ضمن سلسلة حدث في رمضان (اكتملت السلسلة) · درس 6 من 9

حدث في رمضان | د. عبدالرحمن رأفت الباشا | ح (6) | وقعة عمورية

◉ 0 مشاهدة ⏱ 15:07 الصوت الأصلي (عربي)
0:000:00

التفريغ النصي

0:00 بسم الله الرحمن الرحيم
0:04 جمعية مودة تقدم
0:09 حدث في رمضان
0:12 لعبد الرحمن رأفة الباشا
0:15 وقعة عمورية
0:19 في سنة 223 للهجرة
0:24 وفي شهر رمضان المبارك
0:26 اقتحم المعتصم بن الرشيد حصون عمورية
0:30 في 150 ألف من جنوده
0:33 وفتح المدينة التي عزت على الفاتحين
0:36 منذ عهد الإسكندر المقدوني إلى يومه
0:40 فكانت وقعة عمورية غرة في جبين الدهر
0:44 ودرة في تاريخ الإسلام
0:47 وتاجا زان مفرق المعتصم
0:50 ولي عمورية المنيعة الحصينة
0:53 ويومها الأغر المحجل
0:56 وللخليفة الذي زلزل أركانها
0:59 وقوض بنيانها
1:01 قصة مثيرة سداها الإيمان
1:04 ولحمتها النخوة
1:06 فتعالوا نتمل من هذا اليوم العظيم
1:09 فإنه من روائع أيام الله
1:12 تبدأ هذه القصة
1:15 يوم أرسل بابك الخرمي
1:17 أحد عتاة الفرس
1:19 الخارجين على الإسلام والمسلمين
1:22 كتابا إلى تيوفيل ملك الروم
1:25 يقول فيه
1:28 لقد قاومت المسلمين عشرين عاما
1:31 وقضيت على خمسين ومائتي ألف
1:34 من خيرة جنودهم
1:36 وهزمت سبعة من كبار قوادهم
1:39 واستنفدت الآلاف المؤلفة
1:42 من كريم أموالهم
1:44 وحلت دونهم ودون أن يطأوا شعاب
1:47 منطقة الواقعة في أعالي بلاد فارس
1:50 وإن المعتصم العباسي
1:53 أراد أن يثأر لنفسه
1:55 ونفذ المأمون من قبله
1:57 فبعث لحرب سائر عسكره
2:00 وأنفذ إلى قتالي خاصة رجاله
2:03 حتى كان في جملة من جندهم
2:06 خياطه الذي يخيط ثيابة
2:09 وطباخه الذي يطه طعامة
2:12 فإن شئت أن تثأر لدينك وقومك
2:15 من المسلمين وخليفتهم
2:17 فهتبل هذه الفرصة التي لا تعوض
2:20 وحذار أن تفلت منك فتندم
2:23 حيث لا ينفع ندم
2:26 استيقنت يوفيل من صحة ما أخبره به
2:29 بابك الخرمي
2:31 وعرف أن خليفة المسلمين
2:33 قد عزم على أن يقضي على حركة بابك
2:36 مهما كان الثمن غاليا
2:39 فلم يشأت يوفيل أن يفوت هذه الفرصة
2:42 على نفسه وعلى قومه
2:44 وعزم على أن يثأر من خلفاء المسلمين
2:48 الذين قسروهم أكثر من مرة
2:51 فسفع الجزية عن يد وهم صاغرون
2:54 فأعدت يوفيل للأمر عدته
2:57 واتخذ له أهبته
2:59 وتوجه إلى مدينة زبطرة
3:02 مسقط رأس المعتصم
3:04 بمائة وسبعين ألفا من جنوده
3:07 ونزل على المدينة المنكوبة نزول المنون
3:11 فهدم حصونها
3:13 واستباح أرضها
3:15 وأسرى المدافعين عنها
3:17 وسبى نساءها وذراريها
3:20 ولم يشفي ذلك كله غيض صدره
3:24 حتى مثل بأسراه شر مثلة
3:27 فسمل عيونهم
3:29 وجدع أنوفهم وصلم آذانهم
3:32 وطاف بهم في أنحاء بلاده
3:35 وبينما كانت حركة الخرميين
3:38 قد لفظت أنفاسها الأخيرة
3:40 تحت وطأة جيوش المعتصم الجرارة
3:43 وكان معبودها بابك
3:46 قد وقع أسيرا في أيدي جنود المسلمين البواسل
3:50 وكان الخليفة المعتصم يخرج لرقاء جيشه الظافر
3:54 ويخلع على قائده المنتصر وشاحين من الجوهر
3:59 ويصله هو وأفراد عسكره بعشرين ألف ألف درهم
4:04 وبينما كانت الأفراح تبلغ ذروتها في سائر بلاد المسلمين
4:09 وكان الجند يطوفون عليها برأس بابك الخرمي
4:14 وردت على المعتصم أخبار نكبة زبطرة
4:18 ونقل إليه أن امرأة مسلمة من العفيفات المحصنات
4:23 قد وقعت في يد علج من علوج الروم
4:26 فلما هم بسبيها نادت
4:29 وا معتصما
4:32 فهز النداء نخوته وأثار رجولته
4:36 وهب عن سريره وهو يقول
4:39 لبيك لبيك
4:41 لقد نهض المعتصم لتوه
4:44 ولبس لأمته وتقلد سلاحه
4:47 وحمل حقيبة ووضع فيها زادة
4:50 وركب حصانة
4:52 وصاح بالنفير وهو على أبواب قصره
4:55 وأقسم ألا يعود إليه إلا شهيدا محمولا على الأعناق
5:00 أو ظافرا منتقما للمدينة الغالية المنكوبة
5:05 والمرأة المسلمة المغصوبة
5:08 ثم غادر قصر الخلافة لساعته
5:11 وأقام عشر ليال في دار العامة في بغداد
5:15 ليعد العدة ويرسم الخطة ويعبئ الجيش
5:19 ولما تجهز جهازا لم يسبق لخليفة من خلفاء المسلمين أن تجهز مثله
5:26 أحضر قاضي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق
5:30 وأحضر معه ثلاثمائة رجل من أهل العدالة
5:34 فأشهدهم على وصيته وقسمة تركته
5:38 فجعل ثلث ماله لله
5:40 والباقي لأزواجه وأولاده وموالي
5:44 ولم يأخذ من ثروته كلها سوى ثمان كفنه
5:48 نهد المعتصم إلى لقاء عدو الله وعدوه بجيش اللجب
5:54 فيه كما يقول المؤرخون
5:57 ثمانون ألف جواد أبلق
5:59 وثمانون ألف جواد أدهم
6:02 وما شاء الله من المنجنيقات والعدد وآلة الحرب
6:06 وذلك بالإضافة إلى ما يحتاجه الجند
6:10 من حياض الأدم والروايا والقرب
6:13 وجعل وجهته عمورية
6:16 ذلك لأنها كانت روحا نصرانية
6:19 والطريق المؤدية إلى القسطنطينية
6:22 والمدينة التي رامها الفاتحون
6:25 منذ عهد الإسكندر إلى يوم المعتصم
6:28 فعزت عليهم وردتهم مقهورين
6:32 وما ذلك إلا لأنها كانت ذات حصون مشيدة
6:37 وبروج ممردة
6:39 وهي إلى ذلك مدينة الأسرة الحاكمة
6:42 ومسقط رأس تيوفيل إمبراطور الروم
6:46 أرسل المعتصم فرقة كبيرة من جيشه اللجب إلى أنقرة
6:51 لتنازل تيوفيل وتشغله عنه
6:54 واتجه بباقي عسكره نحو عمورية
6:58 ولم اقترب من المدينة العظيمة
7:01 قسم عسكره إلى ثلاثة جيوش
7:04 وجعل لكل منها قائده الذي يقوده
7:08 وخص كل جيش بيوم يقاتل فيه على التناوب
7:13 ولما وصل الجيش الأول
7:15 دار حول عمورية دورتين
7:18 ثم أخذ موقعه عند أسوارها
7:21 ثم تلاه الجيش الثاني
7:23 فدار حولها دورة
7:25 واحتل مركزه المحدد له
7:28 ثم تلاهما الجيش الثالث
7:30 واستقر في المكان المقدر له
7:33 وفي الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك
7:38 سنة مئتين وثلاث وعشرين للهجرة
7:41 كانت المنجنيقات قد نصبت حوالي أسوار عمورية من كل جانب
7:47 وكانت جيوش المسلمين الثلاثة
7:50 تحيط بالمدينة الحصينة
7:52 إحاطة الأمواج بجزيرة من جزر البحر
7:56 وتطويقها تطويق القيود للمعاصم
8:00 ولقد قاتل الجيش الأول في نوبته
8:03 فأبلى في قتاله أعظم البلاء
8:06 ثم تلاهما الجيش الثاني في نوبته
8:09 فزاد على الجيش الأول وأربا عليه
8:12 ثم تلاهما الجيش الثالث
8:15 وكان بقيادة المعتصم نفسه
8:18 فأظهر من ضروب الشجاعة وصنوف البراعة
8:21 ما كاد ينسي الناس فضل الجيشين السابقين
8:25 ولقد استمر القتال على هذا المنوال بضعة أيام
8:30 غير أن أسوار المدينة الممردة
8:33 صمدت أمام ضربات منجنيقات المسلمين
8:37 ولم تتأثر بها تأثرا يذكر
8:40 غير أن ذلك لم يفت في عضد المعتصم وجيشه
8:44 ولم يكدرهم لثقتهم بالنصر
8:47 وإنما كدرهم أمر آخر
8:50 رواه أبو بكر الصولي فقال
8:53 حدث يعقوب بن جعفر بن سليمان قال
8:57 غزوت مع المعتصم يوم عمورية
9:00 فكان رجل من الروم يقوم كل يوم
9:03 على سور من أسوار المدينة
9:06 ويشتم النبي صلوات الله وسلامه عليه
9:09 بالعربية أقذع الشتم
9:12 ويذكر اسمه ونسبه
9:14 فاشتد ذلك على المسلمين
9:17 وأثار مشاعرهم
9:19 وجعلوا يقذفونه بالنشاب فلا يصيبونه
9:23 وكنت أرمي رميا جيدا
9:26 فبينما كان الرجل يفعل فعلته الشنعاء تلك
9:29 اعتمدته بن الشابة
9:31 فآصبت نحرة
9:33 فهوى من فوق السور
9:35 فكبر المسلمون وهللوا
9:37 وسر المعتصم وقال
9:40 علي بالرجل الذي رماه
9:42 فمثلت بين يديه
9:44 فرحب بي أجمل الترحيب
9:47 وأثنى علي أجزل الثناء
9:49 ثم قال
9:51 ممن أنت
9:52 فانتسبت له
9:54 وكنت من بني هاشم
9:56 فقال
9:57 الحمد لله الذي جعل ثواب هذا السهم
10:00 لرجل من أهل بيتي
10:03 ثم التفت إلي وقال
10:05 بيعني ثوابك من هذا السهم
10:08 فقلت
10:09 ليس الثواب مما يباع يا أمير المؤمنين
10:13 فقال
10:14 إني أرغبك
10:16 وعرض علي مئة ألف درهم
10:18 فقلت ما أبيع ثوابي
10:21 فما زال يزيدها
10:23 حتى بلغ بها 500 ألف درهم
10:26 فقلت
10:27 لا أبيع ثوابي بالدنيا وما فيها
10:30 ولكن قد وهبت لك نصف ثوابي هذا السهم
10:34 والله يشهد علي بذلك
10:37 فسر المعتصم أعظم السرور وقال
10:40 جزاك الله خيرا
10:42 وانصرف عني إلى قتال عدو الله وعدوه
10:46 استمرت من جنيقات المسلمين
10:49 تضرب المدينة عشرة أيام متواليات
10:53 علها تحدث فيها ثغرة فلم تفلح
10:57 وهنا أسعف القدر المعتصم برجل من أبناء المسلمين
11:02 كان الروم قد أسروه منذ بضع سنوات
11:05 فتنصر وأقام في عمورية
11:08 فما إن رأى الجيش الإسلامي يرفع الأذان في أرجاء السماء
11:13 وسمع التهليل والتكبير
11:16 حتى حنت نفسه إلى دين الله
11:19 واستيقظ في صدره الإيمان بالله
11:22 فتسلل من المدينة الحصينة
11:25 ولجأ إلى جيوش المسلمين
11:27 وأعلن الشهادتين
11:29 وكشف للمعتصم عن سر كبير
11:32 لقد أخبر المعتصم
11:34 بأن موضعا من سور المدينة كان قد تهدم
11:38 بسبب سيل عرم اجتاحه
11:41 فكتبت يوفيل إلى عامله على عمورية ليعيد بناءه
11:46 فتوانى العامل في ذلك
11:49 فما إن علم بقدومكم
11:51 حتى سارع إلى بناء ظاهر السور بالحجارة
11:55 وموه باطنه تمويها
11:58 ثم دل المعتصم على موضعه
12:01 فوجه الخليفة المنجنيقات إلى ذلك الموضع
12:05 وطفق يقذفه بها قذفا متتابعا متواليا
12:09 حتى تصدع السور
12:11 وانفتحت منه فرجة
12:13 عند ذلك
12:15 أقبل جند المسلمين على الثغرة المفتوحة
12:18 اقبال العطاش على المورد العذب في اليوم القائظ
12:23 وتزاحموا بالمناكب على لقاء عدو الله وعدوهم في داخل المدينة
12:29 ودارت بين القلة القليلة التي استطاعت النفوذ إلى عمورية
12:34 وبين الكثرة الكثيرة من الروم
12:37 معارك ضارية
12:39 كان لا يسمع فيها غير صليل السيوف
12:42 وهمهمة المقاتلين
12:44 ورناة الرماح وأناة المطعونين
12:48 لم تغب شمس يوم السابع عشر من شهر رمضان
12:52 سنة مئتين وثلاث وعشرين للهجرة
12:55 إلا وكانت المدينة العريقة العتيدة
12:59 قد فتحت أمام جيوش المسلمين المنتصرة
13:03 وشوهد المعتصم بن الرشيد
13:06 يدخل مدينة عمورية على صهوة جواده الأصهب
13:11 وقد نكس رأسه خضوعا لله
13:14 وشكرا على نعمائه
13:16 لقد غنم المسلمون في يوم عمورية هذا
13:20 غنائم لا يحصيها عد ولا يقدر لها ثمن
13:24 وأسروا فيه سبعين ألفا من أهلها
13:27 وأخرجوا الغنائم والأسرى إلى ظاهر المدينة
13:31 ثم أمر المعتصم بعمورية
13:34 فدكت أسوارها
13:36 وهدمت بنيانها
13:38 وأزيلت معالمها
13:40 وأضرمت فيها النيران أياما طويلة
13:43 حتى تركتها قاعا صفصفا
13:46 كأن لم تغنى بالأمس
13:50 عاد الخليفة الظاهر إلى بغداد قاعدة ملكه
13:54 وقد سبقته البشائر بالفتح الكبير
13:58 فخرج الناس عن بكرة أبيهم
14:00 يستقبلونه بالتهليل
14:03 ويحيونه بالتكبير
14:05 وينثرون على موك به الريحان والأوراد
14:09 وتلقاه الشعراء بالمدائح
14:12 وأنشد أبو تمام بين يديه بائيته الباقية على وجه الدهر
14:17 وخاطبه فيها قائلا
14:20 خليفة الله جاز الله سعيك عن
14:24 جرثومة الدين والإسلام والحسب
14:27 بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها
14:31 تنال إلا على جسر من التعب
14:34 إن كان بين صروف الدهر من رحم
14:37 موصولة أو ذمام غير منقضب
14:41 فبين أيامك التي نصرت بها
14:44 وبين أيام بدر أقرب النسب
14:48 ولا غر
14:50 فقد كانت بدر في السابع عشر من رمضان
14:53 وكانت عمورية في السابع عشر منه أيضا
14:57 فحبذى رمضان
14:59 وحبذى أيامه الغر الميامين