
6:15
ثم إنه نشأ في طاعة الله عز وجل
6:19
منذ نعومة أظفاره
6:21
فكان أقرب الناس سمتا إلى آل الخطاب عامة
6:26
وأشبههم بعبد الله بن عمر خاصة
6:29
في تقواه لله
6:31
وتخوفه من معاصيه
6:33
وتقربه إليه بالطاعة
6:36
حدث ابن عمه عاصم قال
6:39
وفدت على دمشق
6:41
فنزلت على ابن عمي عبد الملك وهو عزب
6:45
فصلين العشاء
6:47
وأوى كل منا إلى فراشه
6:50
فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه
6:55
وأسلم كل منا جفنيه إلى الكرى
6:58
ثم إن استيقظت في جوف الليل
7:01
فإذا عبد الملك قائم يصلي في العتمة
7:05
وهو يقرأ قوله جل وعز
7:08
فما راعني منه إلا أنه كان يردد الآية
7:12
وينشج نشيجا مكبوثا
7:15
يقطع نياط القلوب
7:17
وكان كل ما فرغ من الآية عاد إليها
7:21
حتى قلت سيقتله البكاء
7:24
فلما رأيت ذلك قلت
7:27
لا إله إلا الله
7:29
والحمد لله
7:31
كما يفعل المستيقظ من النوم
7:34
لإقطع عليه البكاء
7:36
فلما سمعني سكت
7:38
فلم أسمع له حسا
7:42
وقد تتلمذ الفتى العمري
7:44
على أكابر علماء عصره
7:47
حتى تملا من كتاب الله
7:49
وتضلع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:54
وتفقها في الدين
7:56
فغدا على حداثة سنه
7:59
يزاحم الطبقة الأولى من فقهاء أهل الشام في زمانه
8:04
أدروي أن عمر بن عبد العزيز
8:07
جمع قراء الشام وفقهاءها
8:10
وقال
8:11
إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم
8:14
التي في أيدي أهل بيتي
8:17
فما ترون فيها
8:19
فقالوا
8:20
يا أمير المؤمنين
8:22
إن ذلك أمر كان في غير ولايتك
8:26
وإن وزر هذه المظالم على من غصبها
8:30
فلم يرتح إلى ما قالوه
8:33
جفت إليه أحدهم من من كان يرى غير رأيهم وقال
8:38
إبعث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك
8:41
فإنه ليس بدون من دعوت علما أو فقها أو عقلا
8:46
فلما دخل عليه عبد الملك
8:49
قال له عمر
8:51
ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بن عمنا من الناس ظلما
8:56
وقد حضر أصحابها وجعلوا يطلبونها
9:00
وقد عرفنا حقهم فيها
9:02
فقال
9:03
أرى أن تردها إلى أصحابها مادم تقد عرفت أمرها
9:08
وإنك إن لم تفعل
9:10
كنت شريكا للذين أخذوها ظلما
9:14
فانبسطت أسارير عمر
9:16
وارتاحت نفسه
9:18
وزال عنهما أهمه
9:20
ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور
9:27
والإقامة في إحدى المدن القريبة منها
9:30
على البقاء في بلاد الشام
9:33
فمضى إليها
9:35
وخلف وراءه دمشق ذات الرياض النظرة
9:39
والظلال الضليلة
9:41
والأنهار السبعة
9:43
وكان أبو على الرغم من كل ما عرفه من صلاحه وتقاه
9:49
شديد الخوف عليه من نزغات الشيطان
9:52
كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب
9:56
حريصا على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلم
10:01
وكان لا يغفل عن ذلك أبدا ولا يهمله
10:05
حدث ميمون بن مهران
10:07
وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال
10:12
دخلت على عمر بن عبد العزيز
10:15
فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك
10:19
يعظه فيها وينصحه
10:22
ويبصره ويحذره
10:24
وينذره ويبشره
10:26
وكان مما جاء فيها قوله
10:30
أما بعد
10:31
فإن أحق من وعى عني وفهم قولي لأنت
10:36
وإن الله وله الحمد
10:38
قد أحسن إلينا في صغير الأمر وكبيره
10:42
فاذكر يا ابني فضل الله عليك وعلى والديك
10:46
وأياك والكبر والعظمة
10:49
فإنها من عمل الشيطان
10:51
وهو للمؤمنين عدو مبين
10:55
وعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا
10:58
لأمر بلغني عنك
11:00
فما عرفت من أمرك إلا خيرا
11:03
غير أنه بلغني عنك شيء من إعجابك بنفسك
11:08
ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره
11:12
لرأيت مني ما تكره
11:15
قال ميمون
11:16
ثم التفت إلي عمر وقال
11:19
يا ميمون
11:21
إن ابني عبد الملك قد زينا في عيني
11:24
وإني أتهم نفسي في ذلك
11:27
وأخاف أن يكون حبي له قد غلب على علمي به
11:31
وأدركني ما يدرك الأباء من العما عن عيوب أولادهم
11:36
فسر إليه واسبر غورة
11:39
وانظر هل ترى فيه ما يشبه الكبر والفخر
11:43
فإنه غلام حدث
11:45
ولا آمن عليه الشيطان
11:48
قال ميمون
11:50
فشددت الرحال إلى عبد الملك حتى قدمت عليه
11:54
فاستأذنت ودخلت
11:56
فإذا غلام في مقتبل العمر
11:59
ريان الشباب
12:01
بهي الطلعة
12:03
جم التواضع
12:05
قد جلس على حشية بيضاء فوق بساط من شعر
12:10
فرحب بي ثم قال
12:12
لقد سمعت أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير
12:17
وإني لأرجو أن ينفع الله بك
12:20
فقلت له كيف تجد نفسك
12:24
فقال
12:25
بخير من الله عز وجل ونعمة
12:29
غير أني أخشى أن يكون قد غرني حسن ظن والدي بي
12:34
وأنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظن
12:38
وإني لأخاف أن يكون حبه لي قد غلبه على معرفته بي
12:43
فأكون آفة عليه
12:46
فعجبت من اتفاقهما
12:48
ثم قلت له أعلمني من أين معيشتك
12:53
فقال
12:54
من غلة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه
12:58
ودفعت ثمنها من مال لا شبهة فيه
13:02
فاستغنيت بذلك عن فيئ المسلمين
13:06
قلت فما طعامك
13:08
فقال
13:09
ليلة لحم وليلة عدس وزيت
13:13
وليلة خل وزيت
13:15
وفي هذا بلاغ
13:17
فقلت له
13:19
أفما تعجبك نفسك
13:21
فقال
13:23
قد كان في شيء من ذلك
13:25
فلما وعظني أبي
13:27
بصرني بحقيقة نفسي
13:30
وصغرها عندي
13:32
وحط من قدرها في عيني
13:34
فنفعني الله عز وجل بذلك
13:37
فجزاه الله من والد خير
13:41
فقعدت ساعة أحدثه
13:43
وأستمتع بمنطقه
13:45
فلم أرفة كان أجمل وجه
13:48
ولا أكمل عقلا
13:50
ولا أحسن أدبا منه
13:52
على حداثة سنه
13:54
وقلة تجربته
13:56
فلما كان آخر النهار
13:58
أتاه غلام فقال
14:00
أصلحك الله قد فرغنا
14:03
فسكت
14:05
فقلت
14:06
ما هذا الذي فرغوا منه
14:08
قال
14:09
الحمام
14:11
قلت وكيف
14:13
قال
14:14
أخلوه لي من الناس
14:16
فقلت
14:18
لقد كنت وقعت من نفسي
14:20
موقعا عظيما
14:21
حتى سمعت هذا
14:23
فذعر واسترجع
14:25
وقال
14:26
وما في ذلك يا عم
14:28
يرحمك الله
14:30
قلت
14:31
الحمام لك
14:32
قال لا
14:34
قلت
14:35
فما دعاك إلى أن تخرج منه الناس
14:38
كأنك تريد بذلك
14:40
أن ترفع نفسك فوقهم
14:42
وأن تجعل لها قدرا
14:44
يعلو على أقدارهم
14:46
ثم إنك تؤذي
14:48
صاحب الحمام في غلة يومه
14:50
وترجع من أتى
14:52
حمامه خائبا
14:54
قال
14:55
أما صاحب الحمام
14:57
فأنا أرضيه وأعطيه
14:59
غلة يومه
15:01
قلت
15:02
هذه نفقة سرف
15:04
خالطها كبر
15:05
وما يمنعك أن تدخل
15:07
الحمام مع الناس
15:09
وأنت كأحدهم
15:11
قال
15:12
يمنعني من ذلك
15:14
أن طائفة من رعاع الناس
15:16
يدخلون الحمام بغير أزر
15:18
فأكره رؤية عوراتهم
15:20
وأكره أن أجبرهم
15:22
على وضع الأزر
15:24
فيأخذوا ذلك على أنه
15:26
اقتدار مني عليهم
15:28
بالسلطان
15:30
الذي أسأل الله أن يخلصنا
15:32
منه كفافا
15:34
لا علينا ولا لنا
15:36
فعظني رحمك الله
15:38
ونجرة أن تفع بها
15:40
واجعل لي مخرجا من هذا الأمر
15:42
فقلت
15:44
انتظر حتى يخرج
15:46
الناس من الحمام ليلة
15:48
ويعودوا إلى بيوتهم
15:50
ثم ادخله
15:52
قال
15:53
لا جرم
15:54
أي
15:55
أعاهد وأقسم
15:57
لا أدخله نهارا أبدا
15:59
بعد اليوم
16:01
ولولا شدة برد هذه البلاد
16:03
ما دخلته أبدا
16:05
وأطرق قليلا
16:07
لأنما يفكر في أمر
16:09
ثم رفع رأسه إلي
16:11
وقال
16:13
أقسمت عليك
16:15
لتطوين هذا الخبر عن أبي
16:17
فإني أكره أن يظل
16:19
ساخطا علي
16:21
وإني لأخشى أن يحول
16:23
الأجل دون الرضا منه
16:25
قال ميمون
16:27
فأردت عند ذلك أن أسبر
16:29
عقله فقلت له
16:31
إن سألني أمير المؤمنين
16:33
هل رأيت منك
16:35
فهل ترضى لي أن أكذب
16:37
عليه
16:39
فقال لا معاذ الله
16:41
ولكن قل له
16:43
رأيت منه شيئا
16:45
فوعظته وكبرته
16:47
في عينه
16:49
فسارع إلى الرجوع عنه
16:51
فإن أبي لا يسألك عن كشف
16:53
ما لم تظهره له
16:55
لأن الله جل وعز
16:57
قد أعاذه من البحث
16:59
عن ما استتر
17:01
قال ميمون
17:03
رضي الله عن خامس
17:05
الخلفاء الراشدين
17:07
عمر بن عبد العزيز
17:11
وارضاه
17:13
ونضر ضريحه وضريح
17:15
ابنه وفلذة كبده
17:17
عبد الملك
17:19
وسلام عليهما يوم
17:21
لحق بالرفيق الأعلى
17:23
وسلام عليهما يوم
17:25
يبعثان مع
17:27
الأخيار الأبرار
17:29
أما علمت أن لكل
17:35
قوم نجيب
17:37
وأن نجيب
17:40
بني أمية عمر
17:42
بن عبد العزيز
17:44
وأنه يبعث يوم
17:46
القيامة أمة وحدة
17:49
محمد بن علي بن الحسيم
18:11
رحلوا وألقوا
18:13
في الظمير سؤالا
18:16
هل مثلهم
18:18
نجم سما وتلالا
18:21
ملأوا الحياة
18:23
مفاخرا
18:25
بالفعلهم
18:27
وزهت بهم
18:29
دلأنا