ضمن سلسلة صور من حياة التابعين (اكتملت السلسلة)
· درس 23 من 37
صور من حياة التابعين | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (23) | القاسم بن محمد بن أبي بكر رحمه الله
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:03
خير القرون مواقفاً ومثالاً
0:08
تبع الرسول إذا سعى أو قالا
0:13
جمعية مودة
0:15
تقدم
0:17
صور من حياة التابعين
0:21
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:26
رحمه الله
0:28
القاسم بن محمد بن أبي بكر
0:33
رحمه الله
0:43
هل أتاك نبأ هذا التابعي الجليل
0:47
إنه فتنجمع المجد من أطرافه كلها
0:51
حتى لم يفته منه شيء
0:54
فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق
0:57
وأمه بنت كسرا يزدجرد
1:00
آخر ملوك الفرس
1:02
وعمته عائشة أم المؤمنين
1:05
وهو فوق ذلك كله
1:08
قد توج هامته بتاج التقا والعلم
1:12
أفتحسب أن فوق هذا المجد مجداً يتنافس فيه المتنافسون
1:18
ذلكم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
1:23
أحد فقهاء المدينة السبعة
1:26
وأفضل أهل زمانه علما
1:29
وأحدهم ذهنا وأشدهم ورعا
1:32
فتعال نبدأ قصة حياته من أولها
1:39
ولد القاسم بن محمد في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
1:46
لكن الطفل الصغير ما كاد يدرج في عشه
1:50
حتى عصفت في ديار المسلمين ريح الفتنة الهوجاء
1:55
فاستشهد الخليفة العباد الزهاد ذو النورين
2:00
وهو منحن بصلبه على أجزاء القرآن
2:04
ونشب الخلاف الكبير بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
2:09
ومعاوية بن أبي سفيان أمير بلاد الشام
2:13
وفي سلسلة مفزعة مذهلة من الأحداث المتلاحقة
2:19
وجد الطفل الصغير نفسه يحمل مع أخته من المدينة إلى مصر
2:24
فقد كان عليهما أن يلحق بأبيهما
2:28
بعد أن غدا واليا عليها من قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
2:34
ثم رأى أظافر الفتنة الحمرة امتد إلى أبيه
2:39
فتقتله شر قتله
2:41
ثم ألفى نفسه ينقل مرة أخرى من مصر إلى المدينة
2:46
بعد أن استولى عليها أنصار معاوية
2:50
وقد أصبح يتيما لطيما
2:53
حدث القاسم نفسه عن رحلة العذاب هذه ومات لاها
3:00
فقال لما قتل أبي بمصر
3:04
جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر
3:07
فاحتملني أنا وأخت الصغيرة ومضابنا إلى المدينة
3:12
فما إن بلغناها
3:14
حتى بعثت إلينا عمتي عائشة رضي الله عنها
3:19
فحملتنا من منزل عمي إلى بيتها
3:23
وربتنا في حجرها
3:26
فما رأيت والدة قط ولا والدا أكثر منها برا
3:31
ولا أوفر شفقه
3:33
كانت تطعمنا بيديها ولا تأكل معنا
3:37
فإذا بقي من طعامنا شيء أكلت
3:41
وكانت تحن علينا حنو المرضعات على الفطيم
3:45
فتغسل أجسادنا وتمشط شعورنا
3:49
وتلبسنا الأبيض الناصع من الثياب
3:52
وكانت لا تفتأ وتحضنا على الخير وتمرسنا بفعله
3:57
وتنهانا عن الشر وتحملنا على تركه
4:01
وقد دابت على تلقيننا ما نقيقه من كتاب الله
4:06
وترويتنا ما نعقله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
4:12
وكانت تزيدنا برا وإتحافا في العيدين
4:16
فإذا كانت عشية عرفة
4:19
حلقت لي شعري
4:21
وغسلتني أنا وأختي
4:24
فإذا أصبحنا
4:26
ألبستنا الجديد
4:28
وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد
4:32
فإذا عدنا منه
4:34
جمعتني أنا وأختي وضحت بين أيدينا
4:40
وفي ذاتي يوم
4:42
ألبستنا ثيابا بيضا
4:44
ثم أجلستني على إحدى ركبتيها
4:47
وأجلست أختي على ركبتها الأخرى
4:51
وكانت قدعت عمي عبد الرحمن
4:54
فلما دخل عليها
4:56
حيته ثم تكلمت
4:58
فحمدت الله عز وجل
5:01
وأثنت عليه بما هو أهله
5:04
فما رأيت متكلما قط من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها
5:10
أفصح منها لسانا ولا أعذب بيانا
5:14
ثم قالت
5:16
أي أخي
5:17
إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذت هذه الصبيين منك
5:23
وضممتهما إلي
5:25
ووالله ما فعلت ذلك تطاولا عليك ولا سوء ظن بك
5:30
ولاتهاما لك بالتقصير في حقهما
5:34
ولكنك رجل ذو نساء
5:37
وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما
5:42
فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقدرنه
5:46
فلا يطبن بهما نفسا
5:49
ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال
5:55
وههما الآن قد شبا
5:57
وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما
6:01
فخذهما وضمهما إليك
6:04
فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمنا إلى بيته
6:09
بيد أن الغلام البكري
6:13
ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله عليها
6:19
فعلى أرض بيتها المضمخة بطيوب النبوة درج
6:24
وفي أكناف صاحبته تربى وترعرع
6:28
ومن حنانها المتدفق نهل وارتوى
6:32
فصار يوزع وقته بين بيتها وبيت عمه
6:38
وقد ظلت ذكريات منزل عمته الشذية الندية الرفافة
6:43
تحيا في خاطره ما امتدت به الحياة
6:47
فاستمع إلى بعض حديثه عن تلك الذكريات حيث يقول
6:52
قلت ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها
6:57
يا أمه اكشفي لي عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام
7:02
وقبري صاحبيه فأني أريد أن أراها
7:07
وكانت القبور الثلاثة ما زالت داخل بيتها
7:11
وقد غطتها بما يسترها عن العين
7:15
فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة
7:20
وقد مهدت بصغار الحص الحمر مما كان في باحة المسجد
7:26
فقلت أين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:31
فأشارت بيدها وقالت هذا
7:35
ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان
7:40
فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهما
7:44
وكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدما على قبري صاحبيه
7:50
فقلت وأين قبر جدي أبي بكر
7:54
فقالت هاهوذا وكان مدفونا عند رأس النبي صلوات الله وسلامه عليه
8:02
فقلت وهذا قبر عمر
8:05
فقالت نعم وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي
8:12
قريبا من رجل النبي عليه الصلاة والسلام
8:18
ولما شب الفتى البكر كان قد حفظ كتاب الله عز وجل
8:24
وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:30
ما شاء الله أن يأخذ
8:33
ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف
8:36
وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتثر في كل ركن من أركانه
8:43
كما تنتثر النجوم الزهر على صفحة السماء
8:47
فروى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس
8:53
وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر
8:57
وعبد الله بن خباب ورافع بن خديج
9:01
وأسلم مولى عمر بن الخطاب
9:04
وغيرهم وغيرهم رضي الله عنهم حتى غدا إماما مجتهدا
9:10
وأصبح من أعلم زمانه بالسنة
9:14
وكان الرجل لا يعد رجلا عندهم حتى يتقن السنة
9:19
ولما اكتملت للشاب بالبكري أدوات المعرفة
9:24
أقبل الناس عليه يلتمسون عنده العلم بشغف
9:29
وأقبل هو عليهم يبذله لهم بسخا
9:33
فكان يأتي مسجد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه غداة كل يوم
9:40
في موعد لا يخلفه
9:42
فيصل ركعتين يحيي بهم المسجد
9:46
ثم يأخذ مكانه أمام خوخة عمر في الروضة الغرى
9:51
بين قبر النبي صلوات الله وسلامه عليه وبين منبره
9:56
فيجتمع عليه طلاب العلم من كل مكان
10:00
وينهلون من موارده العذبة المصفاه
10:04
ما يملأ النفوس العطشارية
10:07
ولم يمضي طويل وقت
10:09
حتى أصبح القاصم ابن محمد
10:12
وابن خالته سالم ابن عبد الله ابن عمر
10:16
إمامي المدينة الموثوقين
10:19
وسجديها المطاعين
10:21
ورجليها النافذين
10:23
على الرغم من أنه لم تكن في أيديهما ولاية ولا سلطان
10:29
فقد سودهم الناس
10:31
لما كانا يتحليان به من التقى والورع
10:35
وما يحملانه في صدريهما من العلم والفق
10:39
وما يزدانان به من الزهادة بما في أيدي الناس
10:44
والرغبة بما عند الله عز وجل
10:47
وقد بلغ من مكانتهما في النفوس
10:50
أن خلفاء بني أمية وولاتهم
10:53
كانوا لا يقطعون أمرا ذابال
10:56
في شأن من شؤون المدينة
10:58
إلا برأيهما
11:00
من ذلك أن الوليد ابن عبد الملك
11:03
قد عقد العزم على توسعة الحرم النبوي الشريف
11:07
ولم يكن في وسعه أن يحقق هذه الأمنية الغالية
11:12
إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع
11:16
وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه
11:21
وضمها إلى المسجد
11:23
وهي أمور تشق على الناس
11:26
ولا تطيب نفوسهم بها
11:29
فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول
11:34
لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:40
حتى يصبح مائتي ذراع في مائتي ذراع
11:44
فهدم جدرانه الأربعة
11:46
وأدخل فيه حجر زوجات النبي عليه الصلاة والسلام
11:51
واشتر ما في نواحيه من البيوت
11:54
وقدم القبلة إن قدرت
11:57
وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب
12:02
ومنزلتهم في قلوب الناس
12:05
فإذا أبى عليك أهل المدينة ذلك
12:08
فاستعن بالقاصم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر
12:13
وأشركهما معك في الأمر
12:16
وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء
12:20
وإن لك في ذلك سلفي صدق
12:23
هما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
12:28
فدعى عمر بن عبد العزيز القاصم بن محمد وسالم بن عبد الله
12:34
وطائفة من وجوه أهل المدينة
12:37
وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين
12:40
فسروا بما عزم عليه الخليفة وهبوا لإنفاذه
12:45
فلما رأى الناس عالمي المدينة وإماميها الكبيرين
12:49
يباشران هدم المسجد بأيديهما
12:53
قاموا معهما قومة رجل واحد
12:56
وأنفذوا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين
13:00
وكانت جيوش المسلمين المظفرة
13:03
تدق آنئذ أبواب الحصون المفضية إلى مدينة القستنطينية
13:09
وتستولي عليها واحدا بعد آخر
13:12
بقيادة الأمير الباسل مسلمة بن عبد الملك بن مروان
13:17
وذلك تمهيدا لفتح القستنطينية نفسها
13:21
فلما علم ملك الروم بعزم أمير المؤمنين
13:25
على توسعة المسجد النبوي الشريف
13:28
أحب أن يصانعه ويتقرب إليه بما يسره
13:32
فبعث إليه بمائة ألف مثقال من الذهب
13:36
وأرسل معها مائة عامل من أمهر البنائين في بلاد الروم
13:42
وزود العمال بأربعين حملا من الفسيفساء
13:46
فأرسل الوليد ذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز
13:51
ليستعين به على بناء المسجد
13:54
فأنفقه عمر بمشورة القاسم بن محمد وصاحبه
13:59
ولقد كان القاسم بن محمد
14:04
أشد الناس تأسيا بجده الصديق رضوان الله عليه
14:09
حتى قال الناس
14:11
لم يلد أبو بكر ولدا أشبه به من هذا الفتا
14:15
فلقد أشبهه في كرم شمائله ونبل خصائله
14:20
وصلابة إيمانه وشدة ورعه
14:23
وسماحة نفسه وسخاء يده
14:26
وقد أثر عنه كثير من الأقوال والأفعال تشهد له بهذا
14:33
من ذلك أن أعرابيا جاءه إلى المسجد فقال
14:37
أي ما أعلم أنت أم سالم بن عبد الله
14:42
فتشاغل عنه فآعادها عليه
14:46
فقال سبحان الله فآعادها كرة ثالثة
14:51
فقال له ذاك سالم يبن أخي يجلس هناك
14:56
فقال من في المجلس لله أبوه
15:00
لقد كره أن يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه
15:05
وكره أن يقول هو أعلم مني فيكذب
15:09
وكان أعلم من سالم
15:11
ولقد رؤي ذات مرة بمنى
15:15
وأهل الأمصار من حجاج بيت الله يطبقون عليه من كل جانب
15:21
وهم يسألونه
15:23
فكان يجيبهم بما يعلم
15:26
ويقول لهم فيما لا يعلمه
15:29
لا أدري لا أعلم لا أدري
15:33
فأخذهم منه العجب
15:35
فقال لهم ما نعلم كل ما تسألون عنه
15:39
ولو علمناه ما كتمناه
15:42
ولا يحل لنا أن نكتمه
15:45
ولأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعرف حق الله عليه
15:50
خير له من أن يقول ما لا يعلم
15:56
وفي ذات مرة
15:58
فجهد إليه بقسمة الصدقات بين مستحقيها
16:02
فاجتهد في ذلك ما وسعه لاجتهاد
16:06
وأعطاك الذي حق حقه
16:09
غير أن أحدهم لم يرضى عن نصيبه الذي أعطي له
16:13
فآتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي
16:17
وجعل يتكلم في أمر الصدقة
16:20
فقال له ابنه
16:22
والله إنك لتتكلم في رجل
16:25
ما نال من صدقتكم درهما ولا دانقا
16:29
ولا أصاب منها تمرة واحدة
16:32
فأوجز القاسم صلاته
16:34
والتفت إلى ابنه وقال
16:37
يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم
16:42
فقال الناس صدق ابنه
16:45
ولكنه أراد أن يربية
16:48
وأن يحفظ لسانه من التوسع في الكلام
16:52
وقد عمر القاسم ابن محمد
16:57
حتى نيف على الثانية والسبعين
17:00
لكنه كف بصره وهو شيخ كبير
17:04
وفي آخر سنة من حياته
17:07
قصد مكة يريد الحج
17:10
وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقين
17:14
فلما أحس بالأجل
17:17
التفت إلى ابنه وقال
17:19
إذا أنامت
17:21
فكفني بثياب التي كنت أصلي فيها
17:25
قميصي وأزاري وردائي
17:28
فذلك كان كفن جدك أبي بكر
17:32
ثم سوي علي لحدي
17:34
والحق بأهلك
17:36
وأياكم أن تقفوا على قبري
17:39
وتقولوا كان وكان
17:42
فما كنت شيئا
17:44
لو كان لي من الأمر شيء
17:53
لوليت القاسم ابن محمد للخلافة
17:56
عمر بن عبد العزيز
18:30
ملأوا الحياة
18:32
مفاخرا بالفعلهم
18:35
وزهت بهم دنيا الأنا