ضمن سلسلة صور من حياة الصحابيات (اكتملت السلسلة)
· درس 3 من 3
صور من حياة الصحابيات - الحلقة (7) - الغميصاء بنت ملحان رضي الله عنها
0:000:00
التفريغ النصي
0:00
بسم الله الرحمن الرحيم
0:15
يسر جمعية مودة
0:17
أن تقدم لكم
0:19
صور من حياة الصحابيات
0:23
للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا
0:27
رحمه الله
0:31
الغميصاء بنت ملحان رضي الله عنها
0:49
كانت الغميصاء بنت ملحان
0:56
حين أهل الإسلام بنوره على الأرض
0:59
نصفا تخطو نحو الأربعين من عمرها
1:03
وكان زوجها مالك بن النظر
1:05
يسبغ عليها من وارف حبه وظليل وداده
1:09
ما ملأ حياتها نظرة ورغدا
1:12
وكان أهل يثرب يغبطون الزوج السعيد
1:16
على ما تتحلى به عقيلته من رجاحة العقل
1:20
وبعد النظر وحسن التبعل
1:23
وفي ذات يوم من أيام الله الخالدة
1:26
نفذ إلى يثرب مع الدعية المككي مصعب بن عمير
1:32
أول شعاع من أشعة الهداية المحمدية
1:36
فتفتح له قلب الغميصاء
1:39
كما تتفتح أزاهير الرياض لتباشير الصباح
1:43
فما لبثت أن أعلنت إسلامها
1:46
يوم كان المسلمون في المدينة يعدون على الأصابع
1:50
ثم دعت الزوجة الوفية زوجها الأثير
1:54
لينهل معها من هذا المنهل الإلهي العذب الطهور
1:59
ويحضى بما حضيت به من سعادة الإيمان
2:03
لكن مالك ابن النظر
2:05
لم يشرح للدين الجديد صدرا
2:08
ولا طاب به نفسا
2:11
بل إنه دعى زوجه بالمقابل إلى الرجوع عن الإسلام
2:15
والعودة إلى دين الأباء والأجداد
2:19
وتشبث كل من الزوجين بموقفه
2:22
فالغميصاء تكره أن تعود إلى الكفر بعد الإيمان
2:27
وما يكره المرء أن يقذف في النار
2:30
ومالك يتعصب لدين الأباء والأجداد في عناد
2:35
وكانت الغميصاء
2:37
تملك من قوة الحجة ما تفحم به زوجها
2:41
وكان في دعوتها من نور الحق
2:44
ما يفضح باطله الواهي المتهافت
2:48
وكان لمالك صنم من خشب
2:51
يعبده من دون الله
2:53
فكانت تحاجه في أمره قائلة
2:56
أتعبد جذع شجرة نبت في الأرض التي تطؤها بقدميك
3:01
وترمي فيها فضلاتك
3:04
أتدعو من دون الله خشبة نجرها لك حبشي من صناع المدينة
3:10
ولما ضاق الزوج ذرعا بحجج زوجته الدامغة
3:14
غادر المدينة
3:16
ومضى هائما على وجهه متجها نحو بلاد الشام
3:21
ثم إنه لم يلبث هناك قليلا حتى مات على شركه
3:26
وما إن شاع في المدينة خبر ترم للغميصاء
3:30
حتى تشوق كثير من الرجال إلى الاقتران بها
3:34
لولا أنهم كانوا يخشغن أن تردهم خائبين
3:38
لما بينها وبينهم من الاختلاف في الدين
3:42
غير أن زيد بن سهل المكنا بأبي طلحة
3:46
أطمعه في رضاها به ما كان بينهما من روابط القرب
3:51
فكلاهما من بن النجار
3:54
مضى أبو طلحة إلى بيت الغميصاء
3:57
وخاطبها بكنيتها قائلا
4:00
يا أم سليم لقد جئتك خاطبا
4:04
فأرجو أن لا أرد خائبا
4:07
فقالت والله ما مثلك يرد يا أبا طلحة
4:12
ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة
4:16
ولا يحل لي أن أتزوجك
4:19
فإن تسلم فذاك مهري
4:22
ولا أريد منك صداقا غير الإسلام
4:25
فقال دعيني حتى أنظر في أمري ومضى
4:30
ولما كان الغد عاد إليها وقال
4:34
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
4:39
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
4:43
فقالت أما وإنك قد أسلمت
4:47
فقد رضيتك زوجا
4:49
فجعل الناس يقولون
4:52
ما سمعنا بامرأة قط
4:54
كانت أكرم مهرا من أم سليم
4:57
إذ كان مهرها الإسلام
5:00
نعم أبو طلحة بما كانت تتحلى به أم سليم
5:04
من كريم الشمائل ونبيل الخصائل
5:07
ثم زاده سعادة بها أنها وضعت له
5:11
غلاما غدا قرة عينه وفرحة قلبه
5:15
لكنه بينما كان يتأهب لسفر من أسفاره
5:19
اشتكى الطفل الصغير من علة ألمت به
5:23
فجزع عليه جزعا شديدا
5:26
كاد يصرفه عن السفر
5:28
وفي غيبته القصيرة ذوى الغصن النظير
5:32
ثم وري الثرى
5:34
فقالت أم سليم لأهلها
5:37
لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه
5:40
حتى أخبره أنا
5:42
عاد أبو طلحة من رحلته
5:45
فتلقته أم سليم هاشة باشة
5:48
فرحة مستبشرة
5:50
فبادرها بالسؤال عن الصبي
5:53
فقالت دعه
5:55
فإنه الآن أسكن ما عرفته
5:58
ثم قربت إليه العشاء
6:01
وجعلت تؤنسه وتدخل على قلبه السرور
6:05
فلما وجدت أنه شبع واستراح
6:08
قالت له
6:09
يا أبا طلحة
6:11
أرأيت لو أن قوما استرجعوا عارية أعاروها لآخرين
6:16
أفمن حقهم أن يخطو عليهم وأن يمنعوها منهم
6:20
قال لا
6:22
قالت إن الله استرد منك ما وهب
6:26
فاحتسب ولدك عنده
6:28
فتلقى أبو طلحة قضاء الله بالرضا والتسليم
6:33
ولما أصبح
6:36
غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
6:39
وحدثه بما كان من أم سليم
6:42
فدعى له ولها بأن يعوضهم الله خيرا مما فقداه
6:47
وأن يبارك لهما في العوض
6:50
فاستجاب الله جل وعز دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم
6:55
وحملت أم سليم
6:57
ولما أتمت حملها
6:59
كانت عائدة إلى المدينة من سفر
7:02
هي وزوجها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:06
فلما دنوا من يثرب
7:08
جاءها المخاض
7:10
فتوقف أبو طلحة معها
7:13
ومضى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
7:17
يريد دخول المدينة قبل أن يجن عليه الليل
7:21
فرفع أبو طلحة طرفه إلى السماء وقال
7:26
إنك لتعلم يا رب
7:28
أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج
7:33
وأن أدخل معه إذا دخل
7:36
وقد منعني من ذلك ما ترى
7:39
فقالت له أم سليم
7:41
يا أبا طلحة
7:43
إني والله لا أجد من ألم المخاض بهذا المولود
7:47
ما كنت أجده من قبل
7:49
فانطلق بنا
7:51
ولا تتأخر عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
7:56
فانطلق حتى إذا بلغ المدينة وضعت حملها
8:01
فإذا هو غلام
8:03
فقالت لمن حولها
8:05
لا يرضعه أحد قبل أن تذهبوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
8:11
فلما أصبح
8:13
حمله إليه أخوه أنس بن مالك
8:16
فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلا
8:20
قال لعل أم سليم ولدت
8:23
فقال نعم يا رسول الله
8:26
ووضع الغلام في حجره
8:28
فدعى بعجوة من عجو المدينة
8:31
ولاكها في فمه الشريف حتى ذابت
8:34
ووضعها في فم الصبي
8:37
فجعل يتلمضها
8:39
ثم مسح وجهه بيده الكريمة
8:42
وسماه عبد الله
8:44
فجاء من صلبه عشرة من علماء الإسلام الأخيار
8:49
ولقد كان من شأن أم سليم
8:52
أنها أحبت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
8:56
حبا خالط منها اللحم والعظم
8:59
وسكن في حبة القلب
9:02
وقد بلغ من حبها له
9:04
ما حدث عنه ابنها أنس رضي الله عنه فقال
9:08
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
9:11
نائما في بيتنا ذات نهار
9:14
وكان الحر شديدا
9:16
فأخذ العرق يتصبب من جبينه
9:19
فجاءت أمي بقارورة
9:21
وجعلت تسلط فيها العرق
9:24
فاستيقظ النبي عليه الصلاة والسلام
9:27
وقال ما هذا الذي تصنعين يا أم سليم
9:31
قالت هذا عرقك
9:34
أجمعه وأجعله في طيبنا
9:37
فيغدو أطيب الطيب
9:39
ومن شواهد حبها لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه
9:44
وهي كثيرة وفيرة
9:46
أن ابنها أنسا كانت له ذؤابة تنوس على جبينه
9:51
فرغب إليها زوجها أن تقصها له بعد أن طالت
9:55
فآبت ذلك
9:57
لأن النبي صلوات الله وسلامه عليه
10:01
كان كلما أقبل عليه أنس
10:03
مسح رأسه بيده
10:05
ومس ذؤابته المدلات على جبينه
10:09
ولم تقتصر خصائل أم سليم
10:12
على أنها كانت مؤمنة راسخة الإيمان
10:16
عاقلة وافرة العقل
10:18
زوجا وأما من الطراز الأول
10:21
وإنما كانت فوق ذلك كله
10:24
مجاهدة في سبيل الله
10:27
فلكملت رئاتيها من غبار المعارك العبق بطيوب الجنة
10:33
وخضبت أناملها من جراح المجاهدين
10:37
وهي تمسحها بيديها وتحكم عليها الضماد
10:41
ولكم سكبت الماء في حلوق العطاش
10:44
وهم يجودون بنفوسهم في سبيل الله
10:48
وحملت لهم الزاد وأصلحت السهام
10:52
لقد شهدت أحدا هي وزوجها أبو طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
10:59
ودأبت هي وعائشة رضوان الله عليهما
11:03
على نقل قراب الماء على ظهريهما
11:06
وإفراغها في أفواه القوم
11:09
كما شهدت حنينا أيضا
11:12
وقد اتخذت لنفسها يوم ذاك خنجرا وتمنطقت به
11:16
فلما رآه زوجها أبو طلحة
11:19
قال يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر
11:24
فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام
11:27
ما هذا يا أم سليم
11:30
قالت خنجر اتخذته
11:33
حتى إذا دنا مني أحد من المشركين
11:36
بقرت به بطنه
11:38
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:41
يضحك سرورا بما قالت
11:44
وبعد أفتظن أن على ظهر الأرض
11:47
امرأة أسعد سعادة وأزهى خاتمة
11:51
من أم سليم
11:53
بعد أن قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
11:57
دخلت الجنة
11:59
فسمعت فيها خشفة
12:02
فقلت من هذا
12:04
قالوا
12:14
ما سمعنا بامرأة قط
12:16
كانت أكرم مهرا من أم سليم
12:19
إذ كان مهروها الإسلام
12:23
أهل المدينة