ضمن سلسلة قصة مريم عليها السلام (اكتملت السلسلة)
· درس 4 من 4
قصة مريم عليها السلام | الحلقة (15) | لا تحزني يا مريم
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
0:04
قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ
0:07
عَلَيْهَا السَّلَامِ
0:10
لا تحزني يا مريم
0:15
إن عناية الله بمريم
0:21
لم تتوقف عند اختيار مكان الولادة
0:25
بل كانت تحيط بها من كل جانب
0:28
فلما قالت مريم
0:31
يا ليتني مدت قبل هذا
0:33
وكنت نسيا منسيا
0:37
أنطق الله من نواسيها
0:40
فناداها من تحتها
0:42
ألا تحزني
0:44
قد جعل ربك تحتك سريا
0:48
قال ابن جرير نطبري رحمه الله
0:51
وأولى القولين في ذلك عندنا
0:53
قول من قال
0:55
الذي ناداها ابنها عيسى
0:59
وذلك أنه من كناية ذكره
1:01
أقرب منه من ذكر جبرائيل
1:04
فرده على الذي هو أقرب إليه
1:07
أولى من رده على الذي هو أبعد منه
1:11
وقال الشنقيقي رحمه الله
1:14
أظهر القولين عندي
1:16
أن الذي ناداها هو ابنها عيسى
1:20
وتدل على ذلك قرينتان
1:23
الأولى
1:24
أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور
1:28
إلا بدليل صارف عن ذلك
1:30
يجب الرجوع إليه
1:33
وأقرب مذكور في الآية
1:35
هو عيسى لا جبريل
1:37
لأن الله قال
1:39
فحملت
1:40
يعني عيسى
1:42
فانتبذت به
1:44
أي بعيسى
1:46
ثم قال بعده
1:48
فناداها
1:49
فالذي يظهر ويتبادر من السياق
1:52
أنه عيسى
1:54
والقرينة الثانية
1:56
أنها لما جاءت به قومها تحمله
2:00
وقالوا لها ما قالوا
2:02
أشارت إلى عيسى ليكلموه
2:05
كما قال تعالى عنها
2:08
فأشارت إليه
2:10
قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا
2:15
وإشارتها إليه ليكلموه
2:18
قرينة على أنها عرفت قبل ذلك
2:21
أنه يتكلم
2:22
على سبيل خرق العادة
2:24
لندائه لها عندما وضعت
2:28
وذهب آخرون من العلماء
2:30
إلى أن الذي ناداها هو جبريل عليه السلام
2:35
وأياً كان الصواب من القولين
2:38
فالعبرة من الحدث هي مرادنا من القصة
2:42
فالذي ناداها من تحتها نهاها عن الحزن
2:46
والحزن
2:47
عبارة عما يحصل لوقوع مكروه
2:51
أو فوات محبوب في الماضي
2:54
وحزن مريم من النوع الأول
2:57
وهو خوفها مما سيقال عنها
2:59
عندما تلقى قومها
3:01
وهي تحمل وليدها
3:04
ولكن
3:05
لماذا نهاها عن الحزن
3:08
وهل تملك ألا تحزن
3:11
إن الوضع النفسي الذي كانت تمر به مريم عليه السلام
3:15
لم يكن أمراً هينا
3:18
ومع ذلك نهاها عن الحزن
3:21
مما يعني أن المرأة تستطيع أن تتجاوز الأحزان التي تعتريها
3:27
بسبب ما تمر به في الحياة من آلام
3:31
لأنه لو لم يكن لديها القدرة على تجاوز مرحلة الحزن
3:36
لما أمرها به
3:38
مع أن الحزن أمر طبيعي يحصل في النفس
3:42
ولكن يمكن معالجته
3:45
قال محمد رشيد رضا رحمه الله
3:48
فإن قيل
3:50
إن الحزن ألم طبيعي يعرض للإنسان عند فوت ما يحبه
3:55
وليس أمراً اختياريا
3:58
فكيف نهى الله تعالى عنه
4:01
قلنا
4:02
إن النهي عن الحزن
4:04
يراد به النهي عن لوازمه التي يفعلها كثير من الناس مختارين
4:10
فتكون محركة لذلك الألم
4:14
ومجددة له ومبعدة أمد السلوى
4:18
والأمر بضدها من تكلف الأعمال التي تشغل النفس
4:23
وتصرفها عن التذكر والتفكر فيما حزنت لأجله
4:27
احتساباً ورضاءاً من الله تعالى
4:31
وهذه الأفعال تكون بدنية نفسية
4:35
وتكون نفسية فقط
4:37
أو بدنية فقط
4:40
فالركون إلى الحزن
4:42
قد يؤدي إلى أمور أخرى فيها تجاوز لحدود الله عز وجل
4:48
وقعود عن العمل الصالح
4:51
وانشغال الفكر بتوقعات سيئة تسيطر على القلب
4:56
وتزيد في الحزن
4:58
وهذا يؤدي إلى توقف التفكير في المخرج من الألم الذي تعيشه المرأة الحزينة
5:05
ولذلك لم تأتي الشريعة بمدح الحزن
5:09
بل جاءت بالنهي عنه
5:11
عمراعات الشريعة للطبيعة البشرية في تأثرها بآلامها وأحزانها
5:18
فأوجيز للمرأة أن تحد على الميت من أقاربها ثلاثة أيام فقط
5:25
لترجع بعدها إلى حياتها الطبيعية
5:28
وتمارس ما هو مطلوب منها شرعاً
5:32
وتفريغ القلب من الحزن المشل للعمل الصالح
5:37
وكثير من الأحزان التي تبتلى بها المرأة
5:41
يمكن أن تتجاوزها بالنظر إلى الجوانب المشرقة من حولها
5:46
مما وهبها الله لها
5:49
قال تعالى
5:51
فناداها من تحتها ألا تحزني
5:55
قد جعل ربك تحتك سريا
5:59
إن الذي ناداها من تحتها ونهاها عن الحزن
6:03
لفت انتباهها إلى نعم الله عليها
6:07
فقال لها
6:09
قد جعل ربك تحتك سريا
6:12
قال طاهر بن عاشور رحمه الله
6:15
أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن
6:21
لما فيها من الكرامة الإلهية
6:24
ومن هذه الكرامة الإلهية لمريم
6:28
هذا النهر الذي يجري بين يديها
6:32
قال الشنقيقي رحمه الله
6:35
أظهر القولين عندي
6:37
أن السري في الآية النهر الصغير
6:41
والدليل على ذلك أمران
6:44
أحدهما القرينة من القرآن
6:48
فقوله تعالى
6:50
فكلي واشربي
6:51
قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب
6:55
هو ما تقدم الامتنان به في قوله
6:59
قد جعل ربك تحتك سريا
7:02
وقوله تساقط عليك رطبا جنيا
7:07
وكذلك قوله تعالى
7:10
وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين
7:15
لأن المعين الماء الجاري
7:18
والظاهر أنه الجدول المعبر عنه بالسري
7:22
في هذه الآية
7:24
والله تعالى أعلم
7:27
وفي هذه اللفتة
7:29
إيماءة إلى كل امرأة تصاب بالحزن
7:33
أن تلتفت إلى نعم الله التي تحف بها
7:36
في نفس المصيبة التي أحزنتها
7:40
فكثير مننا لا يلتفت إلى البياض
7:43
في السواد الذي يحل به
7:46
إن الإشارة ابتداءً إلى وجود الماء
7:49
حول مريم عليه السلام
7:51
بل بين يديها
7:53
إشارة إلى أهمية الماء لها
7:57
وأن هذه الأهمية غير قاصرة على الشرب منه
8:02
فحاجة الناس إلى الماء
8:04
أكبر بكثير من حاجتهم إلى الطعام
8:08
وخاصة في مثل وضع مريم عليه السلام
8:12
فهي في حالة نفاس من ولادة
8:15
تحتاج إلى تنظيف نفسها بالماء باستمرار
8:19
وهي تحتاج كذلك إلى تنظيف وليدها بالماء
8:24
كما تحتاج إليه لشربها وإرواء ضمائها
8:28
والتبريد على نفسها وعلى وليدها من حر الشمس
8:33
وغيرها من حاجات الناس للماء
8:37
وليست هذه هي النعمة الوحيدة التي أشار إليها
8:41
من ناداها من تحتها
8:44
وإنما بدأ بأهمها
8:46
ثم أعقبها بنعم أخرى
8:50
نكمل في لقاء قادم إن شاء الله
8:53
والحمد لله رب العالمين