ضمن سلسلة نسيم السحر (اكتملت السلسلة)
· درس 5 من 30
نسيم السحر | الحلقة (5) | فن التحويل السعيد
0:000:00
التفريغ النصي
0:02
نسيم السحر
0:08
فن التحويل السعيد
0:14
إن العاقل الجلد إذا نزلت به مصيبة
0:18
أو سيطر عليه حزن أو غم أو هم
0:22
لم يفقد تفكيره بمخرج من ألمه
0:26
أو سبب صحيح يخفف عنه ما نزل به
0:31
وأما الجاهل الضعيف
0:33
إن نزلت به واحدة من الآلام السابقة
0:37
فإنه يغلق مسارب عقله
0:40
ويغطي آفاق فكره
0:43
وينكفئ على وجعه متألما متحسرا
0:47
قد أظلمت الدنيا أمام عينيه
0:51
فلا يرى طريقا للنجاة أو التيسير
0:55
ومن هنا يتضاعف على الجاهل الضعيف الوجع
1:01
وتغد المصيبة عليه مصيبتين
1:05
إني أقول لك
1:07
أيها المتألم بمصيبة من المصائب
1:11
أبذ الجهدك على الصبر
1:14
لتحويل ذلك الترح إلى فرح
1:17
وذلك الضر إلى خير
1:20
وحمل نفسك بالصبر على أن تغير مجر المصيبة على نفسك
1:26
إلى منفعة لها
1:30
وقد قالوا
1:32
إصنع من الليمون الحامض شرابا حلوى
1:36
إن فن التحويل السعيد
1:39
تجده في القرآن في مواضع
1:42
قال تعالى
1:44
فعسى أن تكره شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا
1:51
وقال
1:53
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا
1:58
بل أحياء عند ربهم يرزقون
2:02
فانظر كيف أعطاك الله في الآية الأولى
2:06
قاعدة عامة في تحويل المكاره إلى محاب
2:11
وكأنه يقول لك
2:14
إن نزل بك مكروه
2:16
فحول النظرة القاتمة إليه
2:19
إلى نظرة متفائلة
2:22
مستشعر أن هناك خيرا لك في رحم هذا الشر
2:27
وفي الآية الثانية
2:30
أنظر كيف جعل من الموت حياة
2:34
وأي حياة هي
2:36
إنها حياة سعيدة بلا كدر عند الله تعالى
2:42
وكأنه يقول
2:44
أمح من ذهنك الصورة السالفة للموت
2:48
فهذا الموت في سبيل الله حياة أخرى في صورة موت
2:54
وفي مسند أحمد بسند صحيح
2:57
عن معاوية بن قراتا عن أبي
3:00
أن رجلا كان يأت النبي صلى الله عليه وسلم
3:06
ومعه ابن الله
3:07
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم
3:11
أتحبه
3:13
فقال يا رسول الله
3:15
أحبك الله كما أحبه
3:18
ففقده النبي صلى الله عليه وسلم
3:22
فقال
3:24
ما فعل ابن فلان
3:26
قالوا يا رسول الله مات
3:30
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه
3:34
أما تحب ألا تأتي بابا من أبواب الجنة
3:39
إلا وجدته ينتظرك
3:42
فقال رجل يا رسول الله
3:46
أله خاصة أم لكلنا
3:49
قال بل لكلكم
3:53
وفي صحيح البخاري
3:55
عن أنس رضي الله عنه قال
3:58
أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام
4:02
فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت
4:08
يا رسول الله
4:10
قد عرفت منزلة حارثة مني
4:13
فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب
4:17
وإن تكون أخرى ترى ما أصنع
4:21
فقال
4:23
ويحك أو هبلت
4:26
أو جنة واحدة هي
4:29
إنها جنان كثيرة
4:32
وإنه في جنة الفردوس
4:35
فانظر في الحديث الأول
4:39
كيف حول النبي عليه الصلاة والسلام فاجعة الوالد
4:44
بفقد ولده الذي يحبه كثيرا
4:48
إلى بشرة سعيدة تنتظره
4:51
وكيف حول حزن الأم الثكلا بولدها
4:55
إلى سعادة عظيمة فاقت ما كانت ترجو لذلك الولد
5:01
إن الواقع البشري مليء بالأمثلة
5:05
التي تحكي عزم نفوس أبية على تحويل المحنة إلى منحة
5:11
وما كان لتلك المنحة أن تكون
5:15
لولا المحنة التي ولدتها
5:19
وسنأخذ مثالين
5:21
مثالا من العصر القديم
5:24
ومثالا من العصر الحديث
5:27
ففي الزمن القديم
5:29
حبس الإمام الحنفي السرخسي
5:32
المتوفى سنة 83 و400 للهجرة
5:37
فألف في سجنه كتابه العظيم المبسوط
5:42
وقد سطر أدلة تدوينه إياه في سجنه
5:46
في عدة مواضع من الكتاب
5:49
ففي إتمام العبادات قال رحمه الله
5:53
هذا آخر شرح العبادات
5:56
بأوضح المعاني وأوجز العبارات
5:59
أم لاه المحبوس عن الجمع والجماعات
6:04
مصليا على سيد السادات
6:07
محمد المبعوث بالرسالات
6:11
وفي آخر كتاب الطلاق قال
6:14
هذا آخر شرح كتاب الطلاق
6:17
بالمؤثرة من المعاني الدقاق
6:21
أم لاه المحصور عن الانطلاق
6:24
المبتلى بوحشة الفراق
6:27
وفي نهاية كتاب العتاق
6:30
قال
6:32
انتهى شرح كتاب العتاق
6:35
من مسائل الخلاف والوفاق
6:38
أم لاه المستقبل للمحني بالإعتاق
6:42
المحصور في طرف من الآفاق
6:45
حامدا للمهيمن الرزاق
6:48
ومرتجيا إلى لقائه العزيز بالأشواق
6:53
وفي عقب كتاب المكاتب قال
6:56
انتهى شرح كتاب المكاتب
6:59
بإملا المحصور المعاتب
7:02
والمحبوس المعاقب
7:05
وهو منذ حولين على الصبر مواضب
7:08
وللنجات بلطيف صنع الله مراقب
7:14
ولما انتهى من كتاب الولا
7:17
قال
7:19
انتهى شرح كتاب الولا
7:22
بطريق الإملا
7:24
من الممتحن بأنواع البلا
7:27
يسأل من الله تعالى تبديل البلا
7:30
والجلاء بالعز والعلا
7:33
فإن ذلك عليه يسير
7:36
وهو على ما يشاء قدير
7:39
وأما المثال من العصر الحديث
7:42
وهو الشيخ الألباني
7:44
المتوفى سنة عشرين وأربعمائة وألف للهجرة
7:48
فقد سجن عدة أشهر
7:51
فأخرج مختصر صحيح مسلم
7:54
يقول رحمه الله
7:57
وقد قدر الله ألا يكون معي فيه
8:00
يعني في السجن
8:03
إلا كتابي المحبب
8:06
صحيح الإمام مسلم
8:08
وقلم رصاص وممحاه
8:12
فعكفت على تحقيق أمنيتي
8:15
في اختصاره وتهذيبه
8:18
وفرغت من ذلك في نحو ثلاثة أشهر
8:21
كنت أعمل فيه ليل نهار
8:24
ودون كلل ولا ملل
8:27
وبذلك انقلب ما أراده أعداء الأمة
8:30
انتقاما منا إلى نعمة لنا
8:33
يتفيأ ظلالها طلاب العلم
8:36
من المسلمين في كل مكان
8:39
فالحمد لله الذي بنعمته
8:42
تتم الصالحات
8:45
ألا فلتحول أيها المرء
8:48
سيل المكاره المتدفق عليك
8:51
إلى جداول صغيرة
8:54
تمتد إلى واحة حياتك
8:57
حتى تسقي أمانيك الجميلة
9:00
فتنبت بها روضة فيحا
9:03
تسر نظرك بهجتها
9:06
وقل أنا إن بليت
9:09
فلن أخور لمحنتي
9:12
وأصير رهن بليتي مكسورا
9:15
سأظل في وهج البلية صانعة
9:18
من جمرة النار الشديدة نورا