اقتباسات
اقتباسات مضيئة
فأتاه بصورة ناصح وتلطف له في الكلام فغتر به آدم وأكل من الشجرة فسقط في أيديهما وسقطت كسوتهما واتضحت معصيتهما وبدا لكل منهما سوءة الآخر بعد أن كانا مستورين وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنة ليستترى بذلك وأصابهما من الخجلي ما الله به عليم
وجملة إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى تعليل للشقاء المترتب على الخروج من الجنة المنهي عنه لأنه لما كان متمتعا في الجنة برفاهية العيش من مأكل وملبس ومشرب واعتدال جو مناسب للمزاج كان الخروج منها مقتضيا فقدان ذلك
قوله في هذه الآية الكريمة فتشقى أي فتتعب في طلب المعيشة بالكد والاكتساب
وأسند ترتب الشقاء إلى آدم خاصة دون زوجه إيجازا لأن في شقاء أحد الزوجين شقاء الآخر لتلازمهما في الكون مع الإيماء إلى أن شقاء الذكري أصل شقاء المرأة وكذلك لأن المطلوب من آدم في الدنيا أن يسعى من أجل حواء فيوفر لها المأكل والملبس والمشرب والمسكن
يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله مبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعاب والعناء والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه وما هذا إلا عن عداوة أكيدة
إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا
قال الله تعالى ناهيا لا يفتننكم الشيطان النهي للآدميين والفاتن هو الشيطان ولم يوجه النهي إليه لأنه تمرد على أمر ربه وخرج مذؤوما مدحورا وكان النهي لبني آدم مع أن الفاعل غيرهم لأن معنى النهي حينئذ لا يمكنوه منهم وذلك بطاعة الله تعالى وحده ورد الأوهام والأهواء فإنها باب الشيطان فإن سد باب الوهم والهوى فقد سدت مسالك الشيطان واستقام في النفس أمر الرحمن فالحصن الذي يق المؤمن فتنة الشيطان هو الطاعة لأوامر الله تعالى وتقوية العزيمة والإرادة لأن يكون للرحمن وليا ويتقى ولاية غير الله تعالى
وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات والله أعلم بصحتها ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى في كتابه
فعدم الإيمان هو الموجب لعقد الولاية بين الإنسان والشيطان
ما يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحي 70 شيطان
يقول تعالى ذكره ذلك الذي ذكرته لكم أني أنزلته إليكم أيها الناس من اللباس والرياش من حجج الله وأدلته التي يعلم بها من كفر صحة توحيد الله وخطأ ماهم عليه مقيمون من الضلال لعلهم يذكرون يقول جل ثناؤه جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت ليذكروا فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل رحمة مني بعبادي
ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون أي ذلك الذي ذكر من نعم الله بإنزال أنواع الملابس الصورية والمعنوية من آيات الله تعالى ودلاء لإحسانه إلى بني آدم وكثرة نعمه عليهم التي من شأنها أن تعدهم وتؤهلهم لتذكر فضله ومننه والقيام بما يجب عليهم من شكرها واتقاء فتنة الشيطان لهم بإبداء العورات تارة وبالإصراف في الزينة تارة أخرى
كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقا على بقية مشرك العرب الذين يفدون لحج بيت الله الذي جعلوه بيتا للأصنام وسدنتها وأقامت هذه الحقوقة على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله وصاغتها في شرائع زعمت أنها من شرع الله وذلك لتخضع لها أعناق المشركين كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب وكانت قريش سمت نفسها اسما خاصة وهو الحمس وجعلوا لأنفسهم حقوقا ليست لسائر العرب ومن هذه الحقوق فيما يختص بالطواف بالبيت أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثيابا لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يمتلكه أحد ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا وربما كانت امرأه فتطوف عريانا فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر وأكثر ما كان النساء يطفن عراتا بالليل وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها فقال تعالى ردا عليهم قل أي محمد لمن ادعى ذلك إن الله لا يأمر بالفحشاء أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكره والله لا يأمر بمثل ذلك أتقولون على الله ما لا تعلمون أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس مضافا إليه ما يختص بتقاليدك هذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة إلا ما حرم الله وجاء ذكر اللباس خاصة ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة فما ذكر من أحداث القصة وما جاء في التعقيب الأول عليها هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن في سور أخرى لمواجهة حالات أخرى فتذكر منها مواقف ومشاهد وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى وكله حق ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق بين حلقات القصص المعروض في كل معرض وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض
وقوله وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة حكاية لابتداء عمل الإنسان لستر نقائصه وتحيله على تجنب ما يكره وعلى تحسين حاله بحسب ما يخيل إليه خياله وهذا أول مظهر من مظاهر الحضارة أنشأه الله في عقلي أصلي البشر فإنهما لما شعر بسوءاتهما بكل المعنيين عرفا بعض جزئياتها وهي العورة وحدث في نفوسهما الشعور بقبح بروزها فشرع يخفيانها عن أنظارهما استبشاعا وكراهية وإذ قد شعر بذلك بالإلهام الفطري حيث لا ملقن يلقنهما ذلك ولا تعليم يعلمهما تقرر في نفوس الناس أن كشف العورة قبيح في الفطرة وأن سترها متعين
الغرض من اللباس الستر وحجب بدن المرأة عن أنظار الأجانب منعا للفتنة والفساد ولا شك أن اللباس الذي لا يحقق هذا الغرض لأنه يصف بدن المرأة ويبرز حجمه وأعضائه فلا يكون في الحقيقة ساترا للبدن ولا حاجبا له عن أنظار الأجانب ولا مانعا من الفتنة وتحريك الشهوة ووقوع الفساد ومن أجل هذا كل جاء النهي الشرعي عن اللباس الضيق للمرأة فاشترط أن يكون واسعا فاضفاضا حتى لا يصف شيئا من بدنها ولا يحدد حجمه ولا يبرزه للناظرين
كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة كانت مما أهدا له دحية الكلبي فكسوتها مرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك لا تلبس القبطية فقلت يا رسول الله كسوتها مرأتي فقال مرها أن تجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها
فهذا نص صريح في أن المحذورة من هذه القبطية كونها تصف حجم الجسم وأعضائه لا أنها تكشف لونه كما هو الشأن في الثياب الرقيقة فوضع الغلالة تحت الثياب لمنع بيان حجم أعضاء المرأة أمر شرعي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لتحقق المرأة تمام الستر الذي أمرت به والثياب التي تصفه البدن هي التي تلتصق به أو تبين حجم أعضائه من شدة ضيقها أو أن المرأة تلبس الثياب الواسعة ثم تشدها على نفسها وهي تسير فتصف حجم عظامها
فهناك تلازم بين شرع الله لباس لستر العورات والزينة وبين التقوى كلاهما لباس هذا يستر عورات القلب ويزينه وذاك يستر عورات الجسم ويزينه وهما متلازمان فعن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسدي والحياء منه ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري العري من الحياء والتقوى والعري من اللباس وكشف السوء واللباس نعمة من الله أنزله علينا لهدف بينه لنا في الآية نفسها بقوله لباسا يواري سوآتكم وريشا
خاطب الله تعالى بني آدم في هذه الآية وأمثالها بالنداء الذي يخاطب به البعيد لما كان عليه عربهم وعجمهم عند نزول هذه السورة في مكة من البعد عن الفطرة السليمة والشرعة القويمة تنبيها للأذهان بما يقرع الآذان بما أنبأهم بما كان من عري سلفهم الأول بما أنعم به عليهم من اللباس على اختلاف درجاته وأنواعه من الأدنى الذي يستر السوءة عن أعين الناس إلى أنواع الحلل التي تشبه ريش الطير في وقاية البدن من الحر والبرد بستر جميع البدن وما في ذلك من أنواع الزينة وما للائقة بجميع ذكران البشر وإناثهم على اختلاف أسنانهم وأحوالهم فهو يقول يا بني آدم إنا بما لنا من القدرة والنعمة والرحمة قد أنزلنا عليكم من علو سمائنا بتدبيرنا لأموركم من فوق عرشنا لباسا يواري سواءتكم والله الذي يعد فاقده ذليلا مهينا وريشا تتزينون به في مساجدكم ومجالسكم ومجامعكم وهو أعلاه وأكمله وبينهما لباس الحاجة وهو ما يق الحر والبرد
إنما ابتدى الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوآتنا والرياش توبيخا للمشركين الذين كانوا يتجردون في حال طوافهم بالبيت ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال مع الإيمان به واتباع طاعته ويعلمهم أن كل ذلك من كل ما عليهم مقيمون من كفرهم بالله وتعريهم لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خير من بعض وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك الآيات التي بعد هذه الآية وذلك قوله يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فإنه جلثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب واستعمال اللباس وترك التجرد والتعري تباع أمره والعمل بطاعته وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان مؤكدا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته وذلك يجمع الإيمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت الحسن لأن من اتقى الله كان به مؤمنا وبما أمره به عاملا ومنه خائفا ومن أن يرا عندما يكرهه من عباده مستحييا ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه فحسن سمته وهديوه ورؤيت عليه بهجة الإيمان ونوره وإنما قلنا عني بلباس التقوى استشعار النفس والقلب ذلك لأن اللباس إنما هو الدراع ما يلبس واحتباء ما يكتسى أو تغطية بدنه أو بعضه به فكل من الدرع شيئا أو احتبى به حتى يرا هو أو أثره عليه فهو له لابس ولذلك جعل جلثناؤه الرجال للنساء لباسا وهن لهم لباسا وجعل الليل لعباده لباسا
فإن لباس التقوى يستمر مع العبد ولا يبلى ولا يبيد وهو جمال القلب والروح وأما اللباس الظاهري فغايته أن يستر العورة الظاهرة أو يكون جمالا للإنسان وليس وراء ذلك منه نفع وأيضا فبتقدير عدم هذا اللباس تنكشف عورته الظاهرة التي لا يضره كشفها مع الضرورة وأما بتقدير عدم لباس التقوى فإنها تنكشف عورته الباطنة وينال الخزي والفضيحة
وقوله ولا تقربى هذه الشجرة أشد في التحذير من أن ينهى عن الأكل منها لأن النهي عن قربانها سد لذريعة الأكل منها
النهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه كما بيّناه في تفسير تلك حدود الله فلا تقربوها فهو يقتضي البعد عن موارد الشبهات التي تغري به وتفضي إليه ورعا واحتياطا
يسكت القرآن عن تحديد هذه الشجرة لأن تحديد جنسها لا يزيد شيئا في حكمة حضرها مما يرجح أن الحضر في ذاته هو المقصود لقد أذن الله لهما بالمتاع الحلال ووصاهما بالامتناع عن المحظور ولا بد من محظور يتعلم منه هذا الجنس أن يقف عند حد وأن يدرب المركوز في طبعه من الإرادة التي يضبط بها رغباته وشهواته ويستعلي بها على هذه الرغبات والشهوات فيظل حاكما لها لا محكوما بها كالحيوان فهذه هي خاصية الإنسان التي يفترق بها عن الحيوان ويتحقق بها فيه معنى الإنسان
ناد الله تعالى آدم باسمه تكريما له أباح له ليسكن هو وزوجه حواء الجنة وأن يأكل منها من حيث شاء من ثمارها في أي ناحية شاء منها ولكن حرم عليهما شجرة معينة اختبارا لقوة أنفسهما وإرادتهما وردهما إغواء إبليس لهما حيثما أراد وبين أنهما إذا أكل منها كانا من الظالمين لعصيان أمر ربهما و لضعف إرادتهما وأول الظلم ضعف إرادة الظالم وكان نهي الله تعالى لهما ألا يقربى من هذه الشجرة و النهي عن القرب نهي عن الأتل بالأولى ولا نعلم ما هذه الشجرة فلا نحاول أن نعرفها ما دام الله تعالى لم يسمها ولكن إبليس وجد الباب الذي يدخل منه ليوسوس لهما
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن
فلما كان غض البصر أصلًا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عمل أمر بحفظه وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته
ولما جاءت صفية رضي الله عنها تزوره صلى الله عليه وسلم وهو معتكف قام معها ليوصلها إلى بيتها فرآهما رجلان من الأنصار فقال على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقال سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا
ومنع هبة المرأة نفسها لغير النبي صلى الله عليه وسلم وسر ذلك أن في ضد ذلك والإخلال به ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح كما في الأثر إن الزانية هي التي تزوج نفسها فإنه لا تشاء زانية تقول زوجتك نفسي بكذا سرا من وليها بغير شهود ولا إعلان ولا وليمة ولا دف ولا صوت إلا فعلت ومعلوم قطعا أن مفسدة الزنا لا تنتفي بقولها أنكحتك نفسي أو زوجتك نفسي أو أبحتك مني كذا وكذا فلو انتفت مفسدة الزنا بذلك لكان هذا من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل فعظم الشارع أمر هذا العقد وسد الذريعة إلى مشابهته للزنا بكل طريق
يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم
وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها ويوفر وقته عليها ويجتهد فيها ولا يلتفت إلى غيرها لتقوم مصالحهم وتتم منافعهم ولتكون وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب فالأعمال متباينة والقصد واحد وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور
يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة ويخبر أنها من عمل الشيطان وأنها رجس فاجتنبوه أي تركوه لعلكم تفلحون فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله خصوصا هذه الفواحش المذكورة وهي الخمر وهي كل ما خامر العقل أي غطاه بسكره والميسر وهو جميع المغالبات التي فيها عوض من الجانبين كالمراهنة ونحوها والأنصاب التي هي الأصنام والأنداد ونحوها مما ينصب ويعبد من دون الله والأزلام التي يستقسمون بها فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها فمنها أنها رجس أي خبث نجس معنا وإن لم تكن نجسة حسا والأمور الخبيثة مما ينبغ اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها ومنها أنها من عمل الشيطان الذي هو أعدى الأعداء للإنسان ومن المعلوم أن العدو يحذر منه وتحذر مصايده وأعماله خصوصا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوة فإنها فيها هلاكه فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين والحذر منها والخوف من الوقوع فيها ومنها أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها فإن الفلاح هو الفوز بالمطلوب المحبوب والنجاة من المرهوب وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومعوقة له
فالله تعالى ينهانا عن أن ننخدع بالشيطان وله ماض في إيذائنا وخدع أبوين آدم وزوجه حواء الذين كان منهم التناسل الإنساني الدائم إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها وقد عزز الله تعالى النهي عن الانخداع بإبليس بماضيه إذ خدع آدم وحواء فأتى نفوسهما من جهة ما هو في فطرة الإنسان من حب العلو والخلود فقال لهما مقسما لهما ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين أو تكون من الخالدين ومن هذا الباب دخل إلى أنفسهما وأتباعه من بعده يسلكون هذا الطريق ذاته فهم يأتون النفوس من قبل ما تحب وتشتهي فالأهواء والشهوات الباب الذي يدخل منه الشيطان إلى النفوس والسلطان والطغيان بابان مفتوحان من أبواب الشيطان
قال الله لآدم يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلى من حيث شئتما فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها وأباح لهما أن يأكل من ثمارها من أي مكان شاء منها ونهاهما أن يقرب ثمر الشجرة بعينها
يذكر تعالى أنه أباح لآدم عليه السلام ولزوجته حواء الجنة أن يأكل منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة فعند ذلك حسدهم الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ليسلبهما ماهما فيه من النعمة واللباس الحسن
أن جاهمة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال هل لك من أم قال نعم فقال إلزمها فإن الجنة عند رجلها
ما من رجل تدرك له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة
من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليه كن له سترا من النار
من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه
وقدفوا المحصنات المؤمنات الغافلات
وفي توجيه الخطاب لآدم بهذه الفضيلة بحضور إبليس بعد طرده زيادة إهانة لأن إعطاء النعم لمرضي عليه في حين عقاب من استأهل العقاب زيادة حسرة على المعاقب وإظهارا للتفاوت بين مستحق الإنعام ومستحق العقوب فلا يفيد الكلام من المعاني ما أفاده العطف على المقول المحكي ولأنه لو أريد ذلك لأعيد فعل القول ثم إن كان آدم خلق في الجنة فكان مستقرا بها من قبل فالأمر في قوله أسكن إنما هو أمر تقرير أي إبق في الجنة وإن كان آدم قد خلق خارج الجنة فالأمر للإذن تكريما له وأيا ما كان ففي هذا الأمر بمسمع من إبليس مقمعة لإبليس لأنه إن كان إبليس مستقرا في الجنة من قبل فالقمع ظاهر إذ أطرده الله وأسكن الذي تكبره عن السجود إليه في المكان المشرف الذي كان له قبل تكبره وإن لم يكن إبليس ساكنا في الجنة قبل فإكرام الذي احتقره وترفع عليه قمع له فقد دل موقع هذا الكلام في هذه السورة على معنى عظيم من قمع إبليس زائد على ما في آية سورة البقرة وإن كانت متماثلتين في اللفظ ولكن هذا المعنى البديع استفيد من الموقع وهذا من بدائع إعجاز القرآن ووجد إيثار هذه الآية بهذه الخصوصية أن هذا الكلام مسوق إلى المشركين الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله فأما ما في سورة البقرة فإنه لموعظة بني إسرائيل وهم ممن يحذروا الشيطان ولا يتبعوا خطواته
وقوله بعضكم لبعض عدو يحتمل أن يراد بالبعض بعض الأنواع وهو عداوة الإنس والجن إن كان الضمير فيهبط لآدم وزوجه وإبليس ويحتمل أن يراد عداوة بعض أفراد نوع البشر إن كان ضميرهبط لآدم وحواء فيكون ذلك إعلاماً لهما بأثر من آثار عملهما يورث في بنيهما ولذلك مبدأ ظهور آثار الاختلاف في تكوين خلقتهما بأن كان عصيانهما يورث في أنفسهما وأنفس ذريتهما داعية التغرير والحيلة على حد قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فإن الأخلاقة ورث وكيف لا وهي مما يعدى بكثرة الملابسة والمصاحبة
لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي
لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي ربي من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي ربي من هذا فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داوود فقال ربي كم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي ربي زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال أولم يبقى من عمري أربعون سنة قال أولم تعطيها ابنك داوود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته
لولا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم ولولا حوا لم تخن أنثى زوجها الدهر
قوله ولولا حوا لم تخن أنثى زوجها يعني أنها أمه فأشبهنها بالولادة ونزع العرق لما جرى لها في قصة الشجرة مع إبليس
وأما خيانة حوا أزوجها فإنها كانت في ترك النصيحة في أمر الشجرة لا في غير ذلك والمراد أن بني اسرائيل لما نهو أن يدخروا فخالفوا فسد اللحم والطردت الحال فيه عند كل مدخر ولما خانت حواء زوجها اضطردت الحال في بناتها
ولولا أن حواء خانت آدم بإغرائه وتحريضه على مخالفة الأمر بتناول الشجرة وسنت هذه السنة لما سلكتها أنثى مع زوجها
لم تخن أنثى زوجها فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة ونزع العرق فلا تكاد مرأة سلم من خيانة زوجها بالفعل أو بالقول وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش حاشا وكلا ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها قريب من هذا حديث جحد آدم فجحدت ذريته وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور وينبغي لهن لمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن والله المستعان
وقوله ولا تقربى هذه الشجرة فتكون من الظالمين يعني به ولا تأكل من الشجرة لأن قربانها إنما هو لقصد الأكل منها فالنهي عن القربان أبلغ من النهي عن الأكل لأن القرب من الشيء ينشئ داعية وميلاً إليه
وفي تعليق النهي بقربان الشجرة إشارة إلى منزع سد الذرائع وهو أصل من أصول مذهب مالك رحمه الله وفيه تفصيل مقرر في أصول الفقه
بسع الأمر عليهما إزاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر
والمقصود هنا أن من الذنوب ما يكون سبباً لخفاء العلم النافعي أو بعضه بل يكون سبباً لنسيان ما علم والاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن بسبب ذلك والله سبحانه كان أسكن آدم وزوجه الجنة وقال لهما وكلى منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزل لهم الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه وقل نهبطوا بعضكم لبعض عدو فكل عداوة كانت في ذريتهما وبلاء ومكروه تكون إلى قيام الساعة وفي النار يوم القيامة سببها الذنوب ومعصية الرب تعالى فالإنسان إذا كان مقيماً على طاعة الله باطنا وظاهرا كان في نعيم الإيمان والعلم وارد عليه من جهاته وهو في جنة الدنيا
ما توادثنان في الله جل وعز أو في الإسلام فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما
إذا تغير صاحبك عليك فعلم أن ذلك من ذنب أحدثته فتب إلى الله من كل ذنب يستقيم لك وده
إذا وجدت من إخوانك جفاء فتب إلى الله فإنك أحدثت ذنب وإذا وجدت منهم زيادة ود فذلك لطاعة أحدثتها فاشكر الله تعالى
إن العداوة التي ذكرها الله تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما كما قال الله تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو وأما آدم وزوجته فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الإنسان والشيطان
ومن المعلوم أن العدو يجد ويجتهد في ضرر عدوه وأيصال الشر إليه بكل طريقة وحرمانه الخير بكل طريقة ففي ضمن هذا تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وقال تعالى أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا
وتفيد الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم من جراء عدم امتثاله لوصاية الله تعالى وموعظة تنبه بوجوب الوقوف عند الأمر والنهي والترغيب في السعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم وتربية العداوة بينهم وبين الشيطان وجنده إذ كان سببا في جر هذه المصيبة لأبيهم حتى يكونوا أبدا ثأرا لأبيهم معادين للشيطان ووسوسته كما أشار إليه قوله تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة وقوله هنا بعضكم لبعض عدو وهذا أصل عظيم في تربية العامة ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات منافسيهم ومن غلبهم في الحروب ليكون ذلك باعثا على أخذ الثأر