صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (23) | القاسم بن محمد بن أبي بكر رحمه الله

صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (23) | القاسم بن محمد بن أبي بكر رحمه الله

◉ 6249 مشاهدة ⏱ 18:45 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:03 خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08 تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13 جمعية مودة
0:15 تقدم
0:17 صور من حياة التابعين
0:21 للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26 رحمه الله
0:28 القاسم بن محمد بن أبي بكر
0:33 رحمه الله
0:43 هل أتاك نبأ هذا التابعي الجليل
0:47 إنه فتنجمع المجد من أطرافه كلها
0:51 حتى لم يفته منه شيء
0:54 فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق
0:57 وأمه بنت كسرا يزدجرد
1:00 آخر ملوك الفرس
1:02 وعمته عائشة أم المؤمنين
1:05 وهو فوق ذلك كله
1:08 قد توج هامته بتاج التقا والعلم
1:12 أفتحسب أن فوق هذا المجد مجداً يتنافس فيه المتنافسون
1:18 ذلكم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
1:23 أحد فقهاء المدينة السبعة
1:26 وأفضل أهل زمانه علما
1:29 وأحدهم ذهنا وأشدهم ورعا
1:32 فتعال نبدأ قصة حياته من أولها
1:39 ولد القاسم بن محمد في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
1:46 لكن الطفل الصغير ما كاد يدرج في عشه
1:50 حتى عصفت في ديار المسلمين ريح الفتنة الهوجاء
1:55 فاستشهد الخليفة العباد الزهاد ذو النورين
2:00 وهو منحن بصلبه على أجزاء القرآن
2:04 ونشب الخلاف الكبير بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
2:09 ومعاوية بن أبي سفيان أمير بلاد الشام
2:13 وفي سلسلة مفزعة مذهلة من الأحداث المتلاحقة
2:19 وجد الطفل الصغير نفسه يحمل مع أخته من المدينة إلى مصر
2:24 فقد كان عليهما أن يلحق بأبيهما
2:28 بعد أن غدا واليا عليها من قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
2:34 ثم رأى أظافر الفتنة الحمرة امتد إلى أبيه
2:39 فتقتله شر قتله
2:41 ثم ألفى نفسه ينقل مرة أخرى من مصر إلى المدينة
2:46 بعد أن استولى عليها أنصار معاوية
2:50 وقد أصبح يتيما لطيما
2:53 حدث القاسم نفسه عن رحلة العذاب هذه ومات لاها
3:00 فقال لما قتل أبي بمصر
3:04 جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر
3:07 فاحتملني أنا وأخت الصغيرة ومضابنا إلى المدينة
3:12 فما إن بلغناها
3:14 حتى بعثت إلينا عمتي عائشة رضي الله عنها
3:19 فحملتنا من منزل عمي إلى بيتها
3:23 وربتنا في حجرها
3:26 فما رأيت والدة قط ولا والدا أكثر منها برا
3:31 ولا أوفر شفقه
3:33 كانت تطعمنا بيديها ولا تأكل معنا
3:37 فإذا بقي من طعامنا شيء أكلت
3:41 وكانت تحن علينا حنو المرضعات على الفطيم
3:45 فتغسل أجسادنا وتمشط شعورنا
3:49 وتلبسنا الأبيض الناصع من الثياب
3:52 وكانت لا تفتأ وتحضنا على الخير وتمرسنا بفعله
3:57 وتنهانا عن الشر وتحملنا على تركه
4:01 وقد دابت على تلقيننا ما نقيقه من كتاب الله
4:06 وترويتنا ما نعقله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:12 وكانت تزيدنا برا وإتحافا في العيدين
4:16 فإذا كانت عشية عرفة
4:19 حلقت لي شعري
4:21 وغسلتني أنا وأختي
4:24 فإذا أصبحنا
4:26 ألبستنا الجديد
4:28 وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد
4:32 فإذا عدنا منه
4:34 جمعتني أنا وأختي وضحت بين أيدينا
4:40 وفي ذاتي يوم
4:42 ألبستنا ثيابا بيضا
4:44 ثم أجلستني على إحدى ركبتيها
4:47 وأجلست أختي على ركبتها الأخرى
4:51 وكانت قدعت عمي عبد الرحمن
4:54 فلما دخل عليها
4:56 حيته ثم تكلمت
4:58 فحمدت الله عز وجل
5:01 وأثنت عليه بما هو أهله
5:04 فما رأيت متكلما قط من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها
5:10 أفصح منها لسانا ولا أعذب بيانا
5:14 ثم قالت
5:16 أي أخي
5:17 إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذت هذه الصبيين منك
5:23 وضممتهما إلي
5:25 ووالله ما فعلت ذلك تطاولا عليك ولا سوء ظن بك
5:30 ولاتهاما لك بالتقصير في حقهما
5:34 ولكنك رجل ذو نساء
5:37 وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما
5:42 فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقدرنه
5:46 فلا يطبن بهما نفسا
5:49 ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال
5:55 وههما الآن قد شبا
5:57 وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما
6:01 فخذهما وضمهما إليك
6:04 فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمنا إلى بيته
6:09 بيد أن الغلام البكري
6:13 ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله عليها
6:19 فعلى أرض بيتها المضمخة بطيوب النبوة درج
6:24 وفي أكناف صاحبته تربى وترعرع
6:28 ومن حنانها المتدفق نهل وارتوى
6:32 فصار يوزع وقته بين بيتها وبيت عمه
6:38 وقد ظلت ذكريات منزل عمته الشذية الندية الرفافة
6:43 تحيا في خاطره ما امتدت به الحياة
6:47 فاستمع إلى بعض حديثه عن تلك الذكريات حيث يقول
6:52 قلت ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها
6:57 يا أمه اكشفي لي عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام
7:02 وقبري صاحبيه فأني أريد أن أراها
7:07 وكانت القبور الثلاثة ما زالت داخل بيتها
7:11 وقد غطتها بما يسترها عن العين
7:15 فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة
7:20 وقد مهدت بصغار الحص الحمر مما كان في باحة المسجد
7:26 فقلت أين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:31 فأشارت بيدها وقالت هذا
7:35 ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان
7:40 فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهما
7:44 وكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدما على قبري صاحبيه
7:50 فقلت وأين قبر جدي أبي بكر
7:54 فقالت هاهوذا وكان مدفونا عند رأس النبي صلوات الله وسلامه عليه
8:02 فقلت وهذا قبر عمر
8:05 فقالت نعم وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي
8:12 قريبا من رجل النبي عليه الصلاة والسلام
8:18 ولما شب الفتى البكر كان قد حفظ كتاب الله عز وجل
8:24 وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:30 ما شاء الله أن يأخذ
8:33 ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف
8:36 وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتثر في كل ركن من أركانه
8:43 كما تنتثر النجوم الزهر على صفحة السماء
8:47 فروى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس
8:53 وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر
8:57 وعبد الله بن خباب ورافع بن خديج
9:01 وأسلم مولى عمر بن الخطاب
9:04 وغيرهم وغيرهم رضي الله عنهم حتى غدا إماما مجتهدا
9:10 وأصبح من أعلم زمانه بالسنة
9:14 وكان الرجل لا يعد رجلا عندهم حتى يتقن السنة
9:19 ولما اكتملت للشاب بالبكري أدوات المعرفة
9:24 أقبل الناس عليه يلتمسون عنده العلم بشغف
9:29 وأقبل هو عليهم يبذله لهم بسخا
9:33 فكان يأتي مسجد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه غداة كل يوم
9:40 في موعد لا يخلفه
9:42 فيصل ركعتين يحيي بهم المسجد
9:46 ثم يأخذ مكانه أمام خوخة عمر في الروضة الغرى
9:51 بين قبر النبي صلوات الله وسلامه عليه وبين منبره
9:56 فيجتمع عليه طلاب العلم من كل مكان
10:00 وينهلون من موارده العذبة المصفاه
10:04 ما يملأ النفوس العطشارية
10:07 ولم يمضي طويل وقت
10:09 حتى أصبح القاصم ابن محمد
10:12 وابن خالته سالم ابن عبد الله ابن عمر
10:16 إمامي المدينة الموثوقين
10:19 وسجديها المطاعين
10:21 ورجليها النافذين
10:23 على الرغم من أنه لم تكن في أيديهما ولاية ولا سلطان
10:29 فقد سودهم الناس
10:31 لما كانا يتحليان به من التقى والورع
10:35 وما يحملانه في صدريهما من العلم والفق
10:39 وما يزدانان به من الزهادة بما في أيدي الناس
10:44 والرغبة بما عند الله عز وجل
10:47 وقد بلغ من مكانتهما في النفوس
10:50 أن خلفاء بني أمية وولاتهم
10:53 كانوا لا يقطعون أمرا ذابال
10:56 في شأن من شؤون المدينة
10:58 إلا برأيهما
11:00 من ذلك أن الوليد ابن عبد الملك
11:03 قد عقد العزم على توسعة الحرم النبوي الشريف
11:07 ولم يكن في وسعه أن يحقق هذه الأمنية الغالية
11:12 إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع
11:16 وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه
11:21 وضمها إلى المسجد
11:23 وهي أمور تشق على الناس
11:26 ولا تطيب نفوسهم بها
11:29 فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول
11:34 لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:40 حتى يصبح مائتي ذراع في مائتي ذراع
11:44 فهدم جدرانه الأربعة
11:46 وأدخل فيه حجر زوجات النبي عليه الصلاة والسلام
11:51 واشتر ما في نواحيه من البيوت
11:54 وقدم القبلة إن قدرت
11:57 وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب
12:02 ومنزلتهم في قلوب الناس
12:05 فإذا أبى عليك أهل المدينة ذلك
12:08 فاستعن بالقاصم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر
12:13 وأشركهما معك في الأمر
12:16 وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء
12:20 وإن لك في ذلك سلفي صدق
12:23 هما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
12:28 فدعى عمر بن عبد العزيز القاصم بن محمد وسالم بن عبد الله
12:34 وطائفة من وجوه أهل المدينة
12:37 وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين
12:40 فسروا بما عزم عليه الخليفة وهبوا لإنفاذه
12:45 فلما رأى الناس عالمي المدينة وإماميها الكبيرين
12:49 يباشران هدم المسجد بأيديهما
12:53 قاموا معهما قومة رجل واحد
12:56 وأنفذوا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين
13:00 وكانت جيوش المسلمين المظفرة
13:03 تدق آنئذ أبواب الحصون المفضية إلى مدينة القستنطينية
13:09 وتستولي عليها واحدا بعد آخر
13:12 بقيادة الأمير الباسل مسلمة بن عبد الملك بن مروان
13:17 وذلك تمهيدا لفتح القستنطينية نفسها
13:21 فلما علم ملك الروم بعزم أمير المؤمنين
13:25 على توسعة المسجد النبوي الشريف
13:28 أحب أن يصانعه ويتقرب إليه بما يسره
13:32 فبعث إليه بمائة ألف مثقال من الذهب
13:36 وأرسل معها مائة عامل من أمهر البنائين في بلاد الروم
13:42 وزود العمال بأربعين حملا من الفسيفساء
13:46 فأرسل الوليد ذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز
13:51 ليستعين به على بناء المسجد
13:54 فأنفقه عمر بمشورة القاسم بن محمد وصاحبه
13:59 ولقد كان القاسم بن محمد
14:04 أشد الناس تأسيا بجده الصديق رضوان الله عليه
14:09 حتى قال الناس
14:11 لم يلد أبو بكر ولدا أشبه به من هذا الفتا
14:15 فلقد أشبهه في كرم شمائله ونبل خصائله
14:20 وصلابة إيمانه وشدة ورعه
14:23 وسماحة نفسه وسخاء يده
14:26 وقد أثر عنه كثير من الأقوال والأفعال تشهد له بهذا
14:33 من ذلك أن أعرابيا جاءه إلى المسجد فقال
14:37 أي ما أعلم أنت أم سالم بن عبد الله
14:42 فتشاغل عنه فآعادها عليه
14:46 فقال سبحان الله فآعادها كرة ثالثة
14:51 فقال له ذاك سالم يبن أخي يجلس هناك
14:56 فقال من في المجلس لله أبوه
15:00 لقد كره أن يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه
15:05 وكره أن يقول هو أعلم مني فيكذب
15:09 وكان أعلم من سالم
15:11 ولقد رؤي ذات مرة بمنى
15:15 وأهل الأمصار من حجاج بيت الله يطبقون عليه من كل جانب
15:21 وهم يسألونه
15:23 فكان يجيبهم بما يعلم
15:26 ويقول لهم فيما لا يعلمه
15:29 لا أدري لا أعلم لا أدري
15:33 فأخذهم منه العجب
15:35 فقال لهم ما نعلم كل ما تسألون عنه
15:39 ولو علمناه ما كتمناه
15:42 ولا يحل لنا أن نكتمه
15:45 ولأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعرف حق الله عليه
15:50 خير له من أن يقول ما لا يعلم
15:56 وفي ذات مرة
15:58 فجهد إليه بقسمة الصدقات بين مستحقيها
16:02 فاجتهد في ذلك ما وسعه لاجتهاد
16:06 وأعطاك الذي حق حقه
16:09 غير أن أحدهم لم يرضى عن نصيبه الذي أعطي له
16:13 فآتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي
16:17 وجعل يتكلم في أمر الصدقة
16:20 فقال له ابنه
16:22 والله إنك لتتكلم في رجل
16:25 ما نال من صدقتكم درهما ولا دانقا
16:29 ولا أصاب منها تمرة واحدة
16:32 فأوجز القاسم صلاته
16:34 والتفت إلى ابنه وقال
16:37 يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم
16:42 فقال الناس صدق ابنه
16:45 ولكنه أراد أن يربية
16:48 وأن يحفظ لسانه من التوسع في الكلام
16:52 وقد عمر القاسم ابن محمد
16:57 حتى نيف على الثانية والسبعين
17:00 لكنه كف بصره وهو شيخ كبير
17:04 وفي آخر سنة من حياته
17:07 قصد مكة يريد الحج
17:10 وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقين
17:14 فلما أحس بالأجل
17:17 التفت إلى ابنه وقال
17:19 إذا أنامت
17:21 فكفني بثياب التي كنت أصلي فيها
17:25 قميصي وأزاري وردائي
17:28 فذلك كان كفن جدك أبي بكر
17:32 ثم سوي علي لحدي
17:34 والحق بأهلك
17:36 وأياكم أن تقفوا على قبري
17:39 وتقولوا كان وكان
17:42 فما كنت شيئا
17:44 لو كان لي من الأمر شيء
17:53 لوليت القاسم ابن محمد للخلافة
17:56 عمر بن عبد العزيز
18:30 ملأوا الحياة
18:32 مفاخرا بالفعلهم
18:35 وزهت بهم دنيا الأنا